icon
التغطية الحية

استنطق الظواهر اليومية وحصد جوائز السينما..فيلم "الطفيلي" وإبداع السينما الكورية

2021.09.20 | 14:40 دمشق

استنطق الظواهر اليومية وحصد جوائز السينما..فيلم "الطفيلي" وإبداع السينما الكورية
من فيلم "الطفيلي"
هيا عسّاف
+A
حجم الخط
-A

يقدم لنا الفيلم الكوري parasite الطفيلي الذي يعتبر اسمه غريباً بعض الشيء، مشاهد من الحياة اليومية التي تتسم بالكوميديا السوداء، ويأخذنا إلى تجسيد الظاهرة اليومية التي يعيشها معظمنا، ألا وهي تطفّل بعض الناس على الآخرين، بطرق انتهازية، وأحياناً بذكاء أو تملّق واتباع حيل عديدة.

الطفيلي هو الكائن الذي ينشأ من الفساد، الكائن الضعيف الذي يتغذى على جسم كائن آخر، لأنه لا يستطيع إعالة نفسه، وهنا يكمن جوهر الفيلم، في الصراع الطبقي والفروقات الاجتماعية في العصر الحديث لجميع المجتمعات.

"الطفيلي" فيلم يدخل التاريخ

نحن أمام فيلم عظيم من كوريا الجنوبية حصد جائزة أوسكار لأفضل فيلم عام 2019 في الدورة الـ 92 من المهرجان متفوقاً على كثير من الأفلام، حصل أيضاً على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان لعام 2019، وجائزة الأكاديمية البريطانية للأفلام عن فئة أفضل فيلم بلغة غير الإنكليزية (2020)، وأيضاً جائزة غولدن غلوب لأفضل فيلم بلغة أجنبية. 

وبالإضافة إلى حصوله على جائزة أفضل فيلم، حصل على جائزة أوسكار أيضاً عن فئة أفضل سيناريو أصلي وفئة أفضل فيلم أجنبي، وجائزة أفضل مخرج، لتكون محصلة الفيلم 4 جوائز أوسكار ، ليعدّ بذلك بمثابة "الحصان الأسود" للدورة 92.

كما تم إدراج الفيلم في قوائم متعددة، وأبرزها قائمة أفضل أفلام الألفية الثالثة، وحصد شهرة واسعة قلما حظيت بها الأفلام المنتَجة في دول جنوب شرقي آسيا.  ووصلت إيرادات الفيلم إلى أكثر من "266 مليون دولار في جميع أرجاء العالم بميزانية إنتاج بلغت نحو 11 مليون دولار فقط".

 

 

أخرج الفيلم المخرج المبدع والاستثنائي "راج بونج جون هو" الذي أخرج العديد من الأفلام الشهيرة والمميزة، وشاركه كتابة السيناريو "جين وون هان" وبطولة كل من "سونغ كانغ هو"، لي سون كيون، تشو يو جونغ، وآخرين.

قصة فيلم الطفيلي

يحكي الفيلم قصة عائلتين متناقضتين؛ عائلة غنية تعيش في قصر على تلّة، وعائلة فقيرة تعيش في سرداب؛ العائلتان مؤلفتان من أب وأم وابن وابنة، وهنا ليست من باب الصدفة بل لإيصال فكرة للمشاهد أن لا فارق بينهما سوى بالمستوى المادي. كلتاهما تبحثان عن راحة وسعادة أبنائهما بشتى الوسائل.

وتبدأ قصة الفيلم بتجسيد مشاهد وصف حالة المنزل القابع تحت الأرض بين الحشرات من ثم حالة سرقة الأولاد شبكة "الواي فاي- Wi-Fi" من أي شبكة مفتوحة لعملهم المتواضع في طي علب البيتزا وأجورهم الزهيدة.

من ثم تتغير حالة هذه العائلة عندما يحصل الابن على فرصة عمل كمدرس في شهادة علمية مزيفة عند عائلة أرستقراطية تقطن في بيت شبيه بالقصر في أعلى تلة، مع ترف ظاهر وخدم، وسيارات فارهة. ثم تنجح العائلة الفقيرة بأساليب ملتوية وبحياكة درامية قوية بعمل الأسرة كاملة لدى العائلة الباذخة.

"الغاية تبرر الوسيلة".. حجة الضعيف والطفيلي

بعض العائلات الفقيرة تلجأ للتطفل مع تبرير أفعالها بذرائع عديدة، إما لتلبية متطلبات معيّنة، أو لتحقيق بعض أحلامهم. يتمثل هذا التطفل في العديد من مشاهد الفيلم، ومن بينها على سبيل المثال قول الابن: "لا مزيد من الواي فاي المجاني" وذلك بعد أن يغيّر الجيران كلمة سر شبكة الإنترنت. فـ (الواي فاي) يعدّ الوسيلة الوحيدة لتواصل العائلة مع العالم الخارجي.

