اعتصام "إم 4" في إدلب.. مصالح اقتصادية وتحدٍّ وجودي

تاريخ النشر: 28.04.2020 | 15:40 دمشق

تلفزيون سوريا - فراس فحام

تطورات غير مسبوقة شهدتها محافظة إدلب، بعد مرور أكثر من 40 يوماً قضاها عشرات المعتصمين على طريق حلب – اللاذقية الدولي (m4) تحت شعار "اعتصام الكرامة" الذي أعلن عن أهدافه بـ "منع مرور الدوريات الروسية" على الطريق.

في السادس والعشرين من شهر نيسان / أبريل الجاري اندلعت اشتباكات بالأسلحة بين عناصر مسلحة موجودة على طريق m4 وقوات تتبع للجيش التركي، مما أدى إلى مقتل 3 عناصر من الشرطة التابعة لحكومة الإنقاذ (الذراع المدنية لهيئة تحرير الشام).

المواجهات تطورت لاستخدام هيئة تحرير الشام صاروخاً مضاداً للدروع ضد آلية تتبع للجيش التركي، الأمر الذي استدعى تدخل طائرة من دون طيار من طراز "بيرقدار" لاستهداف نقاط إطلاق النيران.

في السابع والعشرين من شهر نيسان / أبريل حاولت هيئة تحرير الشام فتح معبر تجاري في منطقة "معارة النعسان" شمال إدلب، بهدف تبادل البضائع مع مناطق النظام، الأمر الذي استدعى تدخل القوات التركية التي قامت بقطع الطريق لمنع استكمال إجراءات فتح المعبر.

وسبق أن حاولت "تحرير الشام" فتح معبر تجاري مع مناطق سيطرة النظام في مدينة سراقب، إلا أن الرفض الشعبي حال دون ذلك، الأمر الذي أثار شكوكاً حول الأهداف الخافية للاعتصام على الطريق الدولي.

مصالح اقتصادية

ينص التفاهم الذي جرى توقيعه منتصف شهر آذار/ مارس الماضي في موسكو بين تركيا وروسيا على تسيير الدوريات المشتركة على طريق m4، بالإضافة إلى فتح هذه الطرقات أمام الحركة التجارية.

تنفيذ هذه البنود سينعكس بشكل مباشر على مستقبل هيئة تحرير الشام، التي تعتمد على الإمساك باقتصاد المنطقة وجهازها الأمني في بسط السيطرة على المنطقة.

ومنذ سيطرة "تحرير الشام" على معبر باب الهوى الحدودي شهر آب / أغسطس 2017، أوجدت لنفسها مدخولاً شهرياً يتجاوز 10 ملايين دولار، وذلك من خلال فرض الرسوم على البضائع الواردة من خارج سوريا، بالإضافة إلى احتكار العديد من السلع الأساسية والضرورية عن طريق "المكتب الاقتصادي"، كما أنها تقوم بالتربح من خلال تبادل البضائع مع النظام عن طريق المعابر التي وضعت يدها عليها في "قلعة المضيق" بريف حماة و العيس جنوب حلب.

هذا الدخل مكّن الهيئة من تمويل مشروع "حكومة الإنقاذ" التي باتت بدورها تحتكر الملف الخدمي في المنطقة، كما أتاح لها هامش مناورة سياسياً كبيراً بحكم الاستقلالية التي حازتها، مستغلة المصالح الاقتصادية التركية التي تمنعها من إغلاق معبر "باب الهوى".

وترى الهيئة في التحركات التركية في إدلب والعمل على فتح الطرقات الدولية مهدداً لمصالحها الاقتصادية، وترى فيه تهديدا مباشرا لمستقبلها الذي يعتمد على ركيزتين أساسيتين وهما : الاقتصاد – القبضة الأمنية، ومن هذا المنطلق قامت الهيئة بالدعوة إلى الاعتصام على الطريق الدولي وتقديم تسهيلات لمن يرغب بالالتحاق به مثل تأمين وسائط نقل وتوزيع وجبات غذائية للمعتصمين، بالإضافة إلى الطلب من حكومة الإنقاذ حشد العاملين في القطاعات الخدمية والأمنية.

الباحث "عرابي عبد الحي عرابي" مسؤول وحدة الحركة الدينية في مركز جسور للدراسات أيد الرأي القائل بأن الاعتصام على الطريق الدولي يقف خلفه البحث عن مصالح اقتصادية فئوية، بل اعتبر أن هذه المصالح خاصة ببعض الكتل داخل الهيئة الممسكة بالملف الاقتصادي.

وأضاف "عرابي" في حديث مع موقع "تلفزيون سوريا": تركيا لن تسمح بوجود أي معبر لهيئة تحرير الشام مع النظام، وهذا بداية لضغط اقتصادي هدفه تغيير سلوك الهيئة.

