الأخلاق والقانون بين الدين والسياسة

الأخلاق والقانون بين الدين والسياسة

الصورة
15 حزيران 2019

محمد جمال طحان

باحث استشاري في العلوم الإنسانية

القوة فضيلة، والضعف نقيصة. نرى الآن أن الحكم الفصل في جميع الخلافات هو القوة لا العدالة. القوة التي ليست فضيلة إنما قوة الغصب.

القوة ينبغي أن تكون قوة الحق التي تمنح حق القوة.

لقد غابت البوصلة الأخلاقية عن المجتمعات اليوم ولم تعد تبالي بملايين الناس الذين يموتون على أيدي قوى غاشمة. إن أخلاق المنفعة والقوة والعنصرية تدعو حكومات أو عصابات لنهب خيرات الآخرين.

المسلمون وجميع المجتمعات البشرية يمكن لها أن تحل معظم مشاكلها لو أنها استلهمت الآية القرآنية (وإنك لعلى خلق عظيم).

الدولة، هي سلطة إرغام أو إجبار المحكومين على القيام بعمل ما أو الامتناع عن القيام بعمل ما، هي نظام قائم على سلطة القهر أي سلطة القوة.

الفرق، هنا، بين حق القوة الذي تمتلكه بقوة الحق، والقوة القاهرة التي تجرح القيم الأخلاقية التي ينبغي أن تسود بين البشر.

يستبعد (توماس هوبز) كل القيم الخلقية من منظومة الدولة، وهو يرى أن السبب الرئيسي لوجود الدولة هو المصلحة الخاصة

نحتاج إلى القوة كي نضمن تطبيق الجزاء في حالة مخالفة أي حق من الحقوق، ولا يغيب عن أذهاننا الحديث أنه (( مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ)).

يستبعد (توماس هوبز) كل القيم الخلقية من منظومة الدولة، وهو يرى أن السبب الرئيسي لوجود الدولة هو المصلحة الخاصة، ويرى (بودان) أن وجود الدولة يعني حكم الأقوى.

الانتصار الحقيقي يأتي من خلال الأخلاق، والغريب أن بعض الناس يعتقد أن الأخلاق ضعف، يقول ماركس بأن الأخلاق هي صناعة الأقوياء والمترفين لاستعباد الضعفاء. ويذهب نيتشه إلى أن أخلاق الرحمة والإحسان والصبر هي حيلة ابتكرها الضعفاء لكي يضحكوا بها على الأقوياء، ويأخذوا منهم مكاسب.

من هنا لابد أن يكون الجوهر مرتبط بحقيقة الإنسان وكرامته وحريته واحترامه على اعتبار أنه هو محور الكون. وكما ورد في الأحاديث: ((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا)) و"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وليس لفرض القوة.

إن قوة الأخلاق تغلب أخلاق القوة، وإن سخط الناس أو رضوا؛ لأن النبي يقول: "ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".

وبما أن الدين هو مصدر الأخلاق لدى معظم الناس، فهو إذاً مصدر السياسة الصالحة. لكن هذا لا يعني أن يكون الدين سياسياً أو قائماً بالشؤون السياسية، إنه مصدرها فقط. وانطلاقاً من ذلك لم يستطع مفكرو النهضة استخدام العقل إلاّ بما يتناسب والشريعة. لقد كانوا يريدون التجديد، فكرياً واجتماعياً وسياسياً، مع الحفاظ على أسس العقيدة الدينية وفق القرآن والسنّة.

ودعوة ذلك الفكر إلى العلم مرتبطة بعدم تضاربه مع الدين، مما يجعل العلم مقيداً به وليس حراً. ومع ذلك فإن مجمل فكره كان صيغة مناسبة لعصره. فقد قدّمه لمجتمع معيّن في ظل ظروف معينة، وكان يضع في حسبانه رد فعل المجتمع من حوله على ما يقترحه من حلول، من جهة، ويأخذ بعين الاعتبار ما هو ممكن، ولو على المدى البعيد، وما هو مستحيل.