فيبدأ الابن بالبحث عن شبكة (واي فاي) جديدة لحاجته مع الآخرين لإيجاد عمل عبر الإنترنت، فيجدون شبكة مجانية يصل مدى تغطيتها إلى حمام المنزل فقط، فيجلس الأخ والأخت بوضعية القرفصاء بكل أريحية، يبحثان عن عمل أو ليتطفلا مجدداً.

 

parasite-filmloverss (1).jpg

 

وعندما تأتي سيارة رش المبيدات الحشرية بالقرب منهم، يرفض الأب إغلاق النافذة بقوله: "سنحصل على إبادة مجانية!" ثم، عندما ينتقلون إلى منزل العائلة الفارهة "عائلة السيد بارك"، يبدأ التطفّل، متمثّلاً في مشهد كوميدي مستفز عندما يقفز الابن على سريرهم، وتستجمّ الفتاة في "بانيو-حوض الاستحمام" الخاص بالعائلة الثرية، وكأنه حق مكتسب وطريقة حياة يملكون الانسجام والتأقلم معها.

حبكة قوية وسرد متماسك جداً

عند مشاهدة الفيلم تشعر أنك أمام قاص بارع؛ ينتقل بين المقدمة والخاتمة برشاقة، وأحداث الفيلم تتلوّن بين الدراما والكوميديا والتشويق والدموية.. إذ لا يفقدك أي شغف، فأنت أمام قصة هارمونية متوازنة. فخليط الدراما والكوميديا بين شخصيات السيناريو يؤجج لدى المُشاهد مشاعر دفينة؛ بين الضحك على الشخصية والتعاطف معها، وهنا، يتخلّق هذا الاختلاج الممتع والغني لمن يشاهد الفيلم. فلا يوجد مشهد عابر بل بكل لقطة هناك رسالة تكشف عن فكرة الفيلم أو طبيعة شخصية توحّد السيناريو وتتناغم مع الشخصيات الأخرى.

وأيضاً، لجوء المخرج للرمزية التي تفسر فيما بعد مقصده، مثلاً: تثبيت الكاميرا لمدة (23) ثانية على مشهد السيارة والبيت تحت الشارع لاستفزاز المشاهد واستنطاق الواقع. أما الرجل الذي يتبول في كل حين على شباك منزلهم، فقبل وجود العمل كانوا يتجاهلونه، وبعد وجوده يقوم الأب والابن في إبعاده وإغراقه في الماء، وهنا يرمز إلى السلطة بسبب عملهم عند عائلة غنية.

الطموح في الحياة.. كيف تتحقق الغاية؟

تلعب "الرائحة" دوراً مهماً في السرد من خلال تجسيد الاختلافات الطبقيّة بين العائلتين. فابن العائلة الغنية يكتشف أن لهم ولأفراد العائلة الفقيرة نفس الرائحة، إلا أن السيد "بارك" الثري، كان قادراً على تمييز رائحة "كيم" الفقير في أثناء وجوده تحت الطاولة. أيضاً عندما وقع مفتاح السيارة تحت مايونج -زوج الخادمة الأولى- وحاول بارك إجبار نفسه على أخذ المفاتيح وإغلاق أنفه، وملامح الاشمئزاز تظهر على وجهه ما أدى إلى استفزاز جنون الأب كيم والهجوم عليه وطعنه، وتذكيره بطريقته المهينة التي كان يتعامل بها معه.

 

parasite-house.jpg
الأسرة الغنية في صورة من الفيلم

 

السيناريو خرج عن التنميط والتكرار لصورة الأغنياء والفقراء؛ فصوّر العائلة الغنية متسامحة ولطيفة، وربما لأنها غنية لطيفة، والفقيرة تحمل جانباً من الشر والاستغلال.

أما الرسالة التي رغب الفيلم بإيصالها للمشاهد تتمثل في التساؤل حول "من الذي يقوم بالتطفل؟". الأسرة الفقيرة بدون أدنى شك طفيلية.. هكذا نشاهد في سياق الفيلم، حيث تعمد إلى اتباع قانون وضيع وطفيلي محض، وهو "كل شيء مجاني أكثر منه". لكن الأسرة الغنية والتي لا تستطيع العيش بدون خدمات وخَدَم الأسر الفقيرة، تمارس رفاهيتها وتبسط نفوذها على أكتاف الفقراء. فربما الفقير يتطفل على المال، ولكن الغني يتطفل على كرامة الإنسان.

ولا بدّ من القول إن فيلم الطفيلي parasite من الأفلام الممتعة جداً والمناسبة لمختلف أذواق متابعي الفن السابع، إذ لجأ إلى موضوع الصراع الطبقي بطريقة سردية بسيطة وبمعان غنية خارج عن جميع "الكليشيهات" والقوالب الجاهزة التي تناولتها أفلام تحمل ذات الفكرة.