ارتباك ثوري

ارتباك ثوري

الصورة
09 آذار 2019

الارتباك في اللغة هو الاختلاط والتشوش، وارتبك الشَّخصُ في أمرٍ معين: تحيَّر واضطرب وتداخلت عليه الأمور.

وأعتقد أن هذه الكلمة هي أكثر ما يناسب للتعبير بشكلٍ دقيق عن أحوالنا وتقلباتها، في ظل انكفاء الثورة السورية.

خلال السنوات الماضية تعرفتُ على الكثير من المعارضين القريبين والبعيدين، وصرتُ أطرح على نفسي تساؤلات عديدة مستغرباً حالنا وتصرفاتنا، والقناعات الغريبة التي وصلنا لها، أو التي اكتشفنا وجودها داخلنا، قناعات تتنافى مع المنطق ومع الحس الإنساني دائماً.

كيف يمكن أن نفهم هذه التناقضات، مثلاً، إنسان معارض لنظام الأسد، لكنه مؤيد لصدام حسين! وكيف نقتنع بمتظاهرة ضد بوتفليقة في ساحات الجزائر، لكنها تزور الديكتاتور الأسد! وكيف يمكن أن نفهم شخصا آخر يعارض الأسد لكنه يحب القذافي؟! أو ذلك الذي يعارض صدام حسين ولكنه مع الأسد؟

لعل ما سبق أبرز الأمثلة التي تدل على ارتباك ثوري، لطالما عانى منه المعارضون العرب، على صعيد الناس العاديين والنخبة أيضاً. 

وغالباً، مثل هذه المواقف الثورية لأولئك المعارضين، لم تستطع على الرغم من شجاعتها في معارضتها لأنظمتها من أن تشمل الآخر بنفس طموحاتها وأحلامها، ويبدو أنها على الرغم من معاناتها من أنظمتها، إلا أنها حصرت معاناتها بنظامها فقط، مستخفة بمعاناة الآخر من نظام آخر، ويبدو أن مثل هذه المعارضات رغم جرأتها على أنظمتها، لكنها لم تستطع التخلص من أرضيتها الدينية أو القومية أو الطائفية.

ويبدو أن مثل هذه المعارضات رغم جرأتها على أنظمتها، لكنها لم تستطع التخلص من أرضيتها الدينية أو القومية أو الطائفية

هذا ما يمكن أن نسميه ارتباكاً ثورياً، يسيء بالدرجة الأولى لصاحبه، فما يحلم به لنفسه يحرم الآخرين منه، وحلمه بالحرية هو حلم لا يتجاوز حدود دينه أو طائفته أو منطقته، وعدم محاولة فهم الآخر على مبدأ إنساني عام فحواه: الحياة الكريمة للإنسان، أياً كان وأينما كان.

هذه الارتباكات والتناقضات غير المبررة تشكل عائقاً على القضايا النبيلة التي تجري في ظلها، فلا يمكن أن يكون ما يحدث في سوريا ثورة، لكنه في البحرين مؤامرة، أو العكس.

ثورات الربيع العربي وضعت إنسانها أمام معضلات أخلاقية، لا بد من حلها واتخاذ موقف مبدئي وحاسم منها بوعي عالٍ تجاه الآخر، بهدف الانطلاق بهذه الثورات إلى فضاءات أوسع، وخصوصاً على صعيد التفكير والعقل، لكن الظروف القاسية والحرب والتدخلات الخارجية شاءت أن يظل البعض، هنا وهناك، في هذا البلد وذاك، أسير لعقلية تقليدية، تدين ذلك الظالم لكنها تتغزل بظالم آخر، تتعاطف مع الضحية الخاصة بها، لكنها لا تحترم ضحية الآخر.

وأيضاً، قد يأخذنا هذا الارتباك إلى أوهام يجب تصفيتها، فمثلاً، أن انتفض ضد ما هو سيء، فهذا لا يعني أنني جيد بالمطلق، وليس بالضرورة أنني على نقيض تام ضد ما أثور عليه، ومن الوارد أنني أحمل في أعماقي الكثير من صفات هذا العدو، الانتفاضة ضد الطغاة أمر مهم، ولا تكتمل إلا بالانتفاضة عليهم في دواخلنا، فهذه الأنظمة خلال عقود عمدت على تشويه الإنسان، وبحكم التربية والخوف صارت جزءا لا يتجزأ من شخصيتنا.. لهذا، ننتبه بين الفينة والأخرى لوجود رواسب داخلنا، من بقايا زمن النظام الديكتاتوري، تحتاج لتصفية.

لهذا، ننتبه بين الفينة والأخرى لوجود رواسب داخلنا، من بقايا زمن النظام الديكتاتوري، تحتاج لتصفية

وتحويل هذه الأنظمة إلى مشجب لتعليق كل الكوارث الذاتية فوقه، على الرغم من مسؤولية هذه الأنظمة عنها بشكل مباشر وغير مباشر، ولكن الإسراف بإلقاء كل العقبات الشخصية عليها، قد يكون حجة لمن لا يريد أن يسمح للثورة بالتسلل إلى داخله، والاكتفاء بأن يكون داخل الثورة.

وأعتقد أنه لا يكفي أن نكون في الثورة، فعلى الثورة أن تكون فينا أيضاً.

لعلنا في المآسي المتلاحقة التي عشناها، ونزوحنا في الداخل والخارج، منعنا كثيراً عن مراجعات ذاتية ضرورية، يضاف إلى ما سبق موقف كثير من المثقفين الذين كانوا صوتاً عالياً ضد أنظمتهم، لكنهم سرعان ما غيروا بوصلتهم بعد ثورات الربيع العربي، إما بانحيازهم للأنظمة في موقف غريب عن تاريخهم، أو انحيازهم للفصائل المتطرفة، في ارتباك فكري غير مبرر، وبالنسبة للنوع الأول، يبدو أن ثورات الربيع العربي جاءت بشكل لم يطابق ما حلموا به، وهذه ليست مشكلة الجماهير، هي مشكلتهم، وكان الأجدر بهم محاولة التأقلم مع هذه الجماهير وخصوصيتها، لا التعالي عليها، بوصفهم أوصياء فكريين على ثورات مثالية ليست موجودة إلا في أحلامهم، وفي الكتب.

كلمات مفتاحية
شارك برأيك