تشكل مسألة البحث عن فرصة عمل حاجة ملحة للشباب السوريين أمام ندرة الفرص وكثرة الطلب عليها، خاصة مع تدني مستوى الدخل لمعظم الأسر السورية.
يشكل سقوط نظام الأسد المخلوع والتحولات السياسية والاقتصادية التي تمر بها سوريا مرحلة مفصلية، تفرض تحديات على سوق العمل وفق مراقبين.
وخلق الانتقال من مرحلة اقتصاد الحرب إلى مرحلة جديدة مليئة بالوعود الحكومية بالذهاب نحو الاقتصاد الحر والخصخصة، حالة من الإرباك في سوق العمل بانتظار نتائج المخاض الاقتصادي، مما دفع إلى توقف بعض الأعمال المحلية وبروز أخرى، الأمر الذي يتطلب استراتيجية حكومية واضحة.
في غضون ذلك، تزداد معدلات البطالة ومن أسبابها تراجع سوق العمل وعودة المهجرين والاعتماد على الأعمال الموسمية وتوجه الشباب إلى القطاع الخاص وتراجع واقع الوظيفة العامة.
فرص مؤقتة
تجد غيداء محمود (38 عاماً) باقتراب موسم الأعياد فرصة للحصول على عمل في محل بيع الألبسة في سوق الحمرا الشهير وسط دمشق.
وتقول غيداء: أُفضّل العمل الموسمي على الجلوس في البيت، وانتظار فرصة تناسب تخصصي الدراسي.
بدوره، يرى سائر العلي (45 عاماً) صاحب أحد المحال في سوق الصالحية الدمشقي أن طلب عمال في مواسم الأعياد يلبي حاجة مؤقتة لأرباب العمل، وخاصة في مجال بيع الألبسة والمحال التجارية التي تنشط في مواسم معينة من السنة.
ويزداد الطلب على العمالة المؤقتة من المحال التجارية في مواسم الأعياد، مقابل مبالغ مالية لا تتناسب مع حجم العمل المطلوب منهم في هذه الفترة من السنة، ولكنها لا تخفف من وطأة البطالة.
عائدون يبحثون عن عمل
مصطفى دعبول، شاب سوري عشريني عاد حديثا من تركيا، يؤكد تراجع مستوى المعيشة له ولعائلته، وصعوبة الحصول على عمل يتلاءم مع خبراته المكتسبة في بلاد اللجوء، وعدم إمكانية القيام بأي نشاط تجاري في منطقته المدمرة بحي القابون.
ويشارك محمد السليمان، العائد من لبنان، معاناة مصطفى في الحصول على فرصة تناسب خبراته في مجال التجارة، وصعوبة تأمين عمل خاص له، واعتماده نمط العمل اليومي (الأجر بالساعة) بسوق "الحريقة" لتأمين احتياجاته.
وفي أيار/مايو الجاري، أعلنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن عدد السوريين العائدين إلى بلادهم بلغ نصف مليون، منذ سقوط النظام البائد، واصفة ما يواجههم بالتحديات الهائلة.
واعتبرت مسؤولة الحماية في مكتب المفوضية في سوريا، لجين حسن، أن سنوات الصراع والأزمات دمرت الاقتصاد السوري، وتركت المنازل والبنية التحتية في حالة من الخراب.
تبدلات المشهد الاقتصادي
يرى خبير الموارد البشرية الدكتور هاني حداد من دمشق وجود حالة من عدم اليقين الاقتصادي نتيجة للتطورات الاقتصادية في البلاد، وعزوف كثير من أصحاب المعامل والورشات عن العمل.
ووفقا لحداد، فإن رفع العقوبات المفروضة على سوريا يحمل بشائر وانفراجات لدخول استثمارات كبيرة إلى البلاد، تؤدي لاستقطاب عدد كبير من الشباب في سوق العمل.
ويعوّل حداد على التحسن الكبير في قطاعات الدولة عموما والقطاعات الخاصة بتهيئة الفرص، لحين التمكن من فهم آليات العمل الجديدة، التي تسعى الدولة إلى تحقيقها لحل مشكلة البطالة.
نسب البطالة
كشف تقرير المكتب المركزي للإحصاء، العام الماضي، الصادر بناء على مسح قوة العمل لعام 2022، أن قوة العمل في سوريا خلال العام نفسه بلغت 5.964.458 شخصاً، ما يعادل 26٪ من إجمالي عدد السكان، (الذي قدر وفق المكتب بـ 23.2 مليون نسمة)، وبنسبة تراجع بلغت 9٪ عن عام 2010، التي كانت 6.5 ملايين شخص.
