"احتجاجات الكهرباء" في ريف حلب تخفي خلفها أزمة معيشية متصاعدة

تاريخ النشر: 10.01.2022 | 05:06 دمشق

آخر تحديث: 10.01.2022 | 11:12 دمشق

حلب - خالد الخطيب

شهدت مناطق سيطرة المعارضة السورية في ريف حلب (درع الفرات) حراكاً احتجاجياً متصاعداً منذ بداية العام 2022 بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الكهرباء، والذي وصل لأكثر من الضعف، وتوزعت التظاهرات الشعبية على عدة مدن وبلدات، أهمها، اعزاز والباب وصوران وأخترين ومارع، وكان الحراك في الأخيرة أكثر كثافة واندفاعاً، وشارك فيه المئات من أبناء المدينة والنازحين المقيمين فيها.

وفي مارع أيضاَ توسعت مطالب المتظاهرين الذين صبوا جام غضبهم على المجلس المحلي الذي اقتحموا مبناه، واعتبروه مسؤولاً عن رفع الأسعار، ومسؤولاً عن رداءة الخدمات الأساسية في المدينة، واتهموا أعضاءه بالفساد وطالبوهم بالاستقالة، وأقام المتظاهرون خيمة اعتصام أمام مبنى المجلس، ونظموا بشكل شبه يومي وقفات احتجاجية ورفعوا لافتات انتقدت مسؤولي المجلس وغرفة التجارة وشركة الشمال للكهرباء التي أسسها عسكريون ومقربون منهم بالشراكة مع المجلس في فترة سابقة قبل بيع أسهمها لشركة تركية.

 

تخفيض أسعار مخادع

مع بداية العام 2022 ارتفعت أسعار الكهرباء في عموم مناطق ريف حلب بنسبة تجاوزت 40 في المئة، ورفعت الشركة سعر الكيلو واط الواحد إلى 1.47 ليرة تركية، وفي حال تجاوزت نسبة الاستهلاك أكثر من 150، يصبح سعر الكيلو 2.50 ليرة ووفق التسعيرة الجديدة، في حين ارتفع سعر الكيلو واط التجاري الواحد إلى 2.48 (ثابت) والصناعي 2.3 (ثابت).

وبعد ارتفاع السعر وبشكل مفاجئ نزل الناس إلى الشارع، وشكلوا ضغطاً كبيراً على المجالس المحلية في الباب ومارع واعزاز وغيرها، وهو ما دفعها، أي المجالس لتؤكد في بيانات بأنها ليست معنية أو على دراية بالسعر الجديد، والذي يخالف العقود المبرمة مع الشركة المزودة للكهرباء، لكن سرعان ما تم تداول نسخ من العقود الموقعة بين المجالس والشركة التي سربت على ما يبدو نصوص العقود كرد على البيانات المخادعة للمجالس، وتنص العقود على زيادة سعر الكهرباء في حال تغير سعر الكهرباء من المصدر.

 

العقود المسربة

 

في 7 من كانون الثاني/يناير استدعي رؤساء عدد من المجالس المحلية في ريف حلب للقاء والي كلس التركية، وتم التباحث بمشكلة الكهرباء والتي نتج عنها خروج مظاهرات غاضبة، وحددت أسعار جديدة، ومن المفترض أنه جرى تخفيض الأسعار إلى حدود أقل من تلك المعلنة مع بداية العام، لكن واقع الأسعار الجديد لا يختلف عن سابقه من حيث الغلاء.

 

 

وفي تسجيل صوتي تداوله الناس بكثرة خلال الأيام القليلة الماضية، قال رئيس المجلس المحلي في مارع، صالح عباس، إنهم اجتمعوا بالوالي ومسؤولي شركة الكهرباء وبذلوا جهوداً جبارة في سبيل تخفيض الأسعار، وقال عباس إنه تخلى عن جزء كبير من حصة المجلس من العائدات المالية التي يحصل عليها من الشركة في سبيل تحقيق مستوى جيد من تخفيض السعر، لكن مزاعم عباس لم ترضي المحتجين الذين أكدوا بأن السعر الجديد أكثر قساوة من سابقه، ولذا فإنهم سيواصلون حراكهم الاحتجاجي، وتم تداول تسجيلات صوتية أخرى لمحتجين طالبوا بإجراء تحقيقات مع أعضاء المجلس بخصوص ذممهم المالية.

 

بيان مجلس مارع.jpg

 

بحسب لائحة الأسعار الجديدة للكهرباء، تمت إعادة توزيع الفئات السعرية وحدد بموجب السعر الجديد سقف الاستهلاك الشهري للمنازل بمئة كيلو واط فقط وبسعر 100 ليرة تركية، أي بسعر ليرة تركية واحدة لكل واط واحد، وفي حال رغب أصحاب المنازل باستهلاك أكثر من 100 كيلو واط شهرياً فإن عليهم دفع ليرتين تركيتين ونصف مقابل كل كيلو واط، والقرار الجديد سيحرم الأهالي من استخدام الكهرباء في التدفئة والطبخ ويدفعهم للتقنين بشكل كبير والاعتماد على مصادر طاقة أخرى.

 

الاتفاق الاخير حول سعر الكهرباء.jpg

مخاوف من توسع الاحتجاجات

تخفي احتجاجات الكهرباء في ريف حلب وراءها أزمة معيشية متصاعدة، وزيادة كبيرة في نسب الفقر والبطالة، وعدم كفاية الأجور والرواتب الشهرية لمختلف فئات المجتمع في قطاعات العمل المتنوعة، ويبدو أن رفع أسعار الكهرباء جاء ليفجر غضب الناس بسبب الأزمة التي يعيشونها، وبالفعل توسعت مطالب المحتجين في وقت قياسي، ففي التظاهرات التي شهدتها مارع مثلاً، هتف المتظاهرون "الشعب يريد الإصلاح" في إشارة إلى المجالس المحلية والجهات العسكرية النافذة التي يحملونها مسؤولية الفساد والمحسوبية وتردي الأوضاع الخدمية والمعيشية عموماً، ولا يختلف حال الباب واعزاز وصوران وعفرين كثيراً عن مارع.

 

 

تبدو المخاوف من توسع الاحتجاجات حقيقية وممكنة جداً خلال الفترة القادمة في حال بقيت الأوضاع على ما هي عليه الآن، ولم تتخذ إجراءات وخطوات جدية لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد، فحراك المعلمين الاحتجاجي الذي ساد خلال الربع الأخير من العام 2021 تمخض بعد جهد طويل عن زيادة ليست بالكبيرة على الراتب الشهري، وبدت غير مرضية للمعلمين المحتجين بعد أن تم تداول سلم الرواتب الجديد الصادر عن عدة مجالس محلية في المنطقة.

 

 

مصادر محلية متطابقة قالت لموقع تلفزيون سوريا إن "المعلمين والمهندسين وذوي الخبرات والكفاءات العلمية كانوا في ذيل السلم من حيث حجم الراتب والزيادة في حين كاد أعضاء المجلس يتصدرون السلم على الرغم من أن معظمهم وصل إلى منصبه عن طريق التزكية وتمثيل العسكريين والعائلات الكبيرة، ومعظمهم ليسوا من أصحاب الكفاءات أو ذوي الاختصاص ولا يملكون شهادات تؤهلهم لشغل المناصب".

أضافت المصادر "من غير المستغرب أن يشغل منصب مسؤول مكتب الزراعة أو الرياضة أو شؤون والدعم الإنساني شخص من دون أي مؤهلات علمية أو سابق تجربة وخبرة، ووصل منصبه فقط لأنه مدعوم من الفصيل العسكري الفلاني أو ممثل عن العائلة الفلانية، وهذا أحد أهم العوامل التي تزيد نقمة المجتمعات المحلية على عمل المجالس وتشكيلتها. ناهيك عن دورها السلبي في التفاعل مع مطالب المحتجين، إن كان للمعلمين سابقاً، أو للاحتجاج بسبب أسعار الكهرباء مؤخراً".

