الأسد وتسويق الوهم للسوريين

تاريخ النشر: 27.05.2021 | 07:46 دمشق

أصدر رئيس النظام السوري بشار الأسد قانون  الاستثمار رقم 18 تاريخ 19/5/2021 والذي يهدف حسب زعمه  إلى: (إيجاد بيئة استثمارية تنافسية لجذب رؤوس الأموال، والاستفادة من الخبرات والتخصصات المختلفة، لتوسيع قاعدة الإنتاج بهدف زيادة فرص العمل ورفع معدلات النمو الاقتصادي بما ينعكس إيجاباً على زيادة الدخل القومي وصولاً إلى تنمية شاملة ومستدامة).

كما يقول المثل بالعامية (مجنون يحكي وعاقل يسمع) عن أي بيئة استثمارية تتحدث وقد تهدمت كل مقومات الاستثمار الصحيح منذ استيلائكم على حكم سوريا والتصرف بمواردها بشكل عبثي وفاسد، وزاد على ذلك تدمير البنى التحتية في جميع قطاعات الاقتصاد الصناعي والتجاري والخدمي في السنوات العشر الأخيرة، حتى أصبحت البيئة طاردة جداً للاستثمارات، فلا جاذبية للأموال مع السلب والنهب والتشبيح المالي وغياب الأمان واستشراء الفساد.

 

أما عن الخبرات والتخصصات المختلفة المحلية والتي هرب قسم منها إلى مختلف بلدان العالم وساهموا في بناء كثير منها، ومحرومون من المشاركة ببناء بلدهم الأم، والقسم الأكبر من هذه الخبرات تم تهجيره قسرياً ودفعه إلى النزوح أو اللجوء، حيث انتشرت قصص نجاح السوريين وإنجازاتهم الفردية عبر أكثر من 126 دولة حول العالم، فضلاً عن الذين غصت بهم السجون والمعتقلات منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا فعن أي كفاءات وخبرات تتحدث يا بائع الوهم، ولم يبق في سوريا سوى خبراء التشبيح والتشليح والاستثمار في آلام الناس وجوعهم فقد بلغت الفجوة المعيشية حداً لا يطيقه عاقل. 

 

ولاشك أن قضية تأمين فرص عمل للمواطنين لم تكن يوماً في سلم أولوياتكم بل على العكس تماماً فقد دفعتم الناس عبر سياساتكم وقراراتكم الفاشلة إلى قضاء معظم وقتهم للسعي وراء لقمة العيش والتي بدت عزيزة جداً في آخر الأيام، أما عن معدلات النمو الاقتصادي وزيادة الدخل القومي، فمنذ توليكم زمام الأمور في سوريا والمواطن السوري في حيرة من أمره، حيث لا يستطيع معرفة هوية اقتصاد بلاده ولا يفهم اتجاهات معدلات النمو السالبة والموجبة، ولا يميز بين دخلكم والدخل القومي ولاسيما بعد أن أصبحت سوريا الأسد وليست سوريا البلد، والتنمية فيها مستدامة ومستمرة لمشاريع الحاكم والطبقة الشريكة له بالفساد والإفساد والتي أفضت إلى تراكم ثروة غير مسبوق لديهم.

 

فعن أي تنمية مستدامة تتحدث يا بائع الوهم، وقد احتلت سوريا آخر المراتب في كل مؤشرات التنمية في العالم، من فقر وجوع وبطالة وفساد وأمان.

والمضحك المبكي في القانون أنه يركز  على (العدالة في منح فرص الاستثمار، ومنع احتكاره، وتبسيط إجراءاته الإدارية، ويمنع هذا القانون إلقاء الحجز الاحتياطي على المشروع، أو فرض الحراسة عليه، إلا بموجب قرارِ قضائي). وكأن للناس ذاكرة السمك فلن يتذكروا احتكارات رامي مخلوف وآل شاليش وغيرهم من أذرع النظام الفاسدة في مجالات الاستثمار المختلفة، ولن يتذكروا قرارات إلقاء الحجز الاحتياطي الاعتباطي على أقرب الدوائر من رأس النظام وابتزاز طبقة رجال الأعمال في الاجتماع الشهير معهم ومساومتهم بشكل علني ومباشر، إما الدفع لخزينة النظام وإما المحاسبة والحجز على أموالهم وأعمالهم، وفيما يتعلق بالقرار القضائي فتلك العبارة أصبحت مثار سخرية وتندر لدى جميع السوريين والذين خبِروا نظاماً قضائياً فاسداً ويدار بعقلية أمنية مستبدة فرغت الدستور والقوانين من مضمونها الافتراضي وهو العدالة وإحقاق الحق.

 

وورد في القانون تعريف المستثمر بأنه :( الشخص الطبيعي أو الاعتباري، السوري أو غير السوري، الذي يستثمر في أراضي الجمهورية العربية السورية وفقاً لأحكام هذا القانون). لا أريد أن أُشرك الشيطان في أفكاري وأقول إذا كان السوري ووفق كل المعطيات السابقة غير قادر على الاستثمار في بلده، فمَن هو غير السوري الذي سوف يستثمر وفق هذا القانون، وهل للسياسة دور في تحديد هوية هؤلاء المستثمرين، ومجالات استثمارهم؟

 

في الحقيقة ليست المرة الأولى التي يمارس بها نظام الحكم في سوريا، عمليات تسويق الوهم لمواطنيه عبر القرارات الاقتصادية التي تحاكي حاجاتهم الملحة وتدعم أحلامهم وآمالهم في تحسين وضعهم المعاشي، ويُسخر لذلك آلته الإعلامية وجوقة من المحللين برتبة - مزمرين ومطبلين -  حيث يزينون للناس هذا السراب الذي يحسبونه أملاً حقيقياً من شدة يأسهم وضيق سبل معيشتهم، لا أعتقد أن مثل هذا الادعاء والتسويق الزائف ينطلي على السوريين الذين تنامى وعيهم وتعاظم بعد تجربتهم المريرة مع هذا النظام المتهالك.