لم يعد جيش الاحتلال الإسرائيلي يلاحق السوريين الذين يحاولون الاقتراب من المواقع التي أقامها داخل الأراضي السورية فقط، بل يلاحق متطرفين إسرائيليين يتسللون في الاتجاه المعاكس، من الجولان المحتل إلى المناطق التي احتلتها إسرائيل بعد سقوط نظام الأسد المخلوع، وهم الذين يحملون مشروعاً واضحاً يتلخص بإقامة مستوطنات يهودية جديدة داخل سوريا.
خلال الأسابيع الأخيرة، تحولت محاولات التسلل إلى حدث شبه متكرر على امتداد المنطقة، ولا سيما عند سفوح جبل الشيخ، حيث تستغل مجموعات إسرائيلية وعورة التضاريس والضباب وغياب السياج في بعض النقاط للعبور إلى الجانب السوري.
وفي أحدث هذه الحوادث، دخل ثلاثة إسرائيليين إلى الأراضي السورية، قبل أن يعثر عليهم جيش الاحتلال ويعيدهم بعد نحو يوم، لكن الحادثة، وفق ما كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، لم تكن استثنائية، إذ تحدث ضباط إسرائيليون عن عمليات بحث تجري في بعض الأحيان بصورة شبه يومية عن إسرائيليين يعبرون إلى سوريا.
وتظهر المفارقة في أن جيش الاحتلال الذي فرض سيطرته على أراضٍ سورية جديدة تحت ذريعة "منع المخاطر الآتية من سوريا"، يشكو اليوم من اضطراره إلى تحويل جزء من قواته ووسائل استطلاعه من مراقبة السوريين إلى مراقبة إسرائيليين يريدون استثمار الاحتلال العسكري لإقامة وجود مدني دائم.
وذكرت "يديعوت أحرونوت" أن مسؤولين عسكريين كبار حذروا من أن عمليات عبور الحدود "قد تورط إسرائيل في مأزق أمني ودبلوماسي خطير"، مشيرين إلى أنه "نبذل جهوداً حثيثة لملاحقة مجموعة من المراهقين الذين يشتتون الانتباه عن العدو الذي يترقب فرصة لإلحاق الأذى بهم".
وتقف وراء الجزء الأبرز من هذه المحاولات حركة إسرائيلية تطلق على نفسها اسم "رواد باشان"، تأسست بعد سقوط الأسد، وتدعو علناً إلى الاستيطان في جنوبي سوريا.
"رواد الباشان" ونشاط الاستيطان
لا يستخدم أعضاء الحركة عادة أسماء المحافظات والبلدات السورية التي يسعون إلى دخولها، بل يستبدلون بها اسماً توراتياً هو "باشان"، ويقدمون المنطقة الممتدة في تصوراتهم من الجولان باتجاه أجزاء من القنيطرة ودرعا والسويداء باعتبارها أرضاً ينبغي "إعادة الاستيطان اليهودي" فيها.
وتأسست "رواد باشان" مطلع عام 2025، بعد أشهر قليلة من سقوط الأسد واحتلال إسرائيل المنطقة الفاصلة وأراض سورية إضافية، وبدأت بتنظيم أنشطة ومحاولات دخول متكررة إلى سوريا.
وتعلن الحركة أن هدفها النهائي ليس الزيارات أو التظاهر عند الحدود، وإنما إنشاء مستوطنات دائمة في الأراضي السورية المحتلة.
وفي تموز الماضي، حاول عشرات من أنصار الحركة الدخول إلى سوريا عبر جبل الشيخ، حيث أعلنت الحركة في منشور لها أن المشاركين يسيرون "ما وراء الحدود القديمة" بهدف إقامة مستوطنة يهودية، بينما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن مشاركة نحو 70 شخصاً واعتقال عدد ممن حاولوا العبور.
ووصف جيش الاحتلال الإسرائيلي الحادثة حينها بأنها مخالفة جنائية تعرض الجنود والمدنيين للخطر، في حين استمرت محاولات الحركة في العبور إلى سوريا.
ونهاية تموز الماضي، كشفت وكالة "أسوشيتد برس" أن أعضاء الحركة باتوا يحاولون دخول سوريا كل بضعة أيام.
