الأتراك والعرب .. المخاوّف والمُشتركات

تاريخ النشر: 22.04.2018 | 10:04 دمشق

الأتراك بعيون العرب

بقيَّت صناعة الأخبار في العالم العربي مرتبطة بشكل أساسي بالدولة التي تُمارس الوصاية الفكريَّة الكاملة على وسائل الإعلام في معظم الأقطار العربية، بحيث تحوَّلت مهامها من الموضوعيّة والرقابة والإعلام إلى أبواق للدعاية السياسيَّة للنظام الحاكم، والترويج لإيديولجيَّته و دعايته السياسية غالباً.

أدلجة العلاقات العربية – التركية دخلت في هذا السياق بشكلٍ واضحٍ،  ففي الوقت الذي سعت فيه النُخب الحاكمة والمثقّفة المؤدْلجة (غالباً) إلى تصوير الأتراك في قوالب صوريةٍ سلبيّةٍ، نجدُ أنَّ معظم أفراد الشعب العربي وبعض النُخب الفكريّة والسلطويّة العربية (كما يؤكد المؤرخ العربي سيّار الجميل)، لا يحملُ تلك الصورة السلبية عن الأتراك، ومن هنا فقد نشأت صورتان نمطيتان مقولبتان سلبيّة وإيجابيّة للأتراك لدى النخبة الثقافية والسلطوية العربية – مع بعض التداخل بينهما- هما: الصُورة النمطية السلبية لدى عرب المشرق الذين يعدون الأتراك "مُستعمرين برابِرة وغُزاة وتتار، وأنَّ العرب رزحوا تحت نير -الاحتلال العثماني- وجوره، وبأنهم –أي الأتراك العثمانيين- كانوا سبباً في تأخر العرب وانقطاعهم عن اللحاق بركب الحضارة الغربية ، وحاولوا طمس التراث العربي، وإذلالهم وقهرهم ونفيهم ..إلخ " . والصورة النمطية المقبولة الإيجابية للأتراك لدى معظم مفكري عرب المغرب ونخبهم الحاكمة، باعتبارهم "حماة دار الإسلام ضدَّ الهجمة الصليبية الاستعمارية والتجزئة الصهيونيّة من شمال أفريقيا إلى الخليج العربي" وتعززت الصورة الإيجابية للأتراك في نظر الشعوب العربية بعد جملة من المواقف التي أجادت فيها حكومة أردوغان اللعب على وتر عواطف الشعوب، سواء اتجاه القضية الفلسطينية او اضطهاد الروهينغا، أو من الشعب السوري واستقباله وإزالة القيود عن وجود السوريين وإقامتهم وعملهم في تركيا. 

ثمة فرضية أخرى يشير إليها إبراهيم الداقوقي،  بعدم وجود ثقة عربية بنيَّات الحكّام الأتراك في قضايا الأمن القومي العربي ( الموقف التركي من إسرائيل ومشاكل الحدود والمياه والأقليات)، والذي ينعكس سلباً على صورة أولئك الحكام الأتراك والقابضين على السلطة في تركيا (بمفهوم العرب) نتيجة الأحكام المسبقة التي يحملها العرب ضدّهم بسبب تراكمات الماضي وانقطاع الصلة بينهما منذ إرهاصات ما بعد الحرب العالمية الثانية والانقسام حول المعسكرين الشرقي والغربي، وقيام تركيا بالاعتراف بإسرائيل كأول دولة مسلمة تعترف بهذا الكيان سنة 1949 ثم إقامة تعاون عسكري معها سنة 1954، وانتماء تركيا لمنظومة الدفاع الغربي، ورفض تركيا لفكرة تأميم قناة السويس، وتصويتها ضد استقلال الجزائر، وحشدها الجيش سنة 1957 على الحدود السورية وأيضاً معارضتها للوحدة بين سورية ومصر كل هذا ساهم بتعزيز الصورة السلبية للأتراك آنذاك لدى العرب.

 

البوابة السورية في العلاقات التركية - العربية

ثمة تغيّر جذري للصورة النمطية للأتراك في ذهن الشعب العربي حتى في الدول التي كانت وما تزال تمارس التحريض المستمر ضدَّ الأتراك في المناهج الدراسية والإعلام، ومحاولة سحب مرحلة المد القومي (التركي أو العربي)  منذ  آواخر عهد العثمانيين والقمع الذي تعرضت له النخبة القومية العربية آنذاك على يد جمال باشا الموصوف بالأدبيات القومية العربية "بالسفاح"، على الأربع القرون السابقة جميعها من فترة الحكم العثماني.

