الأقمار الصناعية تحكي قصة مطار حميميم.. من مدرج صغير لقاعدة جوية (1/2)

تاريخ النشر: 12.10.2021 | 07:06 دمشق

آخر تحديث: 12.10.2021 | 09:53 دمشق

إسطنبول - عمر الخطيب / عبد الله سكّر

على مدى 6 سنوات فقط، تغيرت جغرافيا مطار حميميم، والمطار الذي بدأ بمدرج صغير يستعمل كمهبط للطائرات المروحية انتهى حالياً كقاعدة جوية متكاملة، بمتابعة صور الأقمار الصناعية سنرسم خطاً زمنياً لتطور التدخل العسكري الروسي في سوريا، وحقيقة المسعى الروسي من وراء إنشاء قاعدة حميميم.

باستخدام صور الأقمار الصناعية والمقارنة بينها بفوارق زمنية يبدو الفرق هائلاً، والمطار الذي كان فقيراً يكاد لا يظهر في صور الاقمار الصناعية، يستقبل الآن الطائرات العملاقة مثل القاذفات الاستراتيجية بعيدة المدى من طراز "توبوليف - 22 إم 3"، كما في الصورة التالية، بالإضافة لطائرات الشحن الضخمة القادرة على نقل مجموعات قوات بكامل عتادها، مع الدبابات والمروحيات، ومن الواضح أن هذه الطائرات ليست للاستعمال في سوريا.

 

 

صورة حالية تظهر فيها طائرة توبوليف.jpg
((صورة حالية تظهر فيها طائرة توبوليف))

 

ما قبل حميميم

كانت روسيا تحتفظ بطواقم من المقاتلين والخبراء في سوريا بما فيهم وحدة الدعم الفني 720 التابعة للبحرية الروسية والمتمركزة في المنشأة البحرية الروسية في شمال ميناء طرطوس البحري، و ازداد عدد الجنود وتسميهم موسكو بمدربين ومستشارين لتدريب قوات النظام السوري على الأسلحة والمعدات الروسية التي بدأ النظام بشرائها من موسكو بعد انطلاق الثورة السورية.

أطلقت موسكو لتلبية حاجات النظام المتزايدة، بدءاً من منتصف 2011، ما وصفه المحلل الروسي العسكري "ألكسندر يرماكوف" بـ"القطار السريع" لشحن المعدات والذخائر والأسلحة لنظام الأسد، واعتمدت موسكو ابتداءً على الشحن البحري لهذه المعدات والأسلحة، واستخدمت سفن شحن تجارية كما ظهر في فضيحة سفينة الشحن الروسية MV Alaed ، حزيران 2012، التي كانت تنقل طائرات هيلوكوبتر عسكرية للنظام السوري وسحب التأمين منها وقتها، مما يعني حرمانها من دخول الموانئ العالمية للتزود بالوقود، ما أجبر روسيا على التفكير بأسلوب آخر لتهريب الأسلحة للنظام، فتحولت موسكو للشحن الجوي لكن إغلاق الأجواء التركية أمام طائراتها ومن ثم قيام بلغاريا، في أيلول 2012، بإغلاق أجوائها أجبر موسكو على الاكتفاء بمرور شحنات الأسلحة فوق بحر قزوين وإيران والعراق وصولاً لسوريا.

 

 

 وبعد أن تطورت المواجهات بين النظام وفصائل المعارضة واحتدمت المعارك، بالإضافة للخسائر الكبيرة التي تكبدها النظام سواء على مستوى الأفراد و الأسلحة، بدأت الحاجة للمزيد من الأسلحة والذخيرة تكبر، وكانت هذه الحاجة هي الدافع وراء تقديم النظام السوري قاعدة حميميم لروسيا كثمن لتدخلها العسكري المباشر، ويُعتقد أن روسيا بدأت بتكديس الأسلحة والمعدات والأفراد في حميميم بدءاً من آب 2015 مستفيدة من غياب الرقابة عن شحناتها الجوية.

 

حميميم قبل قدوم الروس.jpg
((صورة: حميميم قبل قدوم الروس))

 

بداية القصة.. اتفاقيات سرية

في كانون الثاني/يناير 2016 نشرت صحيفة واشنطن بوست بنود اتفاق سري بين بشار الأسد وفلاديمير بوتين، تم التوقيع عليه في 26 آب 2015،  أي قبل أن تبدأ روسيا عدوانها العسكري على سوريا في 30 أيلول 2015 بنحو شهر، ولم تنتظر موسكو إلا ثلاثة أشهر لتسرب الاتفاق/الفضيحة إلى الصحافة، حيث مُنح الروس كامل الحرية في التصرف كما يريدون من دون أي مساءلة، ونص على حماية الجنود الروس من المحاكمة مهما فعلوا من مخالفات وارتكبوا من جرائم، بل ويمكنهم الدخول والخروج إلى الأراضي السورية دون علم النظام.

