وقف وزير حرب الاحتلال الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أمس الثلاثاء، على قمة جبل الشيخ السوري، في موقع عسكري أقامته قوات الاحتلال بعد سقوط نظام الأسد، ووجه من هناك رسالة إلى الرئيس السوري، أحمد الشرع، قال فيها إن "عليه، عندما يستيقظ في قصره بدمشق وينظر إلى جبل الشيخ، أن يرى الجيش الإسرائيلي ويدرك أنه باقٍ هناك لحماية إسرائيل".
رسالة كاتس، وإن وجهها بالاسم إلى الشرع، تتجاوز شخص الرئيس السوري والحكومة في دمشق، فالأرض التي وقف فوقها الوزير الإسرائيلي محتلة منذ نحو ستين عاماً، وأضيفت إليها أراض جديدة سيطر عليها الاحتلال بقوة السلاح بعد 8 كانون الأول 2024، وسط غارات متواصلة واعتداءات واقتحامات عسكرية داخل الأراضي السورية.
ووفق ذلك، فإن الرسالة التي أرادها كاتس أن تصل إلى الرئيس الشرع في قصره هي أيضاً رسالة إلى السوريين مفادها أن إسرائيل موجودة فوق أرضكم، وستقرر بنفسها متى ينتهي وجودها.
رسالة إلى بلد لا إلى رئيس
قد يختلف الرؤساء والحكومات السورية وتتغير سياساتها وتحالفاتها، وقد تدخل سوريا في مفاوضات أمنية أو سياسية مع إسرائيل أو قد ترفضها، لكن ذلك لا يغير أصل القضية، فرفض الاحتلال الإسرائيلي للأرض السورية ليس خلافاً شخصياً مع الرئيس الشرع، ولا عداء أنتجته الحكومة الجديدة.
الجولان أرض سورية محتلة، وهذه الحقيقة لا تتغير بتغير اسم الرئيس، كما لا تتغير بقيام جيش الاحتلال ببناء موقع عسكري على هذه الأرض أو برفع علمه فوقها، فالقوة تستطيع أن تسيطر على الأرض، لكنها لا تمنح السيادة عليها.
وجنود الاحتلال الإسرائيلي أو مستوطنوه الذين يصلون إلى مواقع بالقوة لا يجعل منهم أصحاب المكان، كما أن استمرار الاحتلال سنوات أو عقوداً لا يحول الأرض المحتلة إلى أرض بلا أصحاب، ولا يجعل بقاء المحتل عليها حقاً مكتسباً.
هذا التفريق مهم في قراءة الخطاب الإسرائيلي الحالي تجاه سوريا، فحين يخاطب كاتس الرئيس الشرع باعتباره الطرف الذي يجب أن "يتعايش" مع رؤية الجيش الإسرائيلي فوق جبل الشيخ، تبدو المسألة وكأنها ترتيبات أمنية بين حكومة إسرائيل وحكومة سوريا الجديدة.
لكن ما يفصل الطرفين ليس مجرد خلاف على ترتيبات أمنية، فقبل كل شيء، هناك احتلال قائم، وسيادة سورية منتهكة، وحدود عبرتها القوات الإسرائيلية وأقامت وراءها مواقع عسكرية بقوة السلاح.
أين تنتهي حدود "أمن إسرائيل"؟
لا تكتفي إسرائيل اليوم بتبرير استمرار احتلال الأراضي السورية بالحاجة إلى حماية حدودها، بل توسع معنى "أمن إسرائيل" على نحو يجعل الجغرافيا السورية نفسها مجالاً مفتوحاً لما تقرره تل أبيب من مخاطر.
ففي جبل الشيخ، تقول إن أمنها يقتضي بقاء جيشها داخل سوريا، وفي القنيطرة، تنفذ قوات الاحتلال عمليات اقتحام وتحرك داخل الأراضي السورية تحت المبرر ذاته.
وعقب سقوط النظام المخلوع، شن جيش الاحتلال مئات الغارات على مواقع ومقدّرات عسكرية سورية، وقال كاتس في جولته الأخيرة إن إسرائيل دمرت بنى عسكرية استراتيجية لمنع تحولها إلى ما تعدّه خطراً عليها.
وفي استمرار للمنطق نفسه، استهدفت إسرائيل الأسبوع الماضي مطار أبو الظهور العسكري في شمالي سوريا، بذريعة ما قالت إنه استعداد لنشر قوات تركية فيه، رغم نفي سوريا وتركيا وجود خطة لإنشاء قاعدة تركية هناك.
