الأدب والـ "Metaverse".. هل نشهد انهيار الخيال البشري؟

تاريخ النشر: 04.12.2021 | 07:32 دمشق

عليوي الذرعي

إذا تتبعنا تطور الأدب بشكل عام، فسنجد أن مختلف الأصناف الأدبية تتأثر بالتطور التكنولوجي، إذ نلاحظ في العقود الأخيرة تراجعاً كبيراً للوصف في كتب الأدب عموماً، في حين كان الوصف قبل ذلك يحتل مساحة أوسع في كتب الأدب. كثافة الوصف تبدو لنا اليوم مملة لكنها لم تكن كذلك في العصور السالفة.

حاول الأدب قديماً أن يخلق لدى المتلقي صورة واضحة عن أماكن لم يزرها، وينقله إلى عوالم خيالية لم يعشها. ومع مرور الزمن وما واكبه من تطور في أدوات التصوير المختلفة، تضاءلت قدرة الأدب على خلق تلك العوالم. وأسهم الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي في إشباع التغذية البصرية للمتلقي، لذلك نجد الأدب الحديث قد قلَّصَ من مساحات الوصف مكتفياً بتوظيفه.

صراع الأدب مع التكنولوجيا

العلاقة بين الأدب والتكنولوجيا معقدة جداً وتمر بأطوار مختلفة؛ فأحياناً تبدو منسجمة ومتناغمة بين الطرفين، وأحياناً أخرى تبدو أشبه بصراع دموي حتى الموت ولكن في اللحظة الأخيرة يتغير مسار الأحداث ليُمنح المهزوم جولة صراع أخرى. وبين جولتي الصراع، يتكيف الطرف المهزوم مع المنتصر لتنشأ بينهما علاقة التعايش مجدداً.. وهكذا دواليك ضمن حلقة مستمرة يبدو أنها لن تنتهي، فيُهزم الأدب تارةً معلناً تقليل أسلوب الوصف، وينتصر تارةً أخرى مستغلاً التكنولوجيا لخلق آفاق واسعة من الخيال كما هي الحال في روايات الخيال العلمي.

بدورها، ترفض التكنولوجيا الاستسلام للأدب، فتقوم بتحويل روايات الخيال العلمي إلى واقع معاش مع مرور الزمن، فتفقد تلك الروايات تأثيرها الساحر على الأجيال اللاحقة لتصبح مملة، وهلمّ جرّاً..

لتفكيك هذه العلاقة الجدلية بين الأدب الخيالي والتطور التكنولوجي، نحن بحاجة إلى دراسة الخيال البشري بين الماضي والحاضر وكذلك إلى معرفة العلاقة بين أدب الخيال العلمي والاختراعات الحديثة، والمستقبلية أيضاً.. للإجابة عن السؤال الآتي: هل أدب الخيال العلمي مهدد بالانقراض بسبب الاختراعات الحديثة؟

"الرجل الذي لا يملك خيالاً لا يملك أجنحة" محمد علي كلاي.

عندما طرح أحد مبتكري ومطوّري جهاز الكمبيوتر في البدايات -لعلّهُ ستيف جوبز أو بيل غيتس- عبارته القائلة: "جهاز كمبيوتر لكل بيت" كانت الفكرة تبدو جنونية وخيالية في ذلك الوقت، أما اليوم فقد أضحت تلك الفكرة واقعاً. نتحدث هنا عن عبقرية قائل تلك العبارة، ومدى وضوح رؤيته الاستشرافيّة للمستقبل، ولكنه لو فشل في تحقيق تلك الرؤية، لكُنَّا اليوم نتحدث عن أوهامه ولصنّفناه مريضاً نفسياً تراودهُ فكرة تغيير العالم.

مثال آخر يعرفه أناس كثيرون على اختلاف معارفهم وثقافاتهم، يتمثل بالروائي الفرنسي "جول فيرن" (1828 – 1905) صاحب روايات الخيال العلمي الأكثر إثارة للجدل. إذ كتب فيرن خمس روايات كانت فيما مضى ضروباً من المستحيلات، ثم ما لبثت أن شكّلت النواة الأولى لأهم اختراعات عصرنا الحالي. ومن تلك الروايات: "20 ألف فرسخ تحت الماء" قبل اختراع الغواصة، و"رحلة من الأرض إلى القمر" قبل اختراع صواريخ ومركبات الفضاء، و"حول العالم في 80 يوماً" قبل اختراع السيارات والطائرات والقطارات السريعة.