وذكرت الوكالة حادثة كادت خلالها قوة إسرائيلية تستهدف مجموعة رجال رصدتهم ليلاً في جنوبي سوريا قبل أن تكتشف أنهم يهود متدينون تسللوا إلى الأراضي السورية.
وكشف أحد مسؤولي الحركة عن وجود دعم لها من "أصدقاء في الحكومة وكثير من أعضاء الكنيست".
وفي إحدى الحوادث الأخيرة، قالت الحركة إن ثلاثة من أعضائها عبروا الحدود وأدوا صلاة الصباح في مكان أطلقت عليه اسم "تل حرمون"، وتعاملت معه في بيانها باعتباره نواة "مستوطنة" داخل الأراضي السورية.
وتستخدم هذه التحركات أدوات مألوفة في النشاط الاستيطاني، بما في ذلك الوصول إلى الأرض، إعطاء المواقع أسماء عبرية، إقامة شعائر دينية فيها، وضع رموز تشير إلى الملكية، ثم تحويل الوجود الرمزي أو المؤقت إلى مطالبة بإقامة مدنية دائمة، في أرض سورية محتلة، دخل إليها جيش الاحتلال بالقوة بعد سقوط النظام المخلوع.
الاحتلال سبق المستوطنين
إلا أن منع جيش الاحتلال الإسرائيلي أعضاء حركة "رواد باشان" من الدخول إلى بعض المواقع داخل سوريا لا يغير من الحقيقة الأساسية، وهي أن إسرائيل نفسها هي التي تحتل الأرض السورية التي يحاول هؤلاء المستوطنون الاستيطان فيها.
فبعد ساعات من سقوط نظام الأسد في نهاية عام 2024، بدأ فصل جديد من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية، حيث استغلت إسرائيل الفراغ العسكري والسياسي الذي أعقب انهيار النظام، وتقدمت قواتها خارج خطوط وقف إطلاق النار التي استقرت لعقود، وسيطرت على المنطقة الفاصلة التي أنشأها اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، كما استولت على الجانب السوري من جبل الشيخ وأقامت مواقع عسكرية جديدة داخل الأراضي السورية.
وفي 13 كانون الأول 2024، أكدت قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك "أندوف" وجود القوات الإسرائيلية في مواقع متعددة داخل منطقة الفصل، وأبلغت إسرائيل بأن تحركاتها تشكل انتهاكاً لاتفاق عام 1974، مطالبة بوقف النشاط العسكري واحترام الاتفاق.
ولم يكن هذا التقدم البري إجراءً حدودياً منفصلاً، بل جاء بالتوازي مع واحدة من أوسع موجات القصف الإسرائيلي التي تعرضت لها سوريا.
ووفق ذلك، لم يؤد سقوط النظام المخلوع وانحسار الوجود العسكري الإيراني وتراجع دور "حزب الله" داخل سوريا إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية، بل ترافق مع انتقال الاحتلال إلى نمط جديد يجمع بين القصف الجوي والوجود العسكري المباشر داخل الأرض السورية.
وقدمت إسرائيل دخولها إلى المنطقة الفاصلة في البداية باعتباره إجراء أمنياً مؤقتاً، إلا أن هذا "المؤقت" بدأ سريعاً بالتحول إلى واقع عسكري مفتوح المدة، فبعد 10 أيام فقط من سقوط الأسد، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن القوات الإسرائيلية ستبقى في جبل الشيخ إلى حين التوصل إلى "ترتيب آخر" يضمن أمن إسرائيل، من دون تحديد موعد للانسحاب، في وقت كانت فيه قوات الاحتلال قد ثبتت وجودها بالفعل في مواقع استراتيجية داخل الجبل والمنطقة الفاصلة.
ومع استمرار هذا الوجود، تجاوز التوصيف الدولي ما يتعلق فقط بخرق اتفاق فض الاشتباك، حيث قالت لجنة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بالممارسات الإسرائيلية، في تقريرها الصادر عام 2025، إن إسرائيل اتخذت خطوات "لترسيخ وتوسيع احتلالها للجولان السوري"، سواء في الأراضي التي احتلتها عام 1967 وفرضت عليها قوانينها عام 1981، أو في الأراضي الواقعة وراءها التي استولت عليها بعد سقوط الأسد.
ومن هنا تكتسب قضية "رواد باشان" معناها الأوسع، فالحركة لم تنشئ أصل المشكلة، ولم تكن هي التي خرقت ترتيبات عام 1974 أو احتلت الجانب السوري من جبل الشيخ أو أقامت المواقع العسكرية الجديدة، فالمشروع الاستيطاني ظهر فوق واقع سبق أن فرضه الاحتلال الإسرائيلي بالقوة العسكرية، ولذلك فإن الخلاف بين الجيش والمستوطنين يدور على أرض سورية يحتلها الطرف الأول أصلاً، قبل أن يحاول الطرف الثاني تحويل هذا الاحتلال العسكري إلى وجود مدني دائم.
الأرض ليست "منطقة أمنية"
يكشف تقرير "يديعوت أحرونوت" جانباً مهماً من طريقة النظر الإسرائيلية إلى المنطقة، إذ يصفها ضباط إسرائيليون بـ"المنطقة الأمنية"، مع إقرارهم بأنها تختلف عن مناطق انتشار الجيش في جبهات أخرى لأن السكان السوريين لم يُخلوا منها، ويواصل المدنيون حياتهم وتنقلاتهم داخلها.
ومن منظور أصحاب الأرض، لا يتعلق الأمر بـ"منطقة أمنية" إسرائيلية أصلاً، فالقنيطرة وريف درعا وسفوح جبل الشيخ أراض سورية، تنتشر فيها قرى وبلدات يعيش فيها سوريون، بينما أقامت إسرائيل داخلها مواقع عسكرية ونقاط تفتيش ونفذت دوريات ومداهمات واعتقالات.
وهذا يجعل التسلل الاستيطاني مختلفاً جذرياً عن الصورة التي تقدمها بعض التغطيات الإسرائيلية باعتباره خلافاً بين الجيش وناشطين متطرفين.
المشهد بالنسبة للسوريين هو وجود جيش احتلال على أرضهم، يتبعه مدنيون من دولة الاحتلال يطالبون بتحويل الوجود العسكري إلى استيطان دائم، والخلاف بين الطرفين يدور أساساً حول السماح للإسرائيليين بدخول الأرض السورية في المرحلة الحالية، وليس حول ملكية هذه الأرض أو حق السوريين فيها.
من احتلال عسكري إلى استيطان مدني
وتكتسب محاولات "رواد باشان" حساسيتها الأكبر من التاريخ القريب نفسه، فحين احتلت إسرائيل معظم الجولان السوري في حرب حزيران 1967، لم يبق الاحتلال عسكرياً فقط، حيث بدأت إقامة المستوطنات الإسرائيلية بعد فترة قصيرة من الحرب، ثم توسعت خلال العقود التالية بالتوازي مع تهجير معظم السكان السوريين من المنطقة.
وفي العام 1981، أقرت إسرائيل ما يسمى "قانون الجولان"، وفرضت بموجبه قوانينها وإدارتها على الأراضي المحتلة.
ورداً على القرار، رفض مجلس الأمن بالإجماع، في قراره 497، إجراءات إسرائيل بفرض قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان المحتل، مشدداً على أن القرار الإسرائيلي "باطل ولاغٍ وليس له أثر قانوني دولي".
وبعد أكثر من أربعة عقود، لا تزال الأمم المتحدة تستخدم رسمياً تسمية "الجولان السوري المحتل"، وفي كانون الأول 2025، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً بأغلبية 146 دولة، جددت فيه التأكيد على أن المستوطنات الإسرائيلية في الجولان السوري المحتل غير قانونية.
وطالبت الأمم المتحدة إسرائيل بوقف نشاطها الاستيطاني بالكامل، مشددة على أن نقل دولة الاحتلال أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها يشكل خرقاً لاتفاقية جنيف الرابعة.
كما اعتمدت الجمعية العامة في الشهر نفسه قراراً منفصلاً بعنوان "الجولان السوري المحتل"، بأغلبية 146 دولة مقابل ست دول فقط، بما يؤكد استمرار الوضع القانوني الدولي للأرض رغم عقود الاحتلال والإجراءات الإسرائيلية الأحادية.