 

الاستعدادات الروسية لبدء عملياتها ضد الأراضي السرية بدأت بحقيقة الأمر في مطلع أيلول، أي قبل نحو شهر من بدء أعمالها العسكرية، وذكرت صحيفة تيليغراف البريطانية في 5 أيلول أن الاستخبارات الأميركية رصدت إقامة روسيا برجاً لمراقبة الحركة الجوية ونقل وحدات سكنية مسبقة الصنع لما يصل إلى 1000 فرد إلى مطار حميميم، وظهر جلياً أن روسيا تعد لإقامة قاعدة جوية ومباشرة أعمال عسكرية في سوريا.

روسيا كانت متلهفة لإعداد القاعدة وتطويرها وبالفعل بدأت أعمال توسعة القاعدة بمجرد بدء الأعمال العسكرية الروسية، ونشرت روسيا خلال شهر تشرين الأول 34 طائرة مقاتلة وتظهر صور الأقمار الصناعية في تشرين الأول 2015 تموضع طائرات ومع مقارنتها مع صورة للقاعدة قبل قدوم الروس في .... يظهر بدء التغييرات الروسية وتوسيع القاعدة.

 

قبل وبعد الروس (1).jpg

 

تقتل في أقل من 60 دقيقة

وتوفر قاعدة حميمم لروسيا المتطلبات الأمنية المطلوبة فهي تقع في محيط خاضع للنظام والميليشيات الإيرانية كما أنها تبعد عن أمكنة تنفيذ الغارات الروسية ما بين 100 إلى 300 كيلومتر أي أن الطائرات الروسية المغيرة ليست بحاجة للتزود بالوقود في الجو، تعتبر روسيا ضعيفة في تقنية تزويد الطائرات بالوقود في الجو بالإضافة لأن بعض طائراتها لا تتوافر فيها أصلاً أنظمة التزود الجوي بالوقود، مثل Su-25، كما أن رحلة الطائرة من القاعدة إلى مكان الإغارة لا يتجاوز الساعة الواحدة.

 

صورة لحميميم مع الأبعاد.png
((صورة لحميميم مع الأبعاد))

 

مع إعلان موسكو، صباح 30 أيلول 2015، بدء روسيا عمليات عسكرية على سوريا "بدعوة" من بشار الأسد بدأت وكالات الأنباء تتناقل اسم حميميم، ليقدم الروس تعريفاً جديداً لهذا الاسم بعد أقل من ساعتين على الإعلان، اذ انطلقت الطائرات الروسية لتنفذ أكثر من 20 غارة جوية في 30 أيلول 2015 تركزت في ريف حمص وحماة وأدت لارتقاء أكثر من 43 مدنيا سوريا بحسب مركز توثيق الانتهاكات، وفي مساء ذلك اليوم سارعت وزارة الدفاع الروسية لإعلان استهدافها لـ 8 مواقع لتنظيم داعش، علماً أن كل المواقع التي استهدفتها روسيا يومها كانت مدنية ولم يكن لداعش أي وجود فيها، ونفت وزارة الدفاع الروسية استهداف البنى التحتية أو إصابة أي هدف مدني، وقالت بأن طائراتها نفذت الغارات بناءً على إحداثيات قدمها النظام السوري، وقامت بنشر مقاطع فيديو للتباهي بالغارات حيث تظهر الانفجارات الضخمة لللقنابل الفراغية التي لا هدف لاستخدامها ضد المدن والقرى إلا البحث عن إلحاق أكبر أذى ممكن.

 

 

مع انقضاء ذلك اليوم، الذي لن يمحى من الذاكرة السورية، تحولت قاعدة حميميم إلى عنوان آخر في الحرب ضد الثورة السورية تضاف إلى الميليشيات الإيرانية وميليشيات النظام السوري، وستشهد قاعدة حميميم على مدى السنوات الستة التالية عملاً روسياً دؤوباً لتحويلها إلى قاعدة جوية متكاملة عبر إضافة المزيد من الأابنية والمدرجات كما سنرى عبر صور الأقمار الصناعية في التقرير المقبل.