 

15865301414.jpg
رواية "من الأرض إلى القمر"

 

وإذا استعرضنا الأعمال الأدبية التي سكنت وجدان الناس عبر العصور فسنجد أن السمة المشتركة بينها هي الخيال الخصب لروادها، فأبو العلاء المعري على سبيل المثال كان ضريراً، لكنه تمكن بخياله الخصب من وصف الطبيعة بشكل يعجز المبصرون عن وصفها.

في حين كان بيتهوفن أصمّ في أثناء تأليف خاتمة أعماله الموسيقية "السيمفونية التاسعة"، وهي الأروع  من مجمل نتاجاته، أي أنه كان يكتب النوتة الموسيقية من خياله السمعي، فالخيال الخصب هو العامل الأكثر تأثيراً في خلق الحضارات الإنسانية منذ بدء الخليقة.

الـ "ميتافِرس" ونهاية الخيال البشري

ذلك الخيال المبدع أصبح مهدداً اليوم أكثر من أي وقت مضى، إذ بدأ العالم يتحدث في الآونة الأخيرة عن ظاهرة الـ "ميتافِرس/ metaverse" التي يرجَّح بشدّة أن تمثّل التهديد الجدي الأقوى للخيال البشري، والضربة القاضية التي ستوجهها التكنولوجيا إلى أدب الخيال العلمي.

ماذا يعني هذا المصطلح الغريب (metaverse) ومن أي العوالم هو قادم؟

بين "فيس بوك" و"ميتا"!

قبل الخوض في مفهوم الـ "ميتافرس" وغاياته، نمرّ بعجالة على العرض التقديمي الرئيسي في Facebook Connect حيث كرر صاحب منصة فيس بوك، مارك زوكربيرج، مع زملائه مصطلح "ميتافِرس" أكثر من 80 مرة في أقل من 90 دقيقة! وذلك عند الإعلان عن الاسم الجديد للشركة Meta.

 

 

ومن العرض التقديمي والاسم الجديد للشركة، نستطيع تكوين فكرة حول الهدف الرئيسي القادم من المنصة وغيرها من منصات التواصل الاجتماعي والسوشال ميديا في فضاء العالم (الافتراضي).

ميتافرس.. الافتراضي المحسوس والخيال المحقَّق!

يتكون المصطلح من شقين، الأول "meta" ويعني باللاتينية الـ (ما وراء)، والثاني "Verse" وتعني (الكون)، وبالابتعاد عن الترجمة الحرفية، يمكننا أن نقول إن المصطلح يشابه في معناه مصطلح الميتافيزيقيا (ما وراء الطبيعة).

في الـ ميتافرس/ metaverse يمكننا تخيّل كل شيء وتنفيذه! نستطيع الاجتماع مع الأصدقاء للترفية، ويمكننا العمل كذلك والتسوق والتعلم والسياحة.

ضخامة الأعمال المنوطة بـ ميتافرس تجعل تطويره مهمة مستحيلة على شركة واحدة، إذ إنه يحتاج إلى عدد كبير من الشركات لتشييد بنائه المعقّد.

بمجرد أن نرتدي نظارات "الواقع الافتراضي"، ننتقل إلى عوالم ميتافرس غير المنتهية. حيث يمكننا الانتقال إلى دار سينما افتراضية بعد دفع قيمة التذكرة بوساطة العملات الرقمية، ثم مشاهدة الفيلم.

 إذا كنت سورياً ولا تملك جواز سفر، وحدود البلدان مغلقة في وجهك، فبإمكانك الانتقال بكل بساطة عبر ميتافرس، إلى أي نقطة جغرافية تحلم بالوصول إليها في العالم من دون أن يعترضك خفر السواحل أو حرس الحدود، فجوهر ميتافرس هو تحرير الثقافات ودمجها وتجاوز الحدود بين البلدان من خلال التفاعل السريع والسهل بين سكان الأرض.