 

 

الباحث في الشأن السوري محمد السكري يرى أن "مناطق المعارضة تعاني من سوء إدارة واضح وغياب شبه تام لأي خطط تنفيذية تابعة للحكومة السورية المؤقتة أو المجالس المحلية، وفي الأصل لا يوجد تبعية إدارية تراتبية بين المجالس المحلية والحكومة، وفي الغالب الإشراف التركي وتدخل العسكريين في الفصائل المعارضة في هذه المناطق من خلال فرض السياسات والتعيينات تكاد تكون أكبر من صلاحيات المؤقتة والمجالس نفسها، بالتالي معايير الكفاءة والتحصيل الأكاديمي غائبة عن الشخصيات التي يتم تعيينها".

أضاف السكري لموقع "تلفزيون سوريا" أنه "من الطبيعي أن تكون النتائج سيئة من حيث الإدارة والتوجيه وسط منظومة يسودها الفساد وتفشي الفوضى والمحسوبيات، وهذه الأسباب مجتمعة جعلت الناس مستاءة بشكل كبير من تكرار نماذج في الأصل هي ثارت ضدها لأسباب مشابهة مع الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات في السياق".

تابع السكري "باتت مناطق المعارضة بحاجة أكثر من أي وقت مضى للتخلي عن سلوكها في التعاطي مع الملف التنفيذي وهذا يمكن في البداية بالاستجابة لمطالب المحتجين المحقّة قبل أن تتحول لاحتجاجات واسعة وأكثر تعقيداً يستفيد منها نظام الأسد، وهذا يمكن العمل عليه عبر إعادة النظر بالشخصيات التي تقوم على تسيير سياسات المؤقتة والمجالس، فهناك مشكلة واضحة في هذه السياسات وبمن يقوم بتنفيذها".

الحاجة لوجود شخصيات مختصة في المجالس المحلية

يضيف " المعارضة بحاجة لشخصيات تكنوقراطية مختصة والاستثمار بالقدرات الكبيرة الموجودة في الشمال السوري، بالرغم من أن الإشكال يبدأ من هرم جسم المعارضة الائتلاف وضعفه سياسياً وتنفيذياً إلا أن الحكومة المؤقتة والمجالس مطالبة بتحرك سريع من القاعدة إلى الهرم طالما أن عملية الإصلاح من الهرم معقدة، ويبدو أنه يجب إقناع الجانب التركي بضرورة الانتقال من نموذج التعيينات إلى الانتخابات المحلية في المجالس حتى يشعر الناس بأنهم هم من يقومون بإدارة مناطقهم، ولعل هذه من الأسباب الرئيسية التي تدفع المتظاهرين بشكل متكرر للتظاهر وسط عدم وجود شفافية وتمثيل حقيقي لهم ناهيك عن سوء الإدارة والفساد الكبير".

تبدو المعارضة السورية متخوفة فعلياً من استثمار نظام الأسد في الاحتجاجات وأزمة المعيشة المتصاعدة في ريف حلب وإدلب أيضاَ، فمن ناحية يمكن لنظام الأسد دعم روايته التي تتحدث عن تحسين الواقع المعيشي في مناطق سيطرته من خلال نقل أحداث الاحتجاجات المتصاعدة في مناطق المعارضة، ومن ناحية أخرى يمكن للنظام الاستثمار في الحدث ومهاجمة تركيا والمعارضة واتهامها بالفشل في تأمين الخدمات للسوريين في الشمال، وبالفعل بدأت صفحات ومواقع إعلامية محسوبة على النظام والميليشيات الموالية له، وبالتحديد في حلب بنقل أحداث الاحتجاجات والمبالغة في سرد مسبباتها.