وفيما وصف المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، الضربة بأنها تصعيد غير ضروري، أصر وزير حرب الاحتلال على أن إسرائيل تحركت لمنع ما وصفه بمحاولة تركية للتمركز في سوريا بما يهدد المصالح الأمنية الإسرائيلية.
ولا تقتصر دلالة الغارة الإسرائيلية على أبو الظهور على المطار نفسه، ولا على العلاقة العسكرية بين سوريا وتركيا، بل تطرح سؤالاً أوسع، إلى أي حد تمنح إسرائيل نفسها حق تحديد ما تعتبره مقبولاً أمنياً داخل الأراضي السورية؟
فإذا كان مجرد احتمال وجود قوات تركية في قاعدة عسكرية سورية كافياً، من وجهة النظر الإسرائيلية، لتبرير قصفها، وإذا كانت قدرات الجيش السوري تُستهدف لأنها تعد تهديداً محتملاً، وإذا أصبحت تحالفات دمشق العسكرية خاضعة بدورها لما تضعه إسرائيل من خطوط حمراء، فإن مفهوم "حماية الحدود" يكون قد تجاوز الحدود نفسها.
وفق هذا المنطق، لا يكفي أن تمتنع سوريا عن تهديد إسرائيل، بل يراد منها أيضاً أن تبني جيشها، وتحدد تسليحه وانتشاره، وتختار شركاءها العسكريين بما يتوافق مع ما تعتبره إسرائيل آمناً.
ولا يمنح ادعاء إسرائيل حماية أمنها أي حق في احتلال أراضي دولة أخرى، أو فرض شروطها على جيشها وتسليحه وتحالفاته، أو قصف منشآتها كلما قررت منفردة أنها قد تشكل خطراً عليها.
وحين تتحول المخاوف الأمنية الإسرائيلية إلى مبرر لاحتلال الأرض السورية، وتدمير قدراتها العسكرية، والتدخل في خياراتها السيادية، لا يعود الأمر دفاعاً عن الحدود، بل فرضاً للقوة وتحويل "الأمن" إلى ذريعة دائمة لانتهاك سيادة سوريا وإخضاع قراراتها لإرادة الاحتلال.
ليست "مناطق أمنية"
لا يقتصر الاحتلال الإسرائيلي على فرض وجوده بالقوة داخل سوريا، بل يحاول أيضاً إعادة تعريف هذا الوجود لغوياً، عبر مصطلحات تخفف من حقيقة الاحتلال وتقدمه بوصفه ضرورة أمنية، فكاتس لا يتحدث عن "أراض سورية تحتلها إسرائيل"، وإنما عن "مناطق أمنية"، وهو تعبير ينقل مركز النقاش بشكل كامل، فبدلاً من السؤال عن الأرض ومن يملك السيادة عليها، يصبح النقاش عن حاجة إسرائيل إليها لحماية أمنها.
لكن المنطقة التي تقدمت إليها القوات الإسرائيلية بعد سقوط نظام الأسد ليست "منطقة أمنية إسرائيلية"، وفق اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، فالاتفاق الذي أقرته الأمم المتحدة حدد منطقة فصل بين القوات السورية والإسرائيلية، تنتشر فيها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، وحدد مواقع وانتشار القوات على جانبيها.
وتؤكد الوثائق القانونية الدولية، بما فيها وثائق الأمم المتحدة، أن الإدارة المدنية السورية عادت عام 1974 إلى منطقة الفصل، بما فيها القنيطرة ورفيد وجزء من جبل الشيخ، ما يجعل الخلاف على المصطلحات أبعد من مجرد تفصيل لغوي.
فحين تتحول "أرض سورية محتلة" إلى "منطقة أمنية"، يتحول الاحتلال من فعل يحتاج إلى تبرير وإنهاء إلى واقع يبدو كأنه وظيفة أمنية طبيعية.
وحين توصف عمليات دخول قوات الاحتلال المتكررة إلى القرى والأراضي السورية بكلمة "توغل" فقط، تضيع حقيقة أساسية، وهي أن جيش الاحتلال يعبر إلى أراضٍ سورية، وينفذ فيها عمليات عسكرية، و"التوغل" وصف لعمل عسكري، لكنه لا يكفي وحده لوصف طبيعة ما يجري.
