ادفنوا هذا اليسار... فإكرام الميت دفنه

ادفنوا هذا اليسار... فإكرام الميت دفنه

ادفنوا هذا اليسار... فإكرام الميت دفنه
13 أيلول 2020

لم يكن النظام العربي الرسمي، بوصفه نظاماَ استبدادياً، تابعا ومرتهناً، ومشروعه التاريخي مقتصراً على هدف وحيد هو الحفاظ على السلطة، وحده المسؤول عن الحال التي وصلت إليها الشعوب العربية فيما لو أردنا الحديث عن الأسباب الداخلية فقط لهذا الانحطاط المريع الذي أوصلتنا إليه سياسات هذا النظام (هناك أسباب خارجية متعلقة بالسياسات الاستعمارية والسيطرة والنهب الخ)، فمن الضروري أن نشرك الأحزاب السياسية العربية على تنوعها، والمثقفين والمفكرين في المسؤولية في الفشل وفي تحمل مسؤولية هذا الخراب.

طوال العقود التي أعقبت استقلال الدول العربية عن مستعمريها في القرن السابق، وطوال العقدين المنصرمين من هذا القرن، لم تتمكن هذه الأحزاب والنخب من القيام بأي دور حقيقي يخدم ما أعلنته كأهداف لها، لابل على العكس من ذلك فإنها كانت في مسيرتها ونتائجها عمومها متناقضة مع هذه الأهداف، ومع الدور الذي يبرر وجودها ومعناها، والذي ادعت أنها وجدت وناضلت من أجله.

خاض المثقفون العرب والمفكرون والأحزاب السياسية معاركهم الطوباوية الهامشية طوال الفترة المذكورة، مبتعدين عن معركتهم الأهم والأساسية، وكانوا في معظم رؤاهم أسرى القراءات والأفكار العريضة الوافدة من تجارب شعوب أخرى، ولهذا لم يتمكنوا عندما داهمتهم ثورات الشعوب الباحثة عن التغيير أن يفهموا ما يحدث، ولم يتمكنوا لاحقاً أن يجدوا أو يجددوا لدى هذه الشعوب أي معنى لحضورهم فيما يحدث، وظلوا هامشيين ومعزولين.

لم يتمكن هؤلاء أبداً أن يعيدوا السياسة إلى حقلها الطبيعي، وأن يخرجوها من قصر السلطان ليجعلوا منها أداة فاعلة في يد الشعوب كي تصنع تاريخها، وأسندوا ظهورهم إلى مقولات كبرى لا تعنى شعوبهم ولا تلامس حاجتها الحقيقية، وتكلسوا داخل مقولاتهم تاركين رجال الدين، وثقافة السلطان وحمىّ الشعارات تبتلع كل شيء.

ليت الأمر اقتصر على فشل هذه الأحزاب السياسية المتكلسة، وعلى هزيمة ثقافتهم المعلبة، لكن الفاجعة الأكبر كانت في انزياح معظم هذه الفئات إلى صف الطغاة ضد الشعوب، ولعل هذا الانزياح الصادم تجلى أكثر ما يكون عند اليسار العربي، ليس لأن الأحزاب الأخرى ومثقفيها كانوا أفضل، بل لأن معظم الشعوب العربية ورغم أنها لم تنخرط في صفوف اليسار، إلا أنها كانت تأمل أن هذه الأحزاب ستكون في مقدمة من يقف إلى جانبها عندما تثور، فهم الذين يُفترض انحيازهم إلى الفقراء والمسحوقين والمهمّشين، وهم الذين يتحسّسون آلام الناس البسطاء، ومن هنا كانت الخيبة أكبر وأشد وقعا.

يمكننا إلى حد ما تفسير ذهاب معظم اليسار غير العربي للوقوف إلى جانب الأنظمة المستبدة في بلداننا بالقول إنهم لايزالون أسرى شعارات قديمة اجترتها أحزاب اليسار ولاتزال تجترها، وأنهم ليسوا على دراية كاملة بحقيقة هذه الأنظمة ووظيفتها الحقيقية، لكن ما الذي يبرر لأحزاب اليسار العربي هذا الاصطفاف وهي التي يفترض بها أن تكون على دراية كاملة بطبيعة هذه الأنظمة، وما تفعله بشعوبها، ومن تخدم؟