ولم يستبعد "عرابي" أن تتطور الضغوط مستقبلاً لتشمل إدارة معبر باب الهوى كأن يشترط الجانب التركي أن تكون خاضعةً لإدارة الحكومة السورية المؤقتة، أو تحويل المعبر التجاري من باب الهوى إلى باب السلامة أو جنديرس على سبيل المثال، الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تقليص حجم "التنظيم".

صراع وجود

يتضح من خلال لجوء "تحرير الشام" إلى الخيار العسكري في مواجهة الجيش التركي إلى أنها تدرك تماماً لطبيعة التحدي الذي تتعرض له حالياً، وتتعاطى معه على أنه صراع وجودي، خاصة أن الجانب التركي أبلغ "تحرير الشام" في نهاية شهر آذار / مارس الماضي بضرورة حسم أمرها فيما يتعلق بحل التنظيم واستبعاد القيادات المصنفة على قوائم الإرهاب، والسماح للمجموعات السورية بالانخراط ضمن فصائل الجبهة الوطنية للتحرير أو تأسيس فيلق جديد يعلن تبعيته للجيش الوطني السوري، إلا أن قيادة الهيئة رفضت هذا العرض، وأصرت على الاستمرار باعتصامها.

وشرعت تركيا مؤخراً في إعادة هيكلة فصائل المعارضة السورية، وذلك عن طريق تأسيس ستة ألوية عسكرية قتالية، يتولى كل لواء الانتشار في محور قتالي مشترك مع الجيش التركي، الأمر الذي يعطي مؤشراً على توجه تركي جديد هدفه إعادة هيكلة المشهد العسكري والعمل على المزيد من ضبطه.

وستكون هذه التشكيلات الجديدة هي الوجهة لغالبية العناصر السورية في هيئة تحرير الشام، في حال تم التضييق عليها اقتصاديا وعرقلة عملية دفع الرواتب لمقاتليها وكوادرها.

ووافق "محمد سالم" الباحث في "مركز الحوار السوري" على القول بأن تركيا تتجه لإعادة هيكلة "الفاعلين المحليين" في منطقة إدلب للوصل إلى نموذج "درع الفرات" و "غصن الزيتون".

وأضاف "سالم" في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا:" من الواضح أن تركيا تريد تثبيت المكتسبات التي حققتها، والتي نتجت عن المعارك الأخيرة وما تلاها من مفاعيل أهمها اتفاق موسكو، والتي ستجعل من إدلب منطقة نفوذ تركية مشابهة لحالة درع الفرات وغصن الزيتون تقريباً".

واعتبر "سالم" أن تركيا تسعى لبناء نموذج حوكمة محلي بإشراف تركي، ويعني ذلك تفكيك هيئة تحرير الشام بشكلها الحالي، أو إعادة تشكيلها لتتوافق مع نموذج الحوكمة الجديد الذي تريد تركيا بناءه، ولن تقتصر التغييرات على هيئة تحرير الشام بل ستشمل مختلف الفاعلين المحليين المسلحين خاصة، ومنع تركيا لهيئة تحرير الشام من افتتاح معبر جديد تتنفس من خلاله اقتصادياً (كونها تسيطر على معبر باب الهوى وتصدر لمناطق النظام) يعتبر أحد أهم تجليات السياسة التركية الجديدة التي نشارف على أن نشهدها.

واستشهد "سالم" على رأيه بالتسريب للقيادي في الهيئة "أبو الفتح الفرغلي "، والذي تحدث به عن التغيرات التي حصلت منذ بداية دخول الأتراك، عندما كانت "هيئة تحرير الشام" قوية تفرض شروطها نسبياً، وصولاً إلى الوضع الحالي الذي اعترف فيه الفرغلي بالضعف الشديد.

موت بطيء

ورأى "سالم" أننا " نشهد موتاً بطيئاً لهيئة تحرير الشام بشكلها الحالي، لكننا قد نشهد ولادة جسم أو أجسام جديدة منها ستكون متوافقة مع السياسة التركية الجديدة في المنطقة، إن لم تحدث تغيرات طارئة مفاجئة"، معتبراً أن ذلك يصب في مصلحة المنطقة.

من الواضح أن المنطقة دخلت في منعطف مهم منذ دفع تركيا بالآلاف من جنودها باتجاهها منذ شهر شباط / فبراير الماضي، وقد بدأت انعكاسات هذا الموقف الجديد تظهر تدريجياً أولاً عن طريق الاشتباك مع قوات النظام واستخدام الطائرات المسيرة ضده، وثانياً من خلال السياسة الجديدة المتبعة مع هيئة تحرير الشام.