لذلك، فإن تسمية الأشياء بأسمائها ليست تفصيلاً لغوياً في الخطاب السوري، بل جزءا من وضوح الموقف نفسه، فإسرائيل، في الوعي الوطني السوري، ليست دولة جارة تقع معها حوادث عبر الحدود وتنفذ "توغلات"، بل قوة احتلال قامت على أرض فلسطينية وتحتل الجولان السوري، ثم وسعت نطاق احتلالها واعتداءاتها داخل الأراضي السورية بعد سقوط الأسد.
ومن هذا المنطلق، لا تكون القوات الإسرائيلية التي تتحرك داخل سوريا مجرد "قوات أجنبية"، بل قوات احتلال، ولا يكون دخولها القرى والبلدات السورية مجرد "توغل"، بل اقتحاماً واعتداءً على أرض سورية، كما أن المناطق التي تسيطر عليها بقوة السلاح ليست مناطق متنازعا عليها أو فراغاً أمنياً، بل أراض سورية تحت الاحتلال، لها أصحابها وأهلها وحقهم فيها لا يسقط بوجود المحتل ولا بطول بقائه.
وينطبق الأمر نفسه على ما تسميه إسرائيل "المنطقة الأمنية"، فإذا كان المقصود المنطقة التي حددها اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، فالتوصيف هو "منطقة فصل" وليس "منطقة أمنية إسرائيلية"، أما الأراضي التي احتلتها إسرائيل وتسيطر عليها عسكرياً، فتسميتها بهذا المصطلح تتبنى رواية الاحتلال، وتنقل النقاش من حقيقة الاستيلاء على أرض سورية بالقوة إلى ادعاء إسرائيلي بأن لهذه الأرض وظيفة أمنية تمنحه حق البقاء فيها.
فالاحتلال لا يكتسب شرعيته من الاسم الذي يطلقه على الأرض التي يحتلها، كما أن الأرض لا تفقد أصحابها لأن المحتل قرر تسميتها "منطقة أمنية".
"الأرض تورّث كاللغة"
في المحصلة، قد يكون المشهد الذي اختاره كاتس لإيصال رسالته أهم من الكلمات نفسها: وزير إسرائيلي يقف فوق جبل سوري، وإلى جانبه قادة جيشه، ويقول لرئيس سوريا إن عليه أن يعتاد رؤيتهم هناك، لكن رؤية الجيش الإسرائيلي على جبل الشيخ كل صباح، إن استمرت، لن تجعل الجبل إسرائيلياً.
كما أن إقامة المواقع العسكرية لا تمنح إسرائيل سيادة على الأرض، ودخول المستوطنين خلف الجنود، إن حدث، لا يحولهم إلى أصحاب لها، وطول أمد الاحتلال لا يسقط حقوق السكان ولا يبدل هوية الجغرافيا، وهذا هو المعنى الذي يسبق أي نقاش عن ترتيبات أمنية أو مفاوضات أو اتفاقات محتملة بين دمشق وتل أبيب.
لسوريا، مثل أي دولة مستقلة، حقها في سيادتها على أرضها وفي بناء جيشها واختيار تحالفاتها وعلاقاتها، ضمن التزاماتها الدولية، ولا تملك إسرائيل حقاً أعلى من هذا الحق لمجرد أنها ترى في خيارات السوريين خطراً على أمنها.
يمكن مناقشة المخاوف الأمنية بين الدول، ووضع ترتيبات لمنع الصدام وإنشاء آليات مراقبة وفض اشتباك، وهي الغاية التي أُنشئ من أجلها اتفاق 1974 في الأصل، لكن الأمن المتبادل شيء، وتحويل أمن دولة واحدة إلى سلطة على أرض الدولة الأخرى وقراراتها شيء آخر.
ولهذا، فإن الموقف من الاعتداءات الإسرائيلية لا يبدأ من السؤال عما إذا كانت إسرائيل قد اطمأنت بما يكفي من سوريا، ولا من هوية الرئيس الذي يجلس في قصر الشعب، بل يبدأ من حقيقة أبسط من ذلك، أرض سورية وقوة تحتل جزءاً منها وتعتدي على أجزاء أخرى منها، ثم تطلب من السوريين أن يتعاملوا مع هذا الواقع باعتباره ضرورة أمنية.
قد يستطيع الاحتلال الإسرائيلي فرض الواقع بالقوة لبعض الوقت، لكنه لا يستطيع، بالقوة نفسها، أن يحوله إلى حق، فالأرض، كما قال محمود درويش، "تورّث كاللغة"، وتبقى لأصحابها مهما طال احتلالها، ولا تبدل القوة هويتها ولا تمنح المحتل حقاً فيها.