استحقاق الظل

تاريخ النشر: 11.05.2018 | 00:05 دمشق

آخر تحديث: 15.05.2018 | 08:06 دمشق

البارحة ظهرًا صعدت إلى السّطح. وأنا مؤخرًا أصعد إلى السّطح يوميًّا وفي كلِّ الأوقات، حتى بعد أن يحلّ المساء وتحلّ عتمته. صعدتُه بواسطة السُّلم الخشبيّ الخارجيّ، وهي بالمناسبة ليست وسيلة آمنة مقارنة بطريقة صعودي السَّابقة على الدَّرج الدَّاخلي والذي أصبح متعذِّرًا في هذه المرحلة لأسباب إنشائيَّة وبنائيَّة وهي ذاتها الأسباب التي تستدعي صعودي اليومي إليه، وليس لأنشر الغسيل أو لأتأمّل المغيب وحتماً لا لأنتظر الشّروق كما قد يعتقد البعض.

المهم، أنِّي صعدت البارحة ظهرًا إلى السَّطح بواسطة السُّلم الخشبيّ الخارجيّ. وحملت معي بحذر إضافي لحذر الصُّعود، صينيَّة مربَّعة بيضاء مضلَّعة بخطوطٍ عريضةٍ ملوّنة وضعتُ عليها قبل أن أحملها وأصعد بها إبريق شايٍ صغيرٍ فضيّ اللون وكوبِ شايٍ زجاجيٍّ، علبة صغيرة فيها سكَّر وملعقة لسكب السُّكر ولتحريك الشاي، عنقود عنبٍ أصفر من عريشتنا التي تظلِّل جزءًا من حديقة منزلنا الخلفيَّة، قنينة ماء بلاستيكيَّة باردة، أربعة مربَّعات من قطع البسكويت تتألف كلٌّ منها من طبقتين محشوَّتين بالكريمة، وكرتونة عصير أناناس صغيرة الحجم وباردة أيضًا. وكنت قد تأكدت أنّ ما أضعه على الصينية يتضمّن عناصر غذائيّة خفيفة اعتبرتها مناسبة لاستراحة قصيرة في هذا الوقت وهذا الحر لعامل البناء الذي كان قد بدأ يذوب تدريجيًّا على السَّطح.

فإذًا، صعدت السَّطح بواسطة السّلم الخشبيّ الخارجيّ بحذرٍ شديدٍ ومعي صينيّة عليها ما يناسب استراحة قصيرة لعامل البناء في بعد ظهرٍ حارق قصيرة. ومع وصولي الحذِر عند آخر درجات السُّلم أحسست وكأني وصلت إلى مكان إقامة الشَّمس وأنَّها قامت بنفسها لتفتح لي الباب وتستقبلني، بل وتُمسك يدي لتنتشلني كي أصعد الدَّرجة الأصعب. الشَّمس بقسوتها ليست جديدة عليّ ولكن يبدو أنها كانت الأقسى البارحة. أردت أن أرمي الصَّينية عند قدميَّ على السَّطح وأُلقي بنفسى من عليه مقتنعة بأنَّ أيًّا ما كانت درجة الحرارة تحت هذا السطح ستحلُّ بردًا وسلامًا عليَّ، وستستقبلني كفراشٍ ناعمٍ، كسطحِ ماءٍ باردٍ في بركة سباحة. لكني لم أفعل. أوَّلًا لا يمكنني رمي الصينيَّة لأنَّه سيتوجَّب عليَّ بعدها لمَّها

وقفتُ في الظّل الذي احتله دون أن أقرر ذلك. شعرت بحقلٍ مغناطيسيٍّ يلُفَّني ويعطِّل حركتي أو رغبتي بالتَّحرك. كلّ ما أردَّته هو أن تدوم تلك اللحظة إلى الأبد. 