ووفق ذلك، لا تأتي خطورة حركة "رواد باشان" من قدرتها الحالية على بناء مدينة أو مستوطنة كبيرة في سوريا، بل من النموذج التاريخي الذي تستند إليه، يبدأ باحتلال عسكري يخلق واقعاً جديداً، ثم يأتي الوجود المدني الاستيطاني لترسيخه وتحويل المؤقت إلى دائم.
الخلاف الداخلي الإسرائيلي لا يغير صفة الأرض
يصف ضباط في الجيش الإسرائيلي أعضاء "رواد باشان" بأنهم "خارجون على القانون"، وتحذر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من أن عملياتهم تعرضهم والجنود للخطر وتستهلك موارد يفترض توجيهها إلى مراقبة الجانب السوري.
وفي الوقت نفسه، تطالب المؤسسة العسكرية الشرطة الإسرائيلية بملاحقتهم قضائياً، بينما تقول الشرطة إنها أحالت ملفات عدد منهم إلى النيابة.
لكن هذا الخلاف الداخلي الإسرائيلي بشأن ممارسات أفراد "رواد الباشان" لا يغير شيئاً في الوضع القانوني للأرض، فالجيش يمنع مواطنين إسرائيليين من دخول مناطق سورية في الوقت الذي يواصل هو نفسه احتلالها والتحرك فيها، بينما لا يدور الخلاف بين مؤسسات الاحتلال حول حق سوريا في ممارسة سيادتها عليها، وإنما حول من يملك حق دخولها وفي أي توقيت وتحت أي ترتيبات.
كما أن الفصل بين حركة استيطانية محدودة وبين السياسة الرسمية الإسرائيلية، وهو فصل ضروري للدقة الصحفية، لا ينبغي أن يخفي البيئة التي تعمل فيها الحركة، فوفق وكالة "أسوشيتد برس"، يقول قادة "رواد باشان" إنهم يحظون بتأييد شخصيات في الحكومة وأعضاء في الكنيست، رغم أن الحركة لا تزال هامشية عددياً ولا تتبنى الحكومة الإسرائيلية رسمياً مشروعها في سوريا.
كما تواصل الدولة الإسرائيلية نفسها منذ عقود دعم وتوسيع الاستيطان في الجولان السوري المحتل، وهو استيطان أعادت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في كانون الأول الماضي، التأكيد على عدم قانونيته.
احتلال جعل الاستيطان ممكناً
بعد نحو ستة عقود من احتلال إسرائيل للجولان، تقف سوريا أمام مشهد يحمل بعض العناصر المألوفة وإن اختلفت الظروف جذرياً، فالأرض سورية احتلتها إسرائيل بالقوة، وأقامت مواقع عسكرية داخلها، وتنفذ عمليات توغل واعتقال وقصف مستمرة.
وفي موازاة ذلك، بدأ مجموعات إسرائيلية تتعامل مع مناطق الاحتلال الجديد لا بوصفها حدوداً يُتوقف عندها، بل ممر عبور إلى أرض جديدة تريد الاستيطان فيها.
ورغم أن الجيش الإسرائيلي يواجه هؤلاء المستوطنين، ويعيدهم إلى الجانب الذي تحتله إسرائيل منذ العام 1967، إلا أن ذلك لا يجعل من جيش الاحتلال حامياً للأرض السورية منهم، فهو القوة التي تحتل الأرض أصلاً.
فالاستيطان يحتاج إلى أرض يُسيطر عليها الاحتلال قبل أن يحتاج إلى مستوطنين، وما تكشفه محاولات "رواد باشان" أن استمرار الاحتلال لا يهدد فقط بتحويل "الإجراء الأمني المؤقت" إلى وجود عسكري طويل الأمد، بل يفتح الباب أمام قوى إسرائيلية بدأت بالفعل التفكير في الخطوة التالية، وهي تحويل الأرض السورية المحتلة من مجال يتحرك فيه الجيش إلى أرض يريد إسرائيليون الاستيطان فيها.
