استقلال سوريا وأزمة الكهرباء

تاريخ النشر: 08.06.2018 | 00:06 دمشق

آخر تحديث: 22.12.2018 | 05:56 دمشق

 شهدت سورية موجتين مسلحتين كبيرتين في وجه الانتداب الفرنسي، الأولى أعقبت مباشرةً دخول القوات الفرنسية إلى سوريا في تشرين الثاني من العام 1918 عن طريق الساحل السوري، ويذكر أدهم آل الجندي في كتاب "تاريخ الثورات السورية" أن أول من أطلق رصاصة في وجه القوات الفرنسية الغازية كان رجلاً يدعى مُحُّو بن شاشو الكردي، من سكان حارم، فكوَّن مجموعة مقاتلة هاجمت الدرك وقوات الجيش الفرنسي.

في سياق مشابه جاءت معركة ميسلون "الرمزية" صيف 1920 ذروة من ذرى تلك المواجهة، لكن زخم المعارك كان في الشمال السوري عموماً،

بدأت هذه المواجهات في تموز في العام 1925 واستمرت حتى انتقال سلطان الأطرش إلى الأردن عقب معارك اللجاة

حيث تركزت المواجهات في أرياف إدلب وطرطوس واللاذقية، واستمرت قوية ومؤثرة حتى قبُض على إبراهيم هنانو وحوكم في سنة 1921. شهدت الجبهات سكوناً متفاوتاً حتى قيام الموجة الثانية من المواجهات وهذه المرة كانت مرتكزة في الجنوب السوري والسويداء بشكل خاص، وتذكرها كتب التاريخ المدرسية باعتزاز كبير، وبكثير من التبجيل. بدأت هذه المواجهات في تموز في العام 1925 واستمرت حتى انتقال سلطان الأطرش إلى الأردن عقب معارك اللجاة، ثم كان مصير هذه الثورة التي سميت بـ"الثورة الكبرى" الذبول التدريجي، وصولاً إلى الهدوء التام في العام 1927.

ورغم استمرار أعمال المقاومة ضد الوجود الفرنسي إلا أن هذا الأخير حسن مواقعه عقب قضائه على معظم المسلحين الذين وقفوا في وجهه، ونجح بالقبض على زعماء الثورة وعقد لهم محاكم، لكنه حكم على معظمهم بالبراءة بعد أن ضمن خفوت قعقعة السلاح، بقي عليه أن يخوض معركة باردة مع المدنيين من وجهاء المدن ومرتدي الطرابيش والبذلات الرسمية.

وضع المندوب السامي المسيو بونسو مشروع اتفاقية ثنائية بين سوريا وفرنسا وعرضها على الحكومة التي قبلتها "صاغرة"، ثم عُرضت على مجلس النواب الذي تحوز فيه الكتلة الوطنية  تمثيلاً ضعيفاً، وفي هذا المجلس الفائز بانتخابات تحت إدارة فرنسية استعمارية حدث مشهد يصلح أن يكون في إحدى هزليات المسرحي الفرنسي جان أنوي، عندما اعتلى منبر مجلس النواب السوري النائب جميل مردم الذي ينتمي إلى الكتلة الوطنية وتلا بيان رفض الاتفاقية، ورفع بيده بياناً موقعاً من خمسين نائباً بالرفض، ثم قام وكيل المندوب السامي إلى منبر المجلس ذاته عبر السلَّم الآخر، وتلا بيان المندوب السامي بحل المجلس، فاجتمع  على ذات المنبر شخصان أحدهما نائب منتخب يرفض، والآخر وكيل للحاكم العسكري الفرنسي يرفض الرافضين، ولكن رئيس مجلس النواب صبحي بركات المغتاظ من الفرنسيين الذين لم يدعموا ترشيحه لكرسي الرئاسة وفضلوا عليه محمد علي العابد وجد فرصة للانتقام فأقر قانون الرفض.

احتجَّ وكيل المندوب السامي وتمسك بقرار حل المجلس، فأجابه صبحي بركات وهو يبتسم بأن مضبطة الرفض قرئت قبل قرار الحل، وساد الجلسة هرج ومرج من ذلك الذي يحصل في برلمانات الديمقراطيات النزقة فطارت الطرابيش وفاضت الوطنية على سلالم المجلس النيابي، حتى رفع بركات الجلسة.

