اتهامات بطعم الهزيمة

تاريخ النشر: 17.06.2018 | 00:06 دمشق

آخر تحديث: 21.06.2018 | 10:42 دمشق

­­­­­­تساءل مؤخراً قيادي بارز في جماعة الإخوان المسلمين السورية: ماذا قدّم العلمانيون للثورة؟، وبالطبع ليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها توجيه هذا السؤال بصيغة أو بأخرى، فقد أطلقت العديد من التساؤلات حول دور العلمانيين في الثورة السورية، وكانت معظمها تأتي كردود على نقد سلوك القوى الإسلامية السياسية والعسكرية على حد سواء، وفي غير مرة كان الاتهام الموجه للعلمانيين يقوم على رؤية شعبوية فيها الكثير من السخرية، خصوصاً لجهة عدم وجود قوى مسلحة علمانية تقاتل قوات النظام، في الوقت الذي تحمّل فيه الإسلاميون عبء حمل السلاح وقتال قوات النظام والميليشