استباحة القبح للعذوبة في "مسعود ولياليه العشر" لـ إيغار كنيفاتي

تاريخ النشر: 10.05.2021 | 15:06 دمشق

آخر تحديث: 10.05.2021 | 21:17 دمشق

ضاهر عيطة

في مجموعتها القصصية "مسعود ولياليه العشرة" تغوص الكاتبة "إيغار كنيفاتي" في عوالم غرائبية، تمتزج فيها حالات الرعب والقسوة، مع المرح والطيبة، على نحو يوشك أن يشكل صدمة تهز كياننا، حين نبصر ما حال بعالمنا من عطب. فهي تدخلنا في متاهات الحب والجنون والقسوة، عبر شخصيات، أقرب ما تكون في تكوينها، إلى عالم الطفولة، والناس البسطاء.

وأمكن لهذه الشخصيات أن تلمس تفاصيل من الحياة اليومية، على نحو لم نألفه من قبل، فها هو "مسعود"، الذي سميت المجموعة باسمه، ولياليه العشرة، يتجاوز عدد لياليه في عنوان المجموعة القصصية، لتغدو في متن النص عشرين ليلة. وقد عنونت الكاتبة إيغار كل مقطع في رحلته هذه، بمسميات محسوسة ومدركة "مسعود والتفاحة"، "مسعود والمطر"، "مسعود وأمه"، "مسعود وربطة الخبز"، "مسعود وقطعة الحلوة ".. إلخ.

عوالم الطفل مسعود

العناوين جميلة بمعظمها، وتحيل إلى طبيعة مسعود الطفولية، وإن كان حضور مسعود طاغيًا على الأحداث، فلا يعود ذلك إلى إرادة الفعل لديه، أو هيمنته على الحدث، بقدر ما ينبع من طاقة شفيفة تستقر في أعماقه. فهو وإن كان في عمر الرجولة، ويتمتع بقامة طويلة، وبنية قوية، نراه لصيقًا بأمه، تواقًا للعب قربها، أو دامع العينين بعيدًا عنها، وهو أيضًا، وإن كان لا يدرك فحوى هذا العالم، فمن خلال محاكمته للأشياء، وتفاعله مع الأحداث من حوله، يورطنا في محاكاة لم نألفها من قبل، لكونها لا تتقاطع مع ما كنا قد اعتدنا عليه، وما خبرناه من تجارب وأحقاد، تركناها تتراكم في أعماق ذواتنا حتى ضجرت أعمارنا منا، في حين يبدو مسعود وكأنه كل يوم يولد من جديد، ولا خبرة لديه، إلا في اللعب، ومذاق التفاح، أو قطع الحلوة وغيرها، إضافة إلى تعلقه المفرط بوالدته.

و فجأة يباغت عالمه الطفولي الصواريخ وأزيز الرصاص، وقد ظن أن مشاهد قطع الرؤوس التي راحت تنتشر في الشوارع، ما هي إلا لعبة مسلية، صحيح أنه لم يستسغها، لكنه اضطر للعبها، وأقدم على قطع رأس أحدهم. وعندما بدأ أنين أمعائه الجائعة يجلده بقسوة، لم يكن من خيار أمامه، إلا أن يكابر على ذلك، خشية أن تستيقظ أمه، فلا تجد ما تطعمه إياه، وهي التي لا تقل جوعًا عنه.

 وحين ترمي صواريخ الأسد بمسعود في متاهة الضياع والتشرد والخيام، يجد نفسه دون أمه؛ كيف ماتت وتركته هو لا يعرف، ولا يجرؤ أن يسأل عنها جارتهم "فريزة"، إذ إن السؤال عنها، دائمًا ما يستدعي نزيف دمع فريزة، ولئلا يسبب لها البكاء، يضطر إلى كبح جماح سؤاله ليتوجع بصمت.

 وفي لقطة "مسعود والخيمة"  يتوارى عن حياته جميع من كان يعرفهم، والخيمة تضيق بحجمه، وما إن يضع حجراً تحت رأسه كوسادة، حتى يسمع صوت أمه منبعثًا منه، فيمد يده ليلامسها، لكن سرعان ما تتجمد يده، وتلتصق بالحجر من شدة البرد ولا شيء آخر.

طعام الجياع الافتراضي                                                 

وفي فصل آخر من فصول المجموعة القصصية، والمعنون "إحدى عشرة ليلة باردة لهم"، وفي مقطع "كرامة"، لا تكاد العوالم المريبة والغرائبية تختلف عن تلك التي عشناها مع مسعود، فها هو الأب يحاول البحث عن طعام لأطفاله، غير أن محاولته تبوء بالفشل، فتستحيل عناصر الكون، القمر والنجوم والشجر.. مشانق تطبق على أنفاسه، ولا يبقى أمامه من خيار، إلا البحث عن الأفكار، كوجبة عشاء، ومن حسن الحظ أنه يعثر على الكثير منها، فيمضي إلى البيت، فرحًا منتشيًا. ينادي زوجته بحماس، وبدورها تنادي أطفالها، كي يتناولوا طعامهم من وجبة الأفكار التي جلبها الأب معه، ولكن المشكلة الوحيدة، بالنسبة للأم، تكمن في عدم توفر الخبر، فيطمئنها الأب أن التهام الأفكار لا يحتاج للخبز. وهكذا يحضر الأطفال إلى المائدة وهم جوعى، وحين يكتشفون أن طعامهم ليس إلا وجبة من الأفكار، يضطرون لالتهام لحم والدهم، وذلك بناء على وصية كان قد علمهم إياها، ومفادها: "من لا كرامة له لا يستحق الحياة". 