العلاقات السورية التركية بقيت تشهد توتراً ملحوظاً، وبشكل خاص منذ الثمانينات على أثر دعم نظام حافظ الأسد لمنظومة العمال الكردستاني بقيادة أوجلان الذي كان يتخذ من دمشق مقراً له، وبقيت العلاقات متوترة وسط تهديدات عسكرية تركيّة متصاعدة ضدّ نظام الأسد، بلغت ذروتها سنة  1998، قبل أن تتدخل وساطة مصرية ساهمت في نزع فتيل الأزمة وانتهت باستجابة حافظ الأسد للتهديدات الجديّة من قبل تركيا، فأخرج أوجلان من سورية، ثم تم توقيع اتفاقية أضنة بين سورية وتركيا لينتهي مؤقتاً دور العمال الكردستاني في سورية، وتزداد عملية تطبيع العلاقات بين الجانبين بعد وصول حزب العدالة والتنمية للسلطة. وأظهرت عملية التقارب حماساً شعبياً لعودة هذه العلاقات.

 

العلاقات السورية – التركية بعد الثورة

انطلقت الثورة السورية سنة 2011، فاتخذت تركيا موقفاً مؤيداً للحراك الشعبي ضدّ نظام الأسد، وأعاد النظام استخدام أوراقه القديمة ( ورقة العمال الكردستاني)، وبدأ بإعداد الفرع السوري من العمال الكردستاني بقيادة صالح مسلم، عبر الاستعانة بقوات العمال الكردستاني القادمة من قنديل بعد الهدنة التي تم التوصل إليها آنذاك مع تركيا. وباتت الورقة الكردية سلاح الأسد لضرب الأكراد المعادين له، ثم ضرب الجيش الحر، وإطلاق يد هذه القوات لتوسيع رقعة المناطق المحتلة وبشكل خاص مع الحدود مع تركيا لإثارة الوضع الأمني في تركيا، وبالفعل نجحت في إعادة التصعيد داخل تركيا، وقيام العمال الكردستاني بتنفيذ عشرات العمليات من تفجير وزرع عبوات ناسفة أدت لمصرع المئات من مدنيين وعسكريين، ثم تطول نشاط العمال الكردستاني ليقيم تحالفات عسكرية أخرى تحت مظلة النظام – إيران، روسيا، العراق- ، ثم خارج مظلة النظام – التحالف مع أمريكا-. وبدء السيطرة على مناطق بدون التنسيق مع النظام. الأمر الذي سبب قلقاً للنظام، و بالتالي أبرق النظام وحلفاؤه بموافقتهم على تدخل تركي محدود في منطقة عفرين بغية كسر شوكة العمال الكردستاني. وحصل التدخل على ما يبدو بموافقة أو بغض طرف أمريكي عنها.

 

التدخل التركي في عفرين

ضمن عملية أطلق عليها الأتراك " غصن الزيتون" قامت وحدات عسكرية سورية معارضة وبدعم من قوات الجيش التركي، باقتحام عفرين من عدة معارك، وفي معركة دامت نحو خمسين يوماً تمكنت هذه القوات من السيطرة على منطقة عفرين وجمع نواحيها وقراها، وتفاخرت تركيا بأنَّ ذلك حصل بدون أضرار للمدن التي تم السيطرة عليها وطرد مقاتلي العمال الكردستاني منها. كان من الواضح أيضاً بأن هناك إعلام غربي وعربي أيضاً حاول التشويش كثيراً على التدخل التركي عبر التركيز على الأخطاء التي حصلت من بعض الأفراد ومحاولة تعميمها، في الوقت الذي لم تقم هذه الوسائل بتخصيص نصف هذا الوقت للحديث عن الجرائم الأمريكية في الرقة ودير الزور مثلاً، أو الجرائم المرتكبة من قبل روسيا والنظام في باقي المناطق السورية.

يبدو أن حلفاء للنظام مثل روسيا وإيران اللتين تولدت بينهما وبين تركيا مصالح وشراكات في إطار مشروع "الأستانة" ومناطق خفض التصعيد وبخاصة بوجود أمريكي في المنطقة، لم ينتظروا تعنت الأتراك وعدم انسحابهم من عفرين، وربما كان المتوقع بأن ثمن السماح لتركيا بتطهير منطقة عفرين من العمال الكردستاني كان ثمنه تسليم المنطقة للنظام مثلاً، وربما كانت هناك اتفاقيات أخرى في إطار سكوت تركي عن مناطق أخرى يتم تسليمها للروس، كل هذا ما يزال غير واضح وستكشف عنه الأيام القادمة.