أزمة المعيشة وفرضيات دعم الاستقرار

يبدو أن العامل الاقتصادي هو العامل الأهم الذي قد يغذي الاحتجاجات ويكون مسؤولاً عن توسعها في حال تصاعدت واستمرت في ريف حلب وعموم مناطق المعارضة شمال غربي سوريا، ولا بدّ من التفكير بطريقة مختلفة بخصوص معالجة مشكلات المنطقة وأزمة المعيشة ومسبباتها من بطالة وفقر وقلة في فرص العمل، وإن أي حلّ إن لم يُعنَ بمعالجة الفقر لن يُكتب له النجاح.

قال الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر لموقع "تلفزيون سوريا" إنَّ " الفقر هو أساس المشكلات اليوم في المنطقة، لذا لن يكون هناك حل سوى التفكير بخلق فرص عمل للشباب والقضاء على البطالة من خلال دعم مختلف قطاعات العمل الصناعي والزراعي والتجاري، ودعم المشروعات الصغيرة التي تعتمد على المواد والمواد الخام المحلية واليد العاملة المحلية الماهرة الرخيصة، وتركيا معنية أكثر من أي وقت مضى بإيجاد حلول ولو في الحدود الدنيا، والمساعدة في فرض الاستقرار الاجتماعي وبالتالي الأمن المجتمعي من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة فلا بد من التفكير بما يعين الناس بعيدًا عن الصدقات والسلة الغذائية".

يضيف السيد عمر "دعم المناطق الصناعية الحرة في مناطق المعارضة يبدو أحد أهم الحلول للمنطقة التي تعاني من الفقر، فالمشروع المفترض سوف يمثل البديل للشباب العاملين مع الفصائل برواتب وأجور رمزية، وسيعمل على استقطابهم ودمجهم في الدورة الاقتصادية لا سيما أن عدداً من الفصائل تحول دورها إلى سلبي في الشمال السوري".

يرى وزير المالية والاقتصاد في الحكومة المؤقتة عبد الحكيم المصري أن ما يحصل اليوم من حراك احتجاجي في ريف حلب كان متوقعاً، وهو نتيجة طبيعية لارتفاع مستوى التضخم في المنطقة والذي وصل إلى 90 في المئة تقريباً، فإن ارتفاع أسعار السلع والخدمات بما فيها الكهرباء بمعدلات كبيرة شكل صدمة للناس لأنه لم يتزامن مع زيادة الرواتب والأجور والتي بالعادة تغطي هذا التضخم في الدول المستقرة، كتركيا مثلاً.

 

وحول فكرة دعم المشاريع الصغيرة والمناطق الصناعية الحرة وإيجاد حلول للأزمة المعيشية المتصاعدة في مناطق المعارضة قال المصري خلال حديثه لموقع "تلفزيون سوريا": "زرت عدداً من المناطق الصناعية الناشئة في المنطقة، في الراعي والباب وغيرها، وهناك جهد وسعي دؤوب للنهوض بهذه المشاريع الحيوية، وقد بدأت بعضها تستقطب اليد العاملة فعلاً".

بالفعل، شهدت عدة مناطق ومدن، مثل الباب والراعي وغيرها، نشوء مشاريع إنتاجية صغيرة تشغل بين 20 و40 عاملاً، لكن أثر هذه المناطق الصناعية لن يظهر في المستقبل القريب، المسألة تحتاج إلى وقت وظروف مواتية لتطوير العمل، وحصاد النتائج على مستوى تحسن الوضع المعيشي وتخفيض نسب البطالة في المنطقة لن يكون سهلاً، لذا لا بد من تحرك عاجل، على الأقل زيادة مجزية في الرواتب تشمل المجندين في الفصائل أيضاً، لتغطي نسب التضخم المرتفعة، وتمكن الناس من التعايش مع الغلاء الحاد الذي طال مختلف نواحي الحياة المعيشية، هذا بالإضافة للإجراءات والحلول المفترضة فيما يخص تحسين العمل المؤسسي وتطهير المجالس من الفساد والمحسوبية، وتطوير منظومة العمل المدني.