استفتاء كوردستان بين الخلافات والاتفاقيات المتأصلة

تاريخ النشر: 10.03.2018 | 10:03 دمشق

آخر تحديث: 26.04.2018 | 12:22 دمشق

يحمل الكوردي في أحد جيوب سرواله التاريخي سلاحه وكتابه وإصراره على حقوقه، ويحمل في جيبه الآخر مرارة تجرع الانتكاسات، وعدم التئام ذاكرته المتخمة من الأوجاع الداخلية والمحلية قبل الخارجية. ويحتار بينهما وبين انعدام الراحة والاستقرار.

 صورة الخيانة الكوردية ستتكرر دوماً وأبداً لطالما بقيت الذهنيات والمشاريع الكوردية المتنافسة تُحّل عبر العنف واستخدام لغة التخوين. لن يقبل هؤلاء أن يكون أحفاد مسعود البارزاني قادات في كوردستان على الرغم من نضالهم وتضحياتهم وإرثهم النضالي المميز.

"نمطية التعاطي مع الأزمة بين هولير والسليمانية كان بمثابة الحاضنة المؤمنة للتمدد الإيراني خاصة في السليمانية"

النقيصة التي يحملونها دوماً، هي أنهم ينظرون إلى الاستقلال على أنها كوردستان البارزاني وحده. ومع إصرار الكوردي على وصف بغداد بالعاصمة المخترقة، صرف ذهنيته عن الاختراقات والخلافات الداخلية لديه.

نمطية التعاطي مع الأزمة بين هولير والسليمانية كان بمثابة الحاضنة المؤمنة للتمدد الإيراني خاصة في السليمانية. فاختراق البيت الداخلي الكوردي، واغتصاب السيادة الوطنية لإقليم كوردستان خارج نطاق التداول الدستوري مع عاصمة الدولة الاتحادية، عبر تعدد الجهات الكوردية المفاوضة مع بغداد، وتمكن أقلية الأصوات ضمن البرلمان من التأثير على المسلك الوظيفي، ومحاولة تعطيل البرلمان من قبل تلك القوى على الرغم من عدم تأمين الغالبية السياسية، وافتقارها إلى مفاعيل سلطوية، إلا أن تلك الممارسات أضحت العنوان الأبرز للتاريخ الكوردي الحديث.

 لجأ الكورد إلى أخطر حقّ عرفه تاريخ المنطقة، ومع نسبة ال93% إلا أن نظرة الشيعة للاستفتاء فاقت حجم مرارة ذاكرتهم بمجزرة الدجيل، لكن الأسوأ أن بعضاً من الكورد أعاد مجزرة حلبجة والأنفال بطريقة عصرية وأقل دموية وأكثر سلبية.

الخلافات الكوردية -الكوردية لم تكن بعيدة عن سبب الاستفتاء، ولم تكن نتائج الاستفتاء بعيدة عن قطع أي تدخل خارجي أو تواصل داخلي مع الخارج. فمن بين العوامل التي دفعت بالرئيس البارزاني للاستقتال دفاعاً عن الاستفتاء، إضافة إلى حق الكورد في امتلاك الدولة، وتثبيت مخرجات تضحيات البشمركة، ونضال الكورد منذ قرن، وانعدام الثقة بأي حكومة عراقية بعد تنكيسهم للوعود والاتفاقيات لمئات المرات، يُضاف إليه تضخم نفوذ بعض التيارات الحزبية، وابتلاعها القانون والشرعية والدستور متكئة على أحداث التسعينيات،

"من هي القوة الأكثر لزومية في امتصاص نقمتها وهوسها بالسلطة لدرجة هدر الدماء الكوردية بكل بساطة"

وسعي البارزاني نحو حصر الممارسات السياسية ضمن إطار شرعي متعلق بكيان سياسي جامع. واستحالة حلّ هذه المشكلة دون وجود إطار سياسي أشمل وأوسع من الفدرالية. قابل ذلك النظر إلى الاستفتاء على أنه استفتاء البارزاني وحده.

نتائج استفراد ثلة من المتنفذين بمصير شعب ووطن، قابله رغبة في تخطي عقبة النكسة في كركوك، وربما السؤال الأهم: من هي القوة الأكثر لزومية في امتصاص نقمتها وهوسها بالسلطة لدرجة هدر الدماء الكوردية بكل بساطة. ففي الخلاف/الكوردي –الكوردي/ والصراع/العربي –الكوردي/ على تاريخ كوردستان قبل وما بعد الاستفتاء، ثمة ما يدعو إلى تجاهل ولو مؤقت للأسس الجديدة للكيان الكوردي الذي شهد الاتفاقات التي سبقت وأعقبت تسليم مفاتيح كركوك.

