icon
التغطية الحية

الأرض مقابل المنزل.. ضريبة العودة إلى ريف إدلب المدمّر |صور

2025.10.28 | 07:52 دمشق

آخر تحديث: 28.10.2025 | 07:53 دمشق

ورشة بناء أمام منزل جديد في ريف إدلب الجنوبي (تلفزيون سوريا ـ خاص)
ورشة بناء في ريف إدلب الجنوبي (تلفزيون سوريا ـ خاص)
إدلب ـ محمد موسى محمد ديب
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- بعد سقوط نظام الأسد، واجه سكان ريف إدلب الجنوبي تحديات كبيرة، حيث اضطر العديد منهم لبيع أراضيهم الزراعية لإعادة بناء منازلهم المدمرة، مما أدى إلى فقدان مصدر رزقهم الأساسي.
- المهندسة الزراعية براءة حاج صالح تؤكد أن القصف وغياب الدعم الزراعي أدى إلى خروج آلاف الهكتارات من الأراضي عن الخدمة، مما يهدد الهوية الزراعية للمنطقة.
- بيع الأراضي كان ضرورة للبقاء، حيث يشير الباحث معتصم المحمد إلى الأبعاد الاجتماعية والنفسية العميقة لهذه الظاهرة، بينما يرى الباحث حمود ديب إمكانية تحسين الإنتاج الزراعي مستقبلاً.

بعد أشهر من سقوط نظام الأسد المخلوع، يتحدث أبو غسّان طحبش ـ مهجّر من بلدة معرشورين جنوبي إدلب ـ عن مشهدٍ اعتبره من أقسى المشاهد التي مرّت في حياته، وذلك عندما اضطر إلى بيع أرضهِ من أجل إعادة بناء منزله المدمّر في بلدته جنوبي إدلب، معتبراً أنّ الأرض مثل العرض بالنسبة لأبناءِ الريف السوري عموماً وأهالي إدلب خصوصاً، إذ تعتبر الزراعة المورد الأساسي للأهالي في هذه المنقطة.

لم تكتفِ قوات الأسد المخلوع وحلفائها فقط بتقطيع أوصال الأراضي الزراعية في ريف إدلب الجنوبي، خلال مدة سيطرتها على المنطقة منذ عام 2019 وحتى إسقاط النظام نهاية عام 2024، بل دمّرت المنازل وكلّ مصادر رزق الأهالي، حسبَ ما رصده موقع تلفزيون سوريا لشهادات عشرات الأهالي في المنطقة، ما جعل العودة محفوفةً بخطورة جديدة: بيع الأراضي الزراعيّة لأشخاصٍ مُقتدرين من المنطقة من أجل تأمين المأوى وتحريك عجلةِ الاقتصاد في تلك القرى والبلدات.

تأتي الأسباب المباشرة في هذه الخطوة الصعبة للمزارعين، هي سنوات النزوح المريرة للشمال السوري وما خلفتها من بطالة وفقر مدقع لمئات الآلاف من العائلات العائدة، والتي كانت تعتمد أصلاً على مواسم أراضيها الزراعية إن كانت في الأشجار المثمرة أو الأراضي البعلية أو بساتين الخضروات الموسميّة، فبعدَ عودة الأهالي، صُدم الجميع بخروج عشرات الآلاف من الهكتارات عن الخدمة الزراعية بسبب قطع الأشجار وردم الآبار الجوفيّة وتلف الأراضي البعلية.

تُشير تقارير محلية حول عدد الأشجار التي تم اقتلاعها بين عامي 2019 و2024، بنحو 20 ألف شجرة زيتون وألف شجرة فستق حلبي، وإزالة مئات أشجار التين، مع تقديرات حول مساحات كبيرة خرجت عن الخدمة في ريف إدلب الجنوبي، ولا توجد حتى اللحظة إحصاءات حول عدد الأراضي التي تم بيعها من قبل ذويها من أجل البناء.

منزل مدمر في ريف إدلب الجنوبي (تلفزيون سوريا ـ خاص)
منزل مدمر في ريف إدلب الجنوبي (تلفزيون سوريا ـ خاص)

الريف الذي فقد خُضرته

تؤكد التقارير الميدانية أنّ نسبة الأراضي التي خرجت عن الدورة الإنتاجيّة الزراعية وصلت لأكثر من 80 في المئة، وذلك بسبب الحملة العسكريّة من قبل قوات نظام الأسد المخلوع وحلفائها منذ عام 2019، وما لحقته هذه القوات من تبعات أخرى تتعلق بقطع الأشجار المُثمرة وبيع جذوعها كحطب تدفئة وغياب حرث الأراضي البعلية لأكثر من 6 سنوات ما جعل استصلاحها صعباً وباهظ الثمن بالإضافة لردم عشرات الآبار الجوفيّة التي يعتمد عليها الأهالي لري بساتين الخضروات.

تؤكد المهندسة الزراعية براءة حاج صالح، لموقع تلفزيون سوريا، أنّ ما يجري في المنطقة منذ نهاية عام 2024 "أكبر من مجرد ظاهرة بيع أراضٍ عند بعض الأهالي"، بل هو تحوّل خطير في بنية المجتمع الريفي والزراعي في إدلب، بعد أن كانت الزراعة المصدر الأساسي لدخل أكثر من 70 في المئة من سكان الريف الجنوبي قبل عام 2019.

تقول براءة إنّ آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية، خصوصاً المزروعة بالزيتون والفستق الحلبي والتين والخضروات، خرجت فعلياً عن الخدمة، وتُرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسية:

  • الضرر البنيوي للأرض: نتيجة للقصف الكثيف الذي طال القرى الجنوبية في السنوات الماضية، ما أدى إلى تدمير شبكات الري وترك التربة عرضة للتعرية وفقدان خصوبتها، وخاصة في المناطق الواقعة بين ريف مدينة معرة النعمان وريف مدينة خان شيخون ومناطق في ريف حماة الشمالي.
  • غياب الدعم الزراعي: بسبب غياب المشاريع التي تموّلها المنظمات الزراعية أو المجالس المحلية، وانعدام القدرة على استصلاح الأراضي أو شراء مستلزمات الزراعة مثل الأسمدة والمياه والوقود، ما جعل الزراعة عمليًا غير مجدية اقتصاديًا.
  • الضغوط المعيشية: حيث اضطر كثير من الأهالي إلى بيع أراضيهم الزراعية بهدف شراء منزل أو قطعة أرض سكنية صغيرة في المناطق "الآمنة نسبيًا" شمالي إدلب، بعد أن استحال عليهم العودة إلى قراهم المدمرة أو العمل فيها.

وترى المهندسة أنّ استمرار هذه الحالة يهدد الهوية الزراعية للمنطقة بالكامل، لأن الجيل الجديد من أبناء المهجّرين لم يعد مرتبطاً بالأرض كما كان آباؤهم، بل بات يرى في البناء أو التجارة أو حتى الهجرة خيارات أكثر أمانًا واستقرارًا من الزراعة، التي أصبحت عبئًا لا مردودًا.

سنوات النزوح وانكسار المزارع السوري

خلال سنوات النزوح المريرة التي عاشها الأهالي عموماً والمزارعين خصوصاً اضطر كثير منهم إلى بيعِ الجرارات وأدواتها التي لم يعد لها فائدة في المخيمات، وذلك للعمل بتجارة صغيرة قد تسد الرمق وسط ارتفاع ملحوظ في البطالة آنذاك، والبعض الآخر من الأهالي وبسبب قلّة فرص العمل اضطر إلى بيع أرضه وهو في الخيمة، لآخر قد يكون مغترباً وبأسعار زهيدة جداً وذلك ليبقى الأول يكابد ويقاوم حياة الخيام، ومع العودة اضطر كذلك بعض الأهالي إلى بيع أراضيهم من أجل بناء منازلهم المدمرة لانعدام الحلول لديهم.

منزل مدمر في ريف إدلب الجنوبي (تلفزيون سوريا ـ خاص)
منزل مدمر في ريف إدلب الجنوبي (تلفزيون سوريا ـ خاص)

يؤكد الباحث الاجتماعي معتصم المحمد، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، أن ما يحدث في قرى ريف إدلب الجنوبي هو انعكاس قاسٍ لحالة الفقر المدقع التي يعيشها الأهالي منذ سنوات، فبعد أن استُنزفت كل مدخراتهم في رحلة النزوح الطويلة، لم يبقَ أمامهم سوى الأرض كخيار أخير للبيع.

يقول المحمد: "إنّ كثيراً من العائلات التي التقاها خلال جولته الميدانية لم تكن تنظر إلى الأرض كـ"ملكية" فحسب، بل كذاكرة وهوية وانتماء، ومع ذلك فإن الضغوط المعيشية – من إيجارات باهظة، وغلاء في المواد الأساسية، وتراجع المساعدات الإنسانية – دفعتهم إلى ما يشبه القرار القاسي: "أن تبيع جزءًا من حياتك لتبقي على ما تبقّى منها".

يضيف أن بعض العائلات باعت أراضيها بأسعار زهيدة لا تتجاوز ثلث قيمتها الحقيقية، فقط لتتمكن من بناء غرفة إسمنتية فوق أرض صغيرة أو فوق ركام منزلها القديم، ويشير المحمد إلى أن هذه الظاهرة لا تُقرأ فقط من زاوية اقتصادية، بل تحمل أبعاداً اجتماعية ونفسية عميقة، فكثير من المزارعين يشعرون اليوم بالذنب والخسارة الداخلية بعد بيع أراضيهم، كأنهم فقدوا آخر ما يربطهم بأصالتهم الريفية وعملهم المحبّب: "الأرض والزراعة".

