أوضح معاون وزير التعليم العالي والبحث العلمي لشؤون الطلاب والجامعات العامة، الدكتور عبد الحميد الخالد، لموقع تلفزيون سوريا، أنّ ارتفاع معدلات القبول في برامج التعليم المفتوح هذا العام يعود إلى سياسة الاستيعاب المعتمدة، وإلى الطاقة الامتحانية المتاحة في الجامعات، مؤكداً أنّ باب التسجيل في التعليم المفتوح أُغلق بعد انتهاء المدة المحددة رسمياً، ولا توجد في الوقت الراهن أي خيارات بديلة للطلبة الذين لم يتمكنوا من التقدّم أو القبول ضمن هذه البرامج.
وفقد آلاف الطلّاب المتقدّمين إلى مفاضلة التعليم المفتوح هذا العام ما تبقّى من أمل بإعلان مفاضلة ثانية بمعدّلات أقل من تلك التي أُقرّت في المفاضلة الأولى، بعد أن جاءت النتائج صادمة وغير مسبوقة، إذ تجاوزت معدّلات القبول في بعض اختصاصات التعليم المفتوح معدّلات القبول في كليات الطب البشري في الجامعات الحكوميّة النظاميّة، وهو ما أثار موجة واسعة من الاستياء والتساؤلات حول المعايير المعتمدة، والغاية الفعليّة من هذا النمط التعليمي الذي أُنشئ أساسًا لاستيعاب الطلبة المقبلين على التعليم العالي.
معدّلات صادمة
بحسب النتائج المعلنة، ارتفعت معدّلات القبول في اختصاصات مثل العلوم السياسيّة 92 بالمئة، والحقوق والإعلام 80 بالمئة، وتلك معدّلات غير مسبوقة في نظام التعليم المفتوح، متجاوزة في بعض الحالات ما يعادل أو يفوق معدّلات القبول في كليات تُعدّ من الأكثر تنافسية في الجامعات النظاميّة.
تلك المعدّلات وضعت التعليم المفتوح في مفارقة لافتة، إذ تحوّل من خيار بديل للطلبة الذين لم تسعفهم معدّلاتهم لدخول التعليم النظامي، إلى خيار نخبوي لا يقلّ صعوبة في الوصول إليه.
يقول المتقدّم لمفاضلة التعليم المفتوح، عبود الريّاش، لموقع تلفزيون سوريا، كنت أعلم أن معدّلي لا يؤهّلني للتعليم النظامي، لكنني اعتمدت على التعليم المفتوح كخيار بديل، لكت بسبب المعدّلات المرتفعة أصبحت خارج أي خيار تعليمي، ويضيف أنّ رفع المعدّلات بهذه الطريقة لا يراعي واقع الطلاب ولا الظروف الاستثنائية التي نعيشها.
خيبة أمل
عدد كبير من الطلّاب كانوا يعوّلون على صدور مفاضلة ملئ الشواغر بمعدّلات أقل، لتتاح لهم فرصة الالتحاق بالتعليم المفتوح، ولا سيما أولئك الذين حالت ظروفهم المعيشيّة أو التزاماتهم الوظيفيّة أو عدم تمكّنهم من متابعة تعليمهم بسبب التحاقهم بالثورة السوريّة دون متابعة التعليم النظامي، إلا أنّ مرور الوقت دون أي مؤشّرات رسميّة عن نيّة إصدار مفاضلة ثانية، عمّق حالة الإحباط، وكرّس شعورًا عامًا بأن الفرصة باتت شبه مستحيلة هذا العام.
تقول لين جمال التي لم يتم أي رغبة لها في مفاضلة التعليم المفتوح "حصلت على معدّل جيّد يؤهّلني لدخول التعليم المفتوح وفق معدّلات السنوات الماضية، لكنني فوجئت بأن معدّلي لا يكفي حتى للقبول في اختصاصات لم تكن تتطلّب سابقًا أكثر من معدّل متوسط" وتضيف أنّ غياب أي توضيح رسمي حول أسباب رفع المعدّلات أو احتمالية مفاضلة ثانية يزيد من حالة الضياع لدى الطلبة.
من حلّ اجتماعي إلى أزمة
أُنشئ نظام التعليم المفتوح في سوريا كحل اجتماعي وتعليمي يستهدف شرائح واسعة من المجتمع، من موظفين وعمال وربّات أسر، ويمنحهم فرصة استكمال تعليمهم الجامعي دون التفرّغ الكامل، إلا أنّ الارتفاع الكبير في معدّلات القبول، يضع إشارات استفهام حول ما إذا كان هذا النظام التعليمي لا يزار يقدّم الوظيفة التي أنشئ من أجلها أم أنّه انزلق نحو نموذج ضغط على الطالب لا يختلف كثيرًا عن التعليم النظامي.