في عالم كهذا يصبح الخيال واقعاً معززاً مرئياً لنا؛ ألا يعتبر ذلك مؤشراً لانقراض أدب الوصف والخيال، بل والخيال البشري برمته؟ ألا يمكن أن يعتبر ميتافرس تجسيداً لكل الخيالات الممكنة؟

"الخيال هو بداية الإبداع. تتخيل ما تريده، ثم تفعل ما تتخيله، وفي النهاية تبدع ما تريد". جورج برنارد شو.

الـ ميتافرس وليد أدب الخيال العلمي!

المدهش في الموضوع هو أننا إذا بحثنا في أصول الـ ميتافرس، فسنفاجأ بأن المصطلح قد خرج أصلاً من رحم أدب الخيال العلمي، مثله مثل بقية الأفكار التي طرحها ذلك الأدب وما لبثت أن تحولت إلى واقع!

فقد ورد مصطلح "metaverse" لأول مرة في رواية "تحطّم الجليد/ Snow Crash" لكاتب الخيال العلمي الأميركي نيل ستيفنسون، الذي كان يكتب هذا المصطلح بالحروف الكبيرة في هذه الرواية وكذلك في رواياته اللاحقة.

 

Snowcrash.jpg

 

والــ "METAVERS" بحسب ستيفنسون هو "مكان خيالي" تتم إتاحته للبشر ويعرض من خلال نظارات الواقع الافتراضي، وهذا التفسير يشابه تفسير مارك للمصطلح، ولكن ستيفنسون صرح بأن إدارة الفيس بوك لم تتواصل معه! أي أن تفسير الفيس بوك  لـ ميتافرس من الممكن أن يكون مختلفاً عما وصفه ستيفنسون في الرواية. إلا أنه في كلا التفسيرين للمصطلح باستطاعة الشخص أن يفعل كل ما يتخيله في هذا العالم.

وبالعودة إلى رواية تحطم الجليد التي تعود لعام 1992، سنجد أنها تنبأت بشكل مثير للدهشة بقدوم شبكات التواصل الاجتماعي والعملات الرقمية، التي أصبحت واقعنا الحالي.

وتتناول الرواية قصة عامل توصيل في محل لبيع البيتزا، وهو هاكر محترف في الوقت نفسه، يفشل في إيصال إحدى الطلبيات فينوب عنه أحد زملائه، وتنشأ بينهما علاقة شراكة، ليبدآ بعد ذلك برحلة استكشاف في عالم مافيا المعلومات والفيروسات الإلكترونية.

 يجمع الاثنان المعلومات ويبيعانها، ثم يعثر أحدهما على بحث يفترض وجود روابط بين الفيروس والثقافة السومرية القديمة وأسطورة برج بابل، ويتزامن ذلك مع ظهور انتشار فيروس خطير نشرته طائفة دينية تُعرف باسم Pearly Gates.

مكان القصة هو لوس أنجلوس المستقلة عن الولايات المتحدة الأميركية، لأن الحكومة الفدرالية تنازلت عن معظم أراضيها لمنظمات خاصة بسبب انهيار الاقتصاد العالمي، حيث يبدأ الناس باستخدام العملة الإلكترونية التي لا تخضع للضرائب، وبذلك تفقد الحكومة الفدرالية إيراداتها الضريبية، لكنها بالوقت نفسه تستمر بطباعة الدولار، ما يتسبب بمعدلات تضخم مرتفعة جداً.

الرواية عميقة وصعبة ومغرِقة بالمصطلحات التكنولوجية المستحدثة، ولعله السبب الرئيس في عدم ترجمتها إلى اللغة العربية. غزارة تلك المصطلحات دفعت المؤلف إلى كتابة مقال يشرح فيه سبب التسمية.

ختاماً، يبقى الخيال محفزاً للإنسان على الإبداع والابتكار بحلقة متصلة لا تنتهي، ولعل لوغو شركة meta الجديد (∞)، يعبر عن الأبدية المنشودة بإشارة إلى خلود وعي الإنسان في العالم الجديد المقبل.