 

 موقف الدول العربية من التدخل التركي

يبدو أن معظم الدول العربية تتخوف من الدور المتنامي لتركيا في المنطقة العربية، قاعدة تركيا في قطر ظهرت على أثر الأزمة الخليجية، وجزيرة سودانية على البحر الأحمر تم الاتفاق لتطويرها من قبل الأتراك الأمر الذي أبدت مصر مخاوفها حياله ومؤكد أنه سيكون مقلقاً للملكة العربية السعودية التي تتوجس من التحالف التركي – القطري ، والتركي – الإيراني.

تظهر هذه المخاوف جلية في محاولة اتحاد البرلمانات العربية في أوائل شهر نيسان/أبريل الحالي استصدار قرار لإدانة دخول تركيا إلى الأراضي السورية والعراقية، الأمر الذي اصطدم بإعتراض كل من السودان وقطر، مشيرين بإن الإدانة في التدخل بالأراضي العربية يجب أن لا يكون بذكر تدخل دولة معينة وإغفال تدخل دول أخرى مثل أمريكا وروسيا وغيرها. وبالتالي صدرت الصيغة النهائية بدون ذكر تركيا. إلا أن مصر منذ اليوم الأول للتدخل التركي كانت قد أصدرت بياناً أدانت من خلاله ما قالت أنه احتلال تركي لمنطقة عفرين السورية، كما أصدرت الجامعة العربية منذ ديسمبر عام 2015 قراراً يطالب فيه تركيا بالانسحاب من العراق دون قيد أو شرط.

 

خطة ترامب لإرسال قوات عربية

"وول ستريت جورنال" كانت قد سربت أنباء عن خطة أمريكية بإرسال قوات عربية ( مصرية، سعودية، إماراتية) ، إلى سورية لتحل محل القوات الأمريكية في المنطقة. وذكرت الصحيفة أن الإدارة الأمريكية طلبت من الإمارات والسعودية وقطر المساهمة بمليارات الدولارات، وإرسال قواتها إلى سوريا؛ لإعادة الاستقرار ولا سيما في المناطق الشمالية الشرقية.

هذا القرار أعتقد أنه لو تم بالفعل، فإنه سيتم باستبعاد قطر من هذه الخطة أولاً، وستكون الدول العربية في هذه الحالة أقرب من أي وقت مضى للمواجهة العسكرية مع تركيا في الشمال السوري، والتي يبدو أن الولايات المتحدة تحاول تجنب هذه المواجهة مع إصرار تركي لطرد عناصر العمال الكردستاني من الحدود مع سورية لأن المسألة بالنسبة لها تتعلق بأمنها القومي ووحدة أراضيها.

التحالف العربي المزمع إرساله إلى سورية، سيكون أمام سناريوهين في التعامل مع تركيا في حال إقراره:

الأول: سيكون عبر دعم قوات العمال الكردستاني في سورية بكافة أشكال الدعم وتأمين كافة الأسلحة والذخائر الممكنة، وإسنادها بالقوات العسكرية البشرية متى ما تطلب الأمر ذلك، وبالتالي هذا السيناريو سيكون الأسوء من حيث النتائج، إذ سيعني مواجهة مباشرة بين تركيا والدول المشاركة في التحالف،  وأعتقد بأن أمريكا تتمنى حدوث مثل هذا السيناريو، وستستفيد من إشعال صراع بهذا الحجم والذي سيكون مناسبة جيدة لشركات السلاح الأمريكية التي ستزداد مبيعاتها وأيضاً تتمكن من تحجيم دور تركيا دون مواجهة مباشرة معها.

الثاني: سيكون عبر محاولة هذه الدول للقيام بأعباء الانتشار في المناطق الحدودية في شمال شرق سورية،  وإعادة القوات الكردية إلى الصفوف الخلفية نحو الجنوب، وبالتالي تكون هذه القوات بمثابة حاجز بين الأتراك وبين ميليشيات العمال الكردستاني، وربما إذا رفضت تركيا وجود هذه القوات على حدودها يتم تسليم المنطقة للنظام أو لقوات محلية من السكان يتم تأسيسها وتدريبها وتسليحها بوساطة التحالف العربي، مع إبقاء قوات التحالف العربي على مسافات أبعد.

تسريب الصحافة الأمريكية لمسألة التحالف العربي تزامن مع زيارة لولي العهد السعودي للولايات المتحدة الأمريكية، ثم عقد القمة العربية الـ 29 في الظهران في المملكة العربية السعودية، مع تصاعد خطاب غير مسبوق على مستوى القمة يشدد على مسألة "الأمن القومي العربي" ، الأمر الذي يصب كله في تكهنات تزيد من فرص إرسال قوات عربية إلى الشمال السوري.