وبما أن الدين هو مصدر الأخلاق لدى معظم الناس، فهو إذاً مصدر السياسة الصالحة. لكن هذا لا يعني أن يكون الدين سياسياً أو قائماً بالشؤون السياسية، إنه مصدرها فقط

لكن أطروحاته لم تتحقق في الواقع لغياب العقلية العلمية عن المجتمع العربي المستبَد، بينما برز على السطح الفكر الغيبي الذي حاول فرضه المستبدون وأعوانهم لتسويغ ممارسات الحكومة التعسفية.

إنّ هيمنة السلطة السياسية أمر لا يُستهان به، خاصة إذا تتبعنا التأثير المتبادل بين السياسة والواقع من جهة، والفكر من جهة ثانية. إن للسياسة دوراً أساسياً في توجيه الفكر العربي، فهي التي عملت على تجزيئه وإعادة بنائه وفقاً لمتطلباتها الخاصة. ومع الاستقلال النسبي الذي يتمتع به الفكر تجاه الواقع، إلا أنه ليس بمعزل عن التأثر به والتأثير فيه. لذلك فإن للسلطة القائمة دوراً كبيراً في إنتاج الفكر العربي.

إن الإسلام الرسمي في القرون الوسطى كان دين دولة، وكذلك فإن الفكر العربي لم يكن ليستطيع الخروج على علاقته بالدين، لذلك فقد كان هو الآخر في علاقة مع السياسة.

 إن علاقة الفكر بالسياسة، في الإسلام الواقعي، على ارتباط وثيق بسياسة الماضي، لأن سياسة الحاضر هي استمرار لسياسة الماضي، منذ قيام الدولة الأموية. ومنذ حادثة التحكيم بين (علي) و (معاوية) كانت المواقف السياسية تبحث عن سند ديني لها، مما جعل الفكر ممارسة سياسية تتستر بالدين.  

وبقي كل من المستبد والثائر يستمد معارفه من الدين ويتكئ في ردوده وتسويغها على الدين نفسه. وهذا يعيدنا إلى ضرورة تذكّر آراء (ابن رشد) في الفصل بين الدين والفلسفة، والتفكير في أن كلاً منهما يشكل نسقاً مستقلاً يستند إلى أسس ومبادئ خاصة به. وبالتالي يصبح السياسي لا علاقة له بالديني إلا من باب الاستئناس. لكن الفكر العربي السائد لم يستطع إقامة حاجز بينهما. والذي قام به مفكرو النهضة هو محاولة تحويل الدين إلى وظيفة اجتماعية.     

إن الأخلاق لا يمكنها أبداً أن تحلّ محل القانون، ومع ذلك لابد من الاعتراف بفاعلية الأخلاق وأهميتها كقانون يكمل القانون الأساسي الذي لا يمكنه صيانة كل شيء بمفرده

لقد اعتقد أصحابه أن البناء السياسي الجديد لا يتم إلا إذا وقف النزاع بين التنظيم الاجتماعي – السياسي الحديث وبين نظم الإسلام التشريعية. فلم يعد بالإمكان الاتّكاء على الوازع الأخلاقي، وأصبح القانون أهم من الأخلاق مع كل التوجه القصدي الأخلاقي الذي سار فيه روّاد النهضة.

إن الأخلاق لا يمكنها أبداً أن تحلّ محل القانون، ومع ذلك لابد من الاعتراف بفاعلية الأخلاق وأهميتها كقانون يكمل القانون الأساسي الذي لا يمكنه صيانة كل شيء بمفرده. لكن اجتماع القانون والأخلاق أمر محفوف بالصعوبات، وشدة التركيز على الأخلاق تجعل الفكر يدخل في خطابية لا فاعلية لها. وقد وقع أعلام الفكر النهضوي في هذه الخطابية في أماكن كثيرة من مؤلفاتهم. لكنهم لم يقعوا في خطورة تقديس التراث، فقد استطاعوا الفصل بين الإسلام، من حيث هو دين وعقيدة وبينه وهو تراث، معترفين بأن هذا الأخير لا ينطوي تحت مرتبة الأمور التي لا تُناقش إلا بما تسمح به. ولقد صنعوا مركّباً يؤلف بين الإسلام والقومية العربية والإنسانية بعيداً عن التناقضات، محاولين منهجة آرائهم وتبيين إيمانهم بأن الحرية والوعي هما من أولويات الأمور المطلوبة للتغيير.

شارك برأيك