في حين شهد عدد العاملين في القطاع الحكومي عام 2022 زيادة طفيفة، حيث بلغ عدد العاملين في هذا القطاع 1.447.895 شخصاً، أي بزيادة قدرها 6.46% عن عام 2010.
ولكن المعاشات الحكومية لم تكن تسد الرمق ولا تحقق الحد الأدنى من المعيشة، لذلك يميل الشباب إلى القطاع الخاص الذي لا يزال محدوداً ومرتبكاً بانتظار دخول الاستثمارات.
تجدر الإشارة إلى غياب إحصائيات رسمية جديدة بعد إسقاط النظام المخلوع، منذ نهاية العام الماضي، ولكن جميع المعطيات تشير إلى أن سوق العمل في حالة من الترقب والانتظار وكثير من الآمال.
واقع الوظيفة الحكومية
في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، تشهد المؤسسات الحكومية تراجعا في الإقبال نظرا لانخفاض الراتب في ظل غلاء المعيشة.
ترى علياء النقري موظفة حكومية من دمشق، بأن ضعف الإقبال هو لعدم تناسب الراتب مع متطلبات المعيشة للأسر السورية عامة، وتحول معظمها إلى العمل بقطاعات خاصة متنوعة.
ويشارك الموظف الأربعيني رضا النعسان من دمشق علياء المعاناة ذاتها، ما دفعه للبحث عن فرصة عمل في القطاع الخاص ضمن شروط عمل محددة وتتطلب خبرات كثيرة.
ويعاني الموظفون في القطاع العام من تأخير تسلُّم رواتبهم، وعدم القدرة على سحب الراتب كاملا وحبس السيولة بالمصارف، ما أدى إلى تخفيض حجم الإنتاج ونشاطه.
عدم وضوح القوانين
تؤكد الباحثة الاقتصادية رشا سيروب من دمشق في حديثها لموقع تلفزيون سوريا أهمية معالجة القوانين في خلق بيئة عمل لدى مستثمري الداخل، من خلال طمأنة المستثمرين ورجال الأعمال، ممن يعملون بالحدود الدنيا وتحفيزهم لزيادة نشاطهم.
في حين، يرى خبير الموارد البشرية هاني حداد أن تأمين بيئة العمل هو مسؤولية الدولة والقطاع الخاص، مع تحقيق المساواة بين العاملين بالرواتب في مرحلة بناء الدولة، وتقديم الدعم للعائدين من اللجوء وتحريك رؤوس الأموال لديهم بتعديل قوانين العمل.
تشير الباحثة الاقتصادية سيروب إلى أن عودة أكثر من 400 ألف مهجر ومغترب من الشتات، ومليون نازح إلى مناطقهم، لم يكونوا ضمن الإحصائيات الرسمية، ما أدى إلى تضخم وزيادة معدلات البطالة بالبلاد.
وتقترح سيروب دمج العائدين بسوق العمل عبر تقديم التعليم والتدريب والتأهيل لهم، لمزاولة مهنة ما تعود بالنفع عليهم، والعمل على رفع القدرة الشرائية للمواطن.
ما هي الحلول؟
في ظل الواقع الجديد، تشكل إعادة بناء البنية التحتية المدمرة والخدمات الأساسية فرصة كبيرة لاستيعاب أكبر قدر ممكن من العمالة وتحريك عجلة التوظيف خلال السنوات المقبلة برأي الباحث اقتصادي في مركز عمران للدراسات مناف قومان.
ويؤكد قومان في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن الأولوية اليوم هي خلق بيئة استثمارية جاذبة، وتقديم التسهيلات والحوافز للمستثمرين المحليين والدوليين، ودعم القطاعات الإنتاجية مثل: الزراعة والصناعة، عبر توفير التمويل والموارد وتحسين التسويق.
ويدعو قومان إلى التركيز على التعليم والتدريب المهني لتأهيل الشباب بمهارات تلبي احتياجات سوق العمل، مع تطوير الصناعات اليدوية والحرفية والتكنولوجية والأعمال الصغيرة والمتوسطة ودعمها بما هو مطلوب.
خطوات حكومية
أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عن إعادة تفعيل منصة سوق العمل، في إطار جهودها الرامية إلى تعزيز فرص التشغيل، وتطوير سوق العمل.
تهدف المنصة لمساعدة أصحاب العمل في الوصول إلى الكفاءات، والمهارات المناسبة لملء الشواغر المتوفرة، وتحقيق المطابقة الفعّالة بين الباحثين عن فرص عمل وأرباب العمل.
وأكدت الوزارة التزامها بدعم استراتيجيات التشغيل، وتعزيز الشراكة مع القطاعين العام والخاص، بما يحقق التنمية المستدامة، ويخدم تطلعات الشباب السوري.