ولمَّ الزُّجاج المكسور ثم إعادة تحضيرها وصعود السُّلم والحذر. ثانيًا لأنَّه وإن كان ظلّ الشَّجرة حيث كنت قبل تحضير الصَّينية وحيث سأكون بعد النُّزول عن السطح  وحيث أكون كلَّ الوقت إلا أنَّه لا يمكنني أن ألقي بنفسي لأن ظلَّ الشَّجرة الذي يحميني من الشَّمس لن يحميني من الكسور ولأنَّ سطح ماء بركة السِّباحة البارد هو مجرد سراب. وثالثًا، لأنَّ الشَّاب الذي لم يتوقَّف عن العمل لَمحني، ولمع انعكاس إبريق الشَّاي الفضيّ في عينيه ولن أدعه ينتظر أكثر وإن كان لم يتوقَّف ليأخذ استراحته بعد أو لأخذ من يدي الصّينيّة.

ففي حين صعدت السَّطح بحذرٍ وحملتُ صينيَّة الشَّاي والبسكويت وعنقود عنب من عريشة حديقتنا الخلفيَّة وصعقتني أحرّ أشعّة شمسٍ، كان عامل البناء الذي لمحني أُحضر مشروبه المفضَّل كما فهمت  خلال الأيَّام السَّابقة، يقوم برصف أحجار الباطون، حجرٍ قرب الحجر، وحجرٍ فوق الحجر، داهناً بين الحجرِ والآخر طبقة من جبلة الباطون اللاحمة، ثم يبتعد خطوتين وهو يضع سيجارته بين شفتيه ليتأكَّد من استقامة ما أنجز من الحائط بعد قياسه بواسطة لعبته الصَّغيرة التي لا تسعفني ذاكرتي على حفظ اسمها والتي حاول العامل على مدار الأيّام السّابقة عبثاً أن يحفِّظني إياه. وها هو كرسَّام يراقب لوحته عن بعد ليقرِّر ضربة فرشاته المقبلة غير آبه بما صعقني لحظة وصولي درجة السلم الأخيرة. وكأنَّ أشعَّة الشَّمس التي تسقط عليّ تسقط عليه كشعاع قمر.  بحثت عن بقعة ما قرب حائط انتهى من بنائه واكتمل ظلَّه، اقتربت وانحنيت ووضعت الصَّينيَّة على حجر بناءٍ منفرد أمام الحائط الذي فرحت بظلّه أكثر مما فرحت باكتمال بنائه. وهو ما يزال يلعب بلعبته بعيدًا عن الظِّل الذي احتللته.

وقفتُ في الظّل الذي احتله دون أن أقرر ذلك. شعرت بحقلٍ مغناطيسيٍّ يلُفَّني ويعطِّل حركتي أو رغبتي بالتَّحرك. كلّ ما أردَّته هو أن تدوم تلك اللحظة إلى الأبد. أن أخبِّئ هذا الظِّل في جيبي وأُخرِج سلامَه كلَّما احتجتُه. كلّما أردت أن أستحِّق هذا الظِّل، أن يكون مكافئة الشجرة أو الحائط لي. لم أرد الظل. أردت أن أكون العامل الذي سينتظره الظِّل كما ينتظر هو الظِّل دون أن يشاطره إيَّاه أحد، دون أن يلتفّ ليقول شكرًا على شاي أحضره له أحد فيضطَّر أن يتشارك معه كل المتعة التي انتظر التَّفرد بها.

البارحة ظهرًا صعدت إلى السَّطح، وكان "راصد" يبني أحد حيطان غرفتي ذات الواجهة المطلَّة على البحرِ، تحت أشعَّة شمسِ أحر يومٍ في شهر تمُّوز. وأنا، وقفت في الظِّل وحسدته على السَّعادة التي سيشعر بها بعدما أهبط السُّلم بحذر لأجلس في ظلِّ أشجارها، وأتركه يرتشف مشروبه المفضَّل، ويأكل عنقود عنب عريشة حديقتنا الخلفيَّة وهو يجلس في الظلِّ الذي بناه لي... وقد يغفى قليلاً وهو يشعر أنَّه لا يريد أكثر من هذا طالما استحقَّه وطالما لا يشاركه به أحد.