لقد أثبتت ثورات الربيع العربي فشل اليسار العربي القائم، وهزيمته التاريخية، وأنه لن يكون له أي دور في المرحلة القادمة من حياة هذه الشعوب، وكشفت أيضاً عريه الكامل، وزيف كل الشعارات التي حمل راياتها طوال عقود حياته، فلم يعد القول بأن فشله عائد لتخلف الشعوب العربية عن إدراك أهمية ما يطرحه إلا مهزلة تثير الغثيان، ولم تعد محاربة الديمقراطية بصيغتها الرأسمالية مقنعة بعد أن وقفوا مع الطغاة وساندوهم، ولم تعد قراءة السياسة من بوابة النظرية الطبقية وتقسيم البشر إلى طبقات وقراءة التاريخ عبر علاقة هذه الطبقات حصراً مجدية، فلم يعد ممكناً في عصرنا الحالي إلغاء البعد المتعلق بالفرد المستقل المتمتع بالحرية.

لكن هذه الهزيمة، وهذا الفشل الفاضح لا يعني أبداً أن اليسار الذي يحمل في جوهره فكرة العدالة الاجتماعية، ومنع التوحش الذي تفرضه قوانين الربح واحتكار الثروة ونهبها، وما تفرضه العولمة الرأسمالية من زج للبشرية في أتون حرب بشعة تهدد البشرية كلها، قد انتهى، فما تبناه اليسار سيظل حلم البشرية في صيغة جديدة للحياة، وما عجز عنه اليسار العربي واليسار العالمي عموماً لن يمنع البشرية من الحلم، ولن يمنعها من إنتاج يسار جديد.

اليوم، وهذه البلاد التي تقف أمام مفترق بالغ الخطورة، حيث كل العالم يعبث بها ولا يقيم وزناً لمصير شعوبها ولا لحقوقهم أتذكر دائماً مثالين يعكسان أزمة هذا اليسار في فهم ما يجري داخل بلداننا:

    1. ما كتبه أحد قادة اليسار الفرنسي عن التدخل الروسي في سوريا ويبرّر فيه المجازر التي ارتكبها الجيش الروسي والخسائر البشريّة "بضرورات مقاومة الإمبرياليّة والرجعيّة السعوديّة - القطريّة - التركيّة والبربريّة الداعشيّة"
    2. الرد الذي كتبه أحد المثقفين العرب المعروفين والمشهورين على مقال كتب في المدن بتاريخ 28-8-2017 يقول فيه:

"ما هذا الهذر يا ولد؟؟؟ ألم نقل لكم منذ البدء إن محور المقاومة حقيقة أقوى من الجبال ومن المحال هزيمته؟؟ بئس البشر أنتم. ألا تعلمون أنه أينما يقف نصر الله يكون الانتصار! تعلموا أيها السفهاء. لم يبق إلا القليل، مجرد «عضة كوساية». راجعوا أقوال معلمكم فورد، قائد مظاهراتكم «السلمية»... موتوا بغيظكم أيها المرتزقة"!

رحل هذا المثقف، لكن لايزال قسم كبير من المثقفين العرب وأحزاب اليسار ترى فيما يحدث يكاد يطابق ما كتبه هذا المثقف.

بئس الثقافة، وبئس اليسار، عندما تحتاج صرخات هذه الشعوب المقهورة والمقموعة إلى "معجم طبقي" (حسب وصف الشاعر العراقي مظفر النواب) لكي تفهمها.

ما نحتاجه نحن شعوب هذه البلاد المنكوبة ليس فقط إزاحة أنظمة الحكم المستبدة والتابعة، بل نحتاج وبنفس الدرجة إلى إزاحة هذه الأحزاب وهذه الثقافة وكنسها ليس بوصفها أحزاباً وأفكاراً وثقافة، بل بوجهها الحقيقي، وبجوهرها كوجه آخر للاستبداد وللطغيان.

مقالات مقترحة
"حماية المستهلك" تحدد أسعاراً جديدة للخبز وللطحين
ناقلة نفط إيرانية ثالثة تتجه إلى سوريا و"أدريان داريا 1" تغادر
تفكيك "أقفاص الدور" أمام أفران ابن العميد بدمشق (صور)
337 إصابة جديدة بكورونا شمال غربي سوريا معظمها في إدلب
إصابات ووفيات جديدة بكورونا في مناطق سيطرة النظام
ألمانيا.. إغلاق المنشآت الترفيهية لـ احتواء موجة كورونا الثانية