شهدت ساحة الساعة الجديدة في مدينة حمص مساء أمس احتفالية شعبية ضخمة، توافد إليها الآلاف من المواطنين لإحياء ذكرى التحرير وانتصار الثورة السورية. وتحوّلت ساحة عاصمة الثورة إلى مساحة تعج بالحشود التي جاءت من مختلف أحياء المدينة ومحيطها ومن خارجها، في مشهد وصفه كثيرون بأنه استثنائي وغير مسبوق منذ سنوات طويلة.
أعرب الفنان وصفي معصراني عن مشاعره تجاه المناسبة قائلاً إن المشهد يبدو “مثل الحلم”، خصوصاً عند استحضار صور البيوت المدمرة والمآسي التي مر بها السوريون خلال سنوات الثورة السورية.
وأضاف لموقع تلفزيون سوريا: “من يعرف نظام الأسد يعلم أنه قضى خمسين عاماً يرهب الشعب. كان كثيرون يظنون أن رحيله محض خيال، لكن الشباب استطاعوا إسقاطه واستعادة البلد. اليوم الناس تحتفل بإرادتها الحرة، بعدما كانت المشاركة تُفرض عليهم قسراً سابقاً تحت تهديد فقدان وظائفهم. الآن أصبح لدينا دولة نخاف عليها لا نخاف منها.”
ومن بين الحاضرين أيضاً صانع المحتوى عبد الرحمن المصيري، الذي أكد أنه جاء من السعودية خصيصاً للمشاركة في هذه المناسبة. وقال لموقع تلفزيون سوريا: "وجودي هنا واجب، يوم التحرير هو يوم لكل السوريين، بل ولكثير من السعوديين أيضاً. أفراحكم هي أفراحنا، وعندما سقط النظام شعرنا بفرحتكم نفسها. أتمنى استمرار الأفراح وعودة العز وأن تصل سوريا إلى المكان الذي تستحقه."
عشرون عاماً من الغربة.. وعودة لم تكن متوقعة
بدورها روت فاطمة، وهي إحدى المشاركات في الاحتفال، تفاصيل مؤثرة عن رحلتها إلى حمص لحضور هذه الذكرى. وقالت إنها كانت في تركيا عندما سقط النظام: “نحتفل اليوم بأجمل ذكرى. بعد عشرين عاماً من الغربة أعود لأعيش هذه اللحظات. لم أنم منذ ليلة أمس، نحن في الشوارع منذ ساعات طويلة. لم أصدق عودتي إلى سوريا حتى رأيت الساعة الجديدة بأم عيني.. كان حلماً. عدت وحدي، لا أعرف أحداً هنا، ولا حتى الشوارع.
وأضافت لموقع تلفزيون سوريا: "عملنا في الخارج كثيراً وكنا نتابع كل شيء من بعيد، وعشنا لحظة التحرير هناك بوجع الغياب. أجلت تذكرة السفر مرتين رغم ارتباطي بالعمل، فقط لأكون هنا. الآن نسمع مطالبات الناس بالعدالة والاقتصاص من الأسد الهارب، وهذا بحد ذاته يوم وطني جديد. أتمنى أن يعيش السوريون بكرامة وحرية وأن يعود العمران إلى كل البلاد."
أعداد هائلة وحالات إغماء
وقال عبد الرحمن، أحد الحاضرين، إن الانتظار للاحتفال بدأ منذ يوم الخميس وسط حالة ترقب كبيرة، إلا أن ضخامة الحشود تسببت بإصابات وإغماءات نتيجة التدافع، حيث اجتمع الناس بين جامع خالد بن الوليد وساحة الساعة الجديدة. وأضاف لموقع تلفزيون سوريا أن بعض الأهالي لم يلتزموا بالإرشادات التي وضعها المنظمون، كما سُجلت حالات ضياع للأطفال وسط الزحام. ووفقاً لتقديره، فإن العدد الذي حضر الاحتفال “قد يصل إلى مليون شخص”، وهو أكبر بكثير مما توقعته الجهات المنظمة
كلمة الرئيس ومقتطفات من برنامج الحفل
وخلال الاحتفالية، وجّه الرئيس السوري أحمد الشرع كلمة عبر اتصال فيديو عبّر فيها عن تقديره الكبير لأهالي حمص وتميّز احتفالاتهم، مؤكداً مكانة المدينة ودورها البارز.
كما تضمّن الحفل عرض فيلم توثيقي استعرض مسار الثورة السورية، بدءاً من المطالب الشعبية بالحرية، مروراً بالمعاناة التي عاشها السوريون داخل البلاد وفي مخيمات اللجوء، وصولاً إلى بطولات معركة "ردع العدوان" التي أسقطت النظام المخلوع وأدّت إلى التحرير وأعادت الأمل للسوريين خلال 11 يوما فقط.
وشهدت الاحتفالية أيضاً فقرة للأناشيد الوطنية بمشاركة الفنان وصفي المعصراني، في حين رفع المشاركون العلم الوطني ورددوا الهتافات التي تجسّد إرادة الشعب وتمسكه بوحدة الأراضي السورية وبسيادة الدولة، بالإضافة إلى وفائهم لتضحيات الشهداء والتزامهم بمسار إعادة الإعمار والبناء.
ألعاب نارية تضيء السماء
وطوال الاحتفالية كان هناك عرض واسع للألعاب النارية انطلق من داخل الساحة ومن أسطح المباني المحيطة، مما أضفى على المناسبة أجواء احتفالية مميّزة زادت من فرحة الحضور، وكرست طابع الحدث كواحد من أكبر التجمعات الشعبية التي شهدتها المدينة بعد التحرير.
ومع امتلاء شوارع حمص وساحاتها بالحشود الممتدة من جامع خالد بن الوليد إلى ساحة الساعة الجديدة، تبيّن أن هذه اللحظة تتجاوز حدود الاحتفال، لتغدو محطة راسخة في الذاكرة السورية لعاصمة الثورة. خرج السوريون رافعين أعلامهم وحاملين أحلامهم، مستحضرين المفقودين والمهجّرين، حيث امتزجت الدموع بإحساس عميق باستعادة الحرية. وفي هذا المشهد، بدت حمص متماسكة، عصيّة على الفتن، تنبض بالقوة والأمل، وتحلم بمستقبل أكثر إشراقاً لأبنائها.