ترافق ما جرى مع حركة شعبية تناغمت مع مطالب الكتلة الوطنية التي أعلنت بأن مشروع المعاهدة مرفوض حتى لو انحل مجلس النواب. كان لواحد من قادة الكتلة فضلٌ غير مباشر بالثورة البيضاء التي أصبحت مقدمة "فلسفية" أفضت إلى خروج الجيوش الفرنسية من سورية، فقد توفي إبراهيم هنانو في أواخر العام 1935 وأقيم حفل تأبيني في الجامعة السورية بمناسبة مرور أربعين يوماً على الوفاة أعلن فارس الخوري خلال الحفل ميثاقاً وطنياً على لسان الكتلة السياسية التي يتحدث باسمها.

ينص الميثاق على خروج فرنسا بجيوشها من سوريا، وإعلان سورية دولة للجميع، وجميع مقدرات الأمة رهن بتطبيق المادتين أعلاه، اضطرب الشيخ تاج الدين الحسيني رئيس الوزراء السوري لهذا الإعلان، وهو رجل يُعتبر بالمصطلحات "الإيديولوجية" التي تناسب هذه الأيام، عميلاً للقوات الفرنسية، واضطربت الشوارع أيضاً، وهاج الشعب مطالباً في البداية بتخفيض سعر الكهرباء، حيث كانت الكهرباء متوفرة طوال الأربع وعشرين ساعة، ولكن سعرها مرتفع، وتطورت المطالب إلى حد رفض ركوب القاطرات الكهربائية، وحصل ما يشبه العصيان المدني، استمرت هذه الاضطرابات خمسين يوماً ورغم ذلك فقد سميت تلك الأحداث بالإضراب الستيني! وافق المندوب السامي بعد مفاوضة الكتلة الوطنية على تشكيل وفد مشترك بين الحكومة والكتلة للذهاب إلى باريس ومفاوضة الحكومة والخروج باتفاقية يوافق عليها الجميع.

الاستقلال أصبح في متناول اليد، ولا يبعد أكثر من المسافة الزمنية التي تفصل بين ذهاب الوفد وعودته، فأقيمت احتفالات عريضة بعد أن توقف الإضراب وعاد السوريون للاستمتاع بركوب الترومواي الكهربائي،

الخمسون يوماً التي أضرب فيها سكان المدن السورية وتوقفوا عن استخدام خدمات شركة الكهرباء الفرنسية كانت كفيلة بتراخي القبضة المتينة للفرنسيين

وقص الزعيم الكتلوي الوطني هاشم الأتاسي شريطاً لونه أخضر وضع على باب سوق الحميدية كرمز لانتهاء الانتداب، وتهيأ ثمانية زعماء للذهاب إلى باريس وهم: عن الكتلة الوطنية هاشم الأتاسي رئيساً للوفد، وفارس الخوري، وجميل مردم، وسعد الله الجابري، أما ممثلو الحكومة فكانوا مصطفى الشهابي، إدمون الحمصي، نعيم أنطاكي، وإدمون رباط. سافر الوفد مصحوباً بعواطف وقلوب السوريين الذين كانوا حوالي المليونين في ذلك الوقت، وغابوا طوال ستة أشهر، يغمرها تعاطف شعبي فياض وصادق، فقد كان الجميع متأكداً بأن الوفد سيأتي وبرفقته ما يحلم به كل سوري. الخمسون يوماً التي أضرب فيها سكان المدن السورية وتوقفوا عن استخدام خدمات شركة الكهرباء الفرنسية كانت كفيلة بتراخي القبضة المتينة للفرنسيين، ويبدو أن عناد التمسك بالحياة على منتجات الفحم الحجري والحطب أنتج هذا التراخي الفرنسي وقبوله بإيفاد المجموعة الوطنية للتفاوض، وهو ما جعل أصوات الكتلة الوطنية تعلو وتفوز في كل الانتخابات القادمة، وحفظ التاريخ السوري أسماء الوفد المفاوض الذي غاب ستة أشهر كاملة وعاد بمعاهدة عرفت بمعاهدة 1936 التي ينص بندها الأول على استقلال سوريا وسيادتها.