 فثمة صراع بين حجم وطبيعة وتركيبة هذا الكيان الجغرافي الجديد، وهو ما أسهم في تأخير الاستقرار الكوردي منذ عقود، فمع اتفاق 32حزبا كورديا على إجراء الاستفتاء ، قابله اتفاقية مع العبادي كرمز للخلاف الكوردي المتجذر.

 وبين شد وجذب وإرخاء الحبل بين نيجرفان البارزاني وقباد الطالباني –كرمز لإمكانية التجاوز-  مع حكومة الأغلبية الشيعية في بغداد ، قابله نتائج اصطدام الشراكة الكوردية الجديدة مع حكومة دولة القانون وتحالف كتلتي/المالكي والعبادي/ مع طهران.

وفق ذلك فإن الكيان الجغرافي الجديد سيشهد تنقل الحدود مئات الكيلومترات بين ما يعرف بالمناطق المتنازع عليها، والمنافذ والمعابر الحدودية والمطارات. ومع تغير موازين القوى السياسية والاقتصادية وتبدل القوة الفاعلة في الجغرافية المتنقلة بين الأطراف المتصارعة، وعلاقات الطوائف المختلفة فيما بينها. ستظهر اتفاقات جديدة وتحالفات قد تغير نمطيتها السائدة منذ 2005.

وهو ما دفع ببعض التيارات السياسية الجديدة إلى تحريك الشارع الكوردي تحديداً في مدينة السُليمانية مستغلة حالة الضعف وتشتت البوصلة داخل دائرة اتخاذ القرار في الاتحاد الوطني الكورستاني؛ نتيجة الأوضاع الأخيرة وغياب كوسرت رسول عن الساحة لأسباب صحية، بروز تكتل سياسي مؤلف من حركة الجيل الجديد برئاسة ساشوار عبد الواحد، والتحالف من أجل الديمقراطية والعدالة برئاسة برهم صالح، والتوجه الجديد ضمن حركة التغيير، توضح الرغبة في تغيير المشهد السياسي الكوردي عبر الدفع بوجوه جديدة كانت قادة في تجمعاتها القديمة،

"جميع الأحزاب والتيارات التي تشتكي من قصة الفساد أو الوضع الاقتصادي، تحمل ازدواجية معايير في تعاملها مع الشارع الكوردي"،

أو شخصيات تدعي حملها لمفاهيم مغايرة لنمطية تعامل قسم من قيادات الاتحاد الوطني والديمقراطي الكوردستاني، سيدفع إلى التقاطع بين تلك الكتل السياسية الجديدة مع تحركات العبادي أو المالكي الساعي للجم تطلعات وتحركات الحزبين الرئيسيين، إضافة إلى الخلل والضعف المادي والإداري الذي تشهده السُليمانية خاصة وعدد من مناطق كوردستان.

جميع الأحزاب والتيارات التي تشتكي من قصة الفساد أو الوضع الاقتصادي، تحمل ازدواجية معايير في تعاملها مع الشارع الكوردي، فهي كانت شريكة في الحكم لمدة أربع سنوات، وتتحمل أي خلل تتهم الحكومة به، إضافة إلى اتهام الحكومة الكوردية بمشاكل تسببت بها حكومة المركز.

الإقليم متجه صوب تغيرات سياسية وتغيرات في موازين القوى خاصة ضمن السليمانية، وهو ما سيفصح عنه المؤتمر العام الرابع للاتحاد الوطني الكوردستاني، والانتخابات التشريعية والرئاسية في الإقليم من جهة ثانية.

 لكن الأهم: كيف ستتعامل هولير والسليمانية مع الحدث، ووفق أي الاتفاقات التي حصلت قبل وبعد ليلة تسليم كركوك. لكن الصمت المطبق للتيارات المتظاهرة اليوم، أمام سقوط كركوك، يدفع برهان البحث عن الرفاهية الاقتصادية كواجهة لرغبة السؤود السياسي وتفضيله على ردّ الاعتبار والأخذ بالحيف الواقع على الكورد في كركوك، يدفع به لصدارة المشهد السياسي والفكري والثقافي في كوردستان.

الاستفتاء تم وانتهى بنتائج عظيمة على المستوى الشعبي. ولم تتمكن رغبة تحويل الحلم الكوردي إلى حقيقة من تغيير النفسيات والأحلام الخاصة. ودون الاعتراف بالنكسة الحاصلة نتيجة قرارات فئوية تحمل همّ تلبية تطلعاتها عبر رضى الحكومات المغتصبة لكوردستان لا عبر النضال والكفاح المسلح والنضال السياسي. ودون مرحلة تقييم الذات ومراجعة ما دفع بتلك الزمر الفئوية لفعلتها، حتى لا تتحول إلى رموز خارج إطار ما أقدمت عليه. فإن الأمنيات لن تُعيد لنا قلب كورستان.

كلمات مفتاحية