الحبيب الصرصار                                                         

وعلى هذا النحو، كل تفصيل تأتي عليه الكاتبة، يحيل المتخيل الغرائبي إلى مادة حياتية تطحن أرواح البشر. حتى وهي تحاكي الحب، تكشف عما حل به في ظل عالم أضحى عبثيًا، فها هو حسن في لقطة "منى" يعتريه الشوق للقاء حبيبته منى، فلا يجد من حيلة إلا أن يتحول إلى صرصار. وحين يتحقق له ذلك، ويحل ضيفًا في غرفتها، تصرخ منى هلعة، وتطلب النجدة من شقيقها، الذي حبسها في تلك الغرفة، لكن حين يكتشف الشقيق أن كل هذا الصراخ والعويل ناتج عن خوفها من صرصار، يسخر منها، ويتركها في الغرفة مع الصرصار، كعقوبة لها، وهنا لا يجد الصرصار أمام هذا الاستحقار لكيانه من قبل حبيبته منى، إلا أن يتسلل خارجًا، وقد ذاق طعم الخذلان والاحتقار.

تحرّش

وفي لقطة "القطار" نلمح ثلاث فتيات، يتمشين على أطراف سكة القطار، وهن سارحات مطمئنات، يستنشقن عبق الورود مع عود فصل الربيع، لكن فجأة تداهمهن مجموعة صبية صغار راحوا يتحرشون بهن بعبارات وتصرفات مستفزة، فتبدي الفتيات استغرابهن من هذه الطريقة التي يتعامل بها الصبية معهن، وحين أردن وضع حدّ لهم، يتحولن في اليوم الثاني إلى جثث مرمية على أطراف سكة القطار.

التحوّل                                                                     

تلك هي الصور العذبة التي ترسمها إيغار، لكن سرعان ما تمزقها البشاعة، وتشوه رونقها، كما في لقطة "قطة" حيث عباس ينهشه الجوع، وما إن جاء بصحن الطعام ليأكل منه، حتى تسارع قطة سوداء فتلتهم ما بداخله، ليشفق عليها عباس ويتركها تشبع جوعها، الذي ربما كان أكبر من جوعه. وما إن يمضي للنوم، تحايلًا على  جوعه، تسبقه القطة إلى السرير، وقد تحولت إلى فتاة ساحرة الجمال، اضطجعت على سريره، وهو الذي كان يترقب مثل هذه الحلم، غير أن صراخ أمعائه أحاله إلى وحش، فلا يجد إلا أن يقدم على قتل الفتاة، ويلتهم لحمها.

"لحم أخيه ميتاً"..

أما في قصة "الإخوة" حيث الأم مستغرقة في أعمالها المنزلية، كمعظم الأمهات، والأب مضطجع على السرير، وعلى مرأى منهما يخرج الإخوة من المنزل ومعهم سكاكينهم، ليعودوا بعد قليل وقد غنموا أعضاء بشرية ملفوفة في كيس؛ يد مقطوعة تزينها أساور ذهبية، وقدم فيها خاتم ثمين. فتستقبل الأم ما أحضر أولادها بفرح عارم، وتتهيأ لتعد لهم وجبة من هذا الطعام الشهي.    

تفاحة           

هذه هي العوالم التي تشتغل عليها إيغار، وقد أدماها الحصار والتجويع، وهدير الطائرات والصواريخ، التي باغت بها الأسد حياة السوريين، وأحال حياتهم جحيمًا، لا يملكون معه، إلا أن يبدوا عدم مبالاتهم. ففي قصة "بائع التفاح" يتعامل البائع  مع "نادرة" بعدائية، ربما لفقرها، ويمتنع عن بيعها التفاح، وما إن مضت في طريقها، وقد سرت في أعماقها حرقة الإهانة، حتى سمعت صوت رصاصة، فتلفتت وإذا بجثة بائع التفاح مكومة فوق بسطته، غير أنها تبدي عدم اكتراثها، وتتجه إلى حيث تناثرت حبات التفاح، لتلتهمها وهي فرحة بصيدها.

وفي قصة "الحب في المقبرة" لم يجد ياسر ومنيرة، مكان يلتقيان فيه إلا المقبرة، وهناك يعرض عليها ياسر رغيف خبز، مقابل أن تغني له، لكن بغتة يخرج عليهم ناطور المقبرة، وقد راح يوسعهما ضربًا بعصاه، حتى تفجّر الدم منهما وبلل رغيف الخبز، وقد استحال الغناء إلى جثة هامدة قربهما.