بيع الأرض.. آخر أوراق النجاة

لم يكن خيار بيع الأراضي بالنسبة للأهالي العائدين قراراً للرفاهيّة، بل خياراً محتوماً بعد التحرير وخصوصاً بعد انقطاع الدعم عن المخيمات، فالعودة للموطن حاجة ملحة للناس، لكن واقع العائلات الاقتصادي سيء جداً، ما فتحَ لدى عشرات العائلات أمام بيع أراضيهم للبناء والعودة.

يصف العمّ أبو غسان طحبش، لحظة بيعه لأرضه بأنها "أقسى ما مرّ به في حياته"، فقبل النزوح عام 2019، كان يعمل تاجراً معروفاً في بلدته ولديه قطعة أرض يعتز بها، لكن هذه الأرض كانت آخر ما تبقى من ذكريات الأجداد، ومع العودة لم يجد سوى الركام وتجارته السابقة، فباع الأرض ليعيد بناء منزلٍ جديد له.

يقول لموقع تلفزيون سوريا: "الأرض مثل العرض، بس شو بتعمل لما ما يكون عندك سقف؟ بعتها وأنا أعرف أني فقدت جزء من عمري، وما خلصت بالبناء بعد، أنا وإخوتي مازلنا نكافح حجر بحجر".

بلغ أبو غسان الخامسة والستين، لكنه ما يزال يحمل حلم الاستقرار في قريته حتى لو بثمنٍ باهظ.

أما أبو محمد العمر من بلدة معرشمشة جنوبي إدلب، فقد اضطر إلى بيع جزء من أرضه لترميم منزله الذي تهدّم خلال معارك 2019.

يقول بحسرة: "بعت دون ما أرجع فكّر، كنت بدي أرجع عيش ببيتي، الأرض بعد الله كانت مصدر رزقي، بس وقت ما يكون عندك ما بقى تشوف شي ثاني".

ويضيف أن ما تبقّى من أرضه لم يعد صالحاً للزراعة بعد اقتلاع أشجار الزيتون القديمة، مشيراً إلى أن "الخسارة لم تكن مادية فقط، بل خسارة للذاكرة والهوية الريفية اللي كبرنا عليها".

اقتصاد مهدَّم

إنّ اقتلاع الأشجار وخروج الأراضي من دائرة الإنتاج لم ينعكس على الأهالي فقط، بل على الاقتصاد المحلي أيضاً تزامناً مع ردم معظم الآبار الجوفية، فتلف الأشجار المثمرة كالزيتون الذي كان يُصدّر مئات أطنان الزيت سنوياً، وأشجار التين التي كانت تُعد من أجود أنواع التين في سوريا وكانت تستخدم للتين المُجفف والتصدير والفستق الحلبي الذي كان يُعد من غلّات الزراعة المُربحة جداً، أثّرت على الواقع الاقتصادي المحلي، ما سيجبر الأهالي على شراء الزيتون والزيت وحاجيات أخرى كانت موجودة لديهم مما سيضعف الأسواق المحلية.

يقول الباحث في الجغرافيا البشرية حمود ديب في حديثه لموقع تلفزيون سوريا إنّ ظاهرة بيع الأراضي الزراعية في ريف إدلب الجنوبي لا يمكن النظر إليها من زاوية سلبية بالكامل، فبرأيه "ما يجري اليوم هو تصحيح جزئي لوضعٍ قديمٍ كانت تعاني منه المنطقة، يُعرف بتفتت الملكية الزراعية"، موضحاً أنّه خلال العقود الماضية كانت العائلة الواحدة تمتلك مئات الدونمات تُقسّم لاحقاً بين الورثة إلى مساحات صغيرة غير مجدية للإنتاج.

ويضيف ديب: "عودة الأراضي إلى أيدي أشخاص قادرين على الشراء والاستثمار قد تفتح المجال لتجميع الملكيات مجدداً، وتحسين الإنتاج الزراعي على المدى المتوسط"، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن هذا التحسّن النظري لا يُلغي واقع الألم الاجتماعي للعائلات التي اضطرت إلى البيع تحت ضغط الفقر، بعد أن فقدت مصدر رزقها الوحيد.

وأمام هذه الظاهرة الطارئة، يبقى السؤال الأهم عند الأهالي عن مدى تفعيل مبادرات زراعية محلية تقودها منظمات إنسانية أو مجالس محليّة في المنطقة، وما مدى تفعيل هذا الملف على طاولة المحافظة في إدلب باعتبارها القضية الأهم بالنسبة للأهالي، من أجل إعادة إنتاج الريف من خلال إحياء الزراعة كمصدر استقرار اقتصادي، مع توازنٍ بين الحاجة المُلحة للإعمار أيضاً.