يقول موظّف في جامعة الفرات، لموقع تلفزيون سوريا، إن رفع معدّلات القبول بهذا الشكل قد يكون مرتبطًا بعدّة عوامل، من بينها تقليص عدد المقاعد المتاحة، أو ازدياد أعداد المتقدّمين مقارنة بالسنوات السابقة، فضلًا عن غياب التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد لملف التعليم المفتوح، بما يراعي التحوّلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والديموغرافيّة التي حدثت بعد إسقاط النظام المخلوع.
شفافية غائبة وانعكاسات اجتماعية
في ظل تلك الصدمة التي تلقّاها المتقدّمون إلى مفاضلة التعليم المفتوح، فإنّ وزارة التعليم العالي مطالبة بتوضيح الأسس التي بُنيت عليها مفاضلة هذا العام، ولا سيما في ظلّ التباين الكبير بينها وبين مفاضلات سابقة، لا سيما أنّ مقارنة التعليم المفتوح، من حيث المعدّلات، بالتعليم النظامي، لا تعكس عدالة أو واقعيّة، حيث تختلف طبيعة الدراسة، وعدد الساعات، ومتطلّبات الحضور.
يشير أحد الأكاديميين خلال حديث إلى موقع تلفزيون سوريا أنّ رفع المعدّلات دون توسيع الطاقة الاستيعابيّة أو تطوير البنية التعليميّة للتعليم المفتوح، سيحوّل هذا النظام إلى عبء إضافي بدل أن يكون صمام أمان اجتماعي، فالمشكلة لا تكمن فقط في الأرقام، بل في غياب رؤية واضحة لدور التعليم المفتوح ضمن منظومة التعليم العالي.
من جهته، يقول مدير منظّمة الحياة، نواف الصادق، لموقع تلفزيون سوريا، إنّ تداعيات هذه المفاضلة لا تتوقّف عند حدود التعليم فحسب، بل تمتدّ إلى أبعاد اجتماعيّة واقتصاديّة أوسع، فحرمان شريحة كبيرة من الشباب من فرصة التعليم الجامعي، ولو بنمط التعليم المفتوح، يعني تضييق آفاقهم المهنيّة مستقبلًا، في سوق عمل يعاني أصلًا من محدوديّة الفرص وارتفاع معدّلات البطالة.
ويضيف أنّ كثيراً من المتقدّمين هم من العاملين الذين يسعون إلى تحسين أوضاعهم الوظيفيّة عبر الحصول على شهادة جامعيّة، أو الطلبة الذين فقدوا فرص التعليم بسبب انخراطهم في الثورة السوريّة، وهو ما يجعل من استبعادهم استهداف مباشر لمحاولاتهم الفرديّة للارتقاء الاجتماعي في ظلّ ظروف اقتصاديّة صعبة.
رد رسمي
من جهته أكّد معاون وزير التعليم العالي، الدكتور عبد الحميل الخالد، أنّ معدلات القبول كانت مرتفعة نسبياً هذا العام، موضحاً أنّ تحديد الأعداد يتم بناءً على مقترحات الجامعات والكليات المعنية، ولا سيما أنّ امتحانات التعليم المفتوح تُجرى حضورياً وتتطلب مدرجات وقاعات امتحانية، ما يفرض قيوداً على أعداد المقبولين.
وأشار إلى أنّ الوزارة تأخذ في الاعتبار آراء رؤساء الجامعات وعمداء الكليات عند تحديد الاستيعاب، لافتاً إلى أنّ برامج التعليم المفتوح تختلف من جامعة إلى أخرى من حيث الاختصاصات المتاحة، وغالبها اختصاصات نظرية.
وأكد أنّه لا توجد حالياً أي إجراءات جديدة أو حلول مطروحة في الأفق القريب، سواء في التعليم المفتوح أو التعليم الموازي، مشيراً إلى أنّ الموضوع سيُطرح للنقاش خلال جلسة مجلس التعليم العالي المقررة في الحادي والثلاثين من الشهر الجاري، والتي تضم رؤساء الجامعات الحكومية وبعض الجامعات الخاصة.
وتعكس مفاضلة التعليم المفتوح هذا العام أزمة أكبر من مجرّد أرقام مرتفعة، إذ تسلّط الضوء على مشكلات بنيويّة في سياسات التعليم العالي، وتطرح تساؤلات حول دور الدولة في ضمان حقّ التعليم كحقّ اجتماعي لا امتياز نخبوي، وبين خيبة أمل الطلبة وعدم وجود حلول لتفادي المشكلات الناجمة عن ارتفاع المعدّلات، يبقى التعليم المفتوح أمام مفترق طرق، إمّا العودة إلى هدفه الأساسي كخيار جامع ومرن، أو الاستمرار في تكريس الإقصاء وتفاقم الفجوة التعليميّة في المجتمع.