احتواء للفصائل أم تلغيم للدولة واغتيال للعدالة؟

2026.03.14 | 06:21 دمشق

655555665
+A
حجم الخط
-A

يقف المشهد السياسي اليوم في سوريا أمام واحدة من أكثر المنعطفات إثارة للجدل في تاريخ الثورة السورية وما تلاها من ترتيبات لبناء الدولة، ويبرز التساؤل الجوهري حول الاستراتيجية التي يتبعها الرئيس أحمد الشرع في التعاطي مع ملف "قسد"، فبعد الانتصارات الميدانية التي حققتها القوى العسكرية مدعومة بالزخم العشائري في دير الزور والرقة وريف الحسكة، والتي كادت تزيل قسد ومشروعها نهائيا، جاء إعلان اتفاق ثانٍ معها يقضي بوقف القتال والبدء بعملية الإدماج؛ ليصدم الناس ويبرّد حماسهم واندفاعهم ويفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول حقيقة الوعود بالعدالة وفرض سيادة الدولة وسلطتها على كامل أرضها. 
طبعا، لا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن الضغوط الدولية الهائلة، فسوريا ليست جزيرة معزولة، والقوى الكبرى التي استثمرت سنوات في مشروع قسد تحت ذريعة محاربة الإرهاب لن تتخلى عن استثمارتها فيه بين ليلة وضحاها من دون ضمانات لمصالحها أو دون هبوط آمن لوكلائها. ومع ذلك، فإن التسويغ السياسي الذي يسوقه بعض الناس بأن الرئيس أحمد الشرع يريد تجنب السيناريو التركي المرير مع حزب العمال الكردستاني يحمل في طياته وجاهةً نظريةً، لكنه يصطدم بواقع سوري مختلف تماما؛ فتركيا دولة مستقرة واجهت تمردا على حدودها وفي جبالها الوعرة لأربعة عقود، بينما في سوريا، نحن أمام دولة في طور التكوين تحاول بسط سيادتها على أرض لفظت الميليشيات الانفصالية شعبيا وعسكريا وفكريا. وقد تبدو حكمةً اضطراريةً محاولةُ استنساخ عملية السلام التي أطلقها عبد الله أوجلان من سجنه وتطبيقها في سياق سوري بهدف حقن الدماء، لكنها تثير ريبة المظلومين الذين يرون في الإدماج مكافأة للجلاد بدلا من سحبه إلى منصة العدالة.

فصل المسار السياسي عن المسار الجنائي؛ ففي حين يمكن التفاوض على شكل الإدارة المحلية في مناطق شرق الفرات، لا يمكن التفاوض على حقوق الضحايا، ولا بد من تشكيل هيئة وطنية للمظالم تضم ممثلين عن العشائر ومنظمات حقوقية..

إن الخطورة الحقيقية في هذه السياسة تكمن في غياب أي إشارة لمحاسبة القادة المتورطين بجرائم حرب، فالسجل الأسود لـقسد لم يقتصر على الجوانب السياسية والاستقواء بالكيان الصهيوني والتنسيق معه علنا ولا على سرقة ثروات سوريا من نفط وغاز ومحاصيل وغيرها، ولا على المشاريع الانفصالية ولا على دعم العصابات الإجرامية وفلول النظام لزعزعة استقرار الدولة وتقسيمها على أسس طائفية وعرقية، لكنه امتدَّ ليشمل انتهاكات يندى لها الجبين، بدءاً من المشاهد الصادمة للتنكيل بجثث مقاتلي الجيش الحر في تل رفعت، والتي لا تزال محفورة في ذاكرة كل سوري حر، مرورا بالتجريف الممنهج للقرى العربية في ريف الحسكة وتل أبيض، وهي جرائم تندرج ضمن التطهير العرقي في العرف الدولي، وصولا إلى الاعتقالات والقتل العشوائي والإجرام بحق المدنيين، ولعل آخرها مقتل الشاب علاء الدين الأمين تحت التعذيب وحرق خيمة عزائه، وكل ذلك ليس إلا قطرة من بحر الانتهاكات التي مارستها أجهزة الاستخبارات التابعة لقسد وهافالاتها. أمام ذلك كله وما لم يذكر أعظم بكثير مما ذُكر ما محل المواطن من الإعراب في نظر الحكومة؟ ما الاعتبارات التي تنظر إليها من خلاله؟ هل هو مجرد رقم لا قيمة له أم له اعتبار وقيمة حقيقية بعيدة عن الشعارات التخديرية والكلام العاطفي الذي يقال في الاجتماعات وعلى الشاشات؟  إذا كان له اعتبار فعلا فكيف يمكن أن يرى هذا المواطن السوري الذي اكتوى بنار قسد الجلاد الذي كان يدير السجن ويشرف على التعذيب محافظا للحسكة بمرسوم جمهوري؟ كيف يمكن أن يتقبل تعيين سيبان حمو -بكل حمولته الرمزية وبوصفه قائدا عسكريا مليشياويا ارتبط بمشاريع انفصالية على أساس عرقي- معاوناً لوزير الدفاع للمنطقة الشرقية؟ ألا يتحول بذلك مفهوم العدالة الانتقالية من مشروع وطني لتضميد الجراح وعلاجها إلى مجرد حبر على ورق أو تصريحات إعلامية تخديرية أو بضاعة سياسية تُقايض في ردهات الفنادق والقصور؟
لقد أثارت هذه التعيينات تساؤلا حول استراتيجية العريف المشاغب التي مفادها أن المعلم كان يعين الطالب المشاغب الذي لا يمكن ضبطه عريفا للصف فيساعد في ضبطه ويتحول إلى أداة جيدة في ضبط النظام؛ هل يحاول الرئيس أحمد الشرع حقا ترويض هؤلاء المشاغبين عبر إدخالهم في هيكل الدولة لضبطهم؟ لكن هل يمكن اختزال سوريا كلها بصف دراسي من صفوف المرحلة الابتدائية؟ أليس ذلك تحجيما وتقزيما لها؟ أليست هذه المغامرة السياسية خطيرة للغاية؟ هل يتحول الميليشياوي الذي اعتاد على حكم الكانتونات وسرقة النفط والغاز ونهب ثروات المنطقة الشرقية طوال عقد من الزمان بقرار إداري إلى موظف دولة منضبط يؤمن بالمركزية وسيادة القانون؟ قد يرى هؤلاء في مناصبهم الجديدة وسيلة لشرعنة نفوذهم وحماية ثرواتهم المنهوبة من المساءلة، لكن الغضب الشعبي العارم هو صرخة مكلومين ضد إعادة تدوير مجرمي الميليشيات، إذ كيف يمكن للمواطن أن يثق بجهاز دفاعي يقوده من كان حتى الأمس القريب يوجه فوهات بنادقه نحو صدور أبناء العشائر؟ كيف يثق بمن كانت تهديداته باجتياح دمشق لم يمض عليها شهران؟ وما الضمانات التي تمنع هؤلاء من تحويل مناصبهم إلى إقطاعيات جديدة داخل الدولة السورية؟
ثم ما دامت المسوغات هي حفظ السلم وتجنب الصدام، ألا يحق للمواطنين التخوُّف من تمدد أوسع لهذه السياسة لتشمل رموزا أخرى من النظام الساقط أو مليشيات طائفية؟ ألا يمكن أن نرى غياث دلا أو مقداد فتيحة أو سهيل الحسن في مناصب رفيعة تحت الذريعة نفسها كما رأينا مع فادي صقر؟ ثم إذا كان المعيار هو الواقعية السياسية، فما الذي يمنع من استيعاب عصابات الهجري في السويداء رغم ارتباطاتها المشبوهة والعلنية مع الكيان الصهيوني ومطالبتها الصريحة بقصف العاصمة دمشق؟ أليست الثقة بمن يطالب إسرائيل بالتدخل ضد الدولة السورية وينادي بمشاريع تقسيمية مثل روج آفا أو دولة السويداء أو ممر داود هي خيانة لتضحيات السوريين؟ أليس دمج هؤلاء في مفاصل الدولة، ولا سيما وزارة الدفاع، يعد تلغيما للمؤسسة العسكرية من الداخل بجهات تدين للخارج أكثر من ولائها لسوريا ووحدتها ومصالحها.
هل انعدمت الحلول إلا يتعيين هؤلاء القتلة في مناصب قيادية رفيعة؟ أليست هناك حلول لهذه المعضلة بعيدا عن الصدام العسكري الذي قد يدمر ما تبقى من المنطقة، وبعيدا عن التنازل المذلّ عن دماء الشهداء؟ بلى ثمة مسارات كثيرة بديلة بعيدا عن الدمج الأعمى، منها: 
أولا: أن يكون الدمج العسكري فرديا وليس كتلا على أساس عرقي أو طائفي كما تصرح قسد بأنها ستشكل ثلاثة ألوية؛ بمعنى أن يتم استيعاب العناصر الذين لم تتلطخ أيديهم بالدماء ضمن وحدات الجيش السوري أفرادا، بعد خضوعهم لدورات إعادة تأهيل وطنية. 
ثانيا: فصل المسار السياسي عن المسار الجنائي؛ ففي حين يمكن التفاوض على شكل الإدارة المحلية في مناطق شرق الفرات، لا يمكن التفاوض على حقوق الضحايا، ولا بد من تشكيل هيئة وطنية للمظالم تضم ممثلين عن العشائر ومنظمات حقوقية لفتح ملفات التعذيب والقتل والاختفاء القسري في سجون قسد، وهو شرط أساسي لأي استقرار مستقبلي.

إن استراتيجية الرئيس الشرع في احتواء الخصوم قد تُسجل له براعة سياسية في المحافل الدولية، لكنها في الميزان الشعبي السوري تعدُّ مغامرة محفوفة المخاطر؛ لأن السلم الذي يقوم على تجاهل الجرائم هو سلم رخو وهش وقنبلة موقوتة..

ثالثا: استرداد الأموال المنهوبة؛ فالثروات التي سُرقت خلال العقد الماضي هي ملك للشعب السوري، وتعيين قادة قسد في مناصب الدولة دون مطالبتهم بكشف حساب عن مئات الملايين من دولارات النفط والقمح هو تشريع للسرقة. 
رابعا: لا بد من تحجيم النفوذ القيادي؛ فإذا كان لا بد من استيعاب بعض الشخصيات لتجنب حرب استنزاف، فلا ينبغي أن يكون ذلك في مناصب سيادية أو قيادية عسكرية حساسة مثل معاون وزير دفاع أو جهاز الاستخبارات أو الأمن الوطني، وليعينوا في مناصب استشارية أو إدارية بعيدة عن مراكز اتخاذ القرار الأمني والعسكري، مع خضوعهم لفترة اختبار طويلة تثبت ولاءهم التام للدولة المركزية.
إن استراتيجية الرئيس الشرع في احتواء الخصوم قد تُسجل له براعة سياسية في المحافل الدولية، لكنها في الميزان الشعبي السوري تعدُّ مغامرة محفوفة المخاطر؛ لأن السلم الذي يقوم على تجاهل الجرائم هو سلم رخو وهش وقنبلة موقوتة سرعان ما تنفجر عند أول احتكاك بين الأهالي والمسؤولين الجدد-القدامى، والسوريون الذين انتفضوا ضد استبداد النظام الساقط وإجرامه وضحوا بملايين الشهداء ودمرت بيوتهم ومدنهم وقراهم لم يفعلوا ذلك ليستبدلوا به استبداد التنظيمات بلباس رسمي. والطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر استرضاء حزب العمال أو التغاضي عن أدوات الكيان الصهيوني، ولا بإعادة أدواتهم من النافذة بعد طردهم من الباب شر طردة، ولا بإضفاء الصفة الرسمية على فصائل انفصالية، ولكن عبر تمكين الوطنيين الذين حافظوا على انتمائهم السوري رغم كل الضغوط والظروف، والعاقل من اتعظ بغيره في تجنب الحرب وفي إدراك أن الظلم هو الوقود الأول للثورات والتمرد، وأن التاريخ لن يغفر لمن جعل من دماء المظلومين جسرا لعقد صفقات سلم زائف، وأن سيادة الدولة لن تكتمل إلا بفرض القانون على الجميع دون استثناء، وأن الدمج الحقيقي هو الذي يبني مجتمعا حرا متصالحا مع نفسه، لا مجتمعا يرى جلاده يُبوَّأ المناصب الرفيعة، ولعل مراجعة القرارات والأخطاء والاستجابة لصوت الناس هي قمة القوة والمسؤولية تجاه الأجيال الحاضرة والقادمة، وتجاه وطن يطمح أن يكون دولة قانون لا دولة محاصصة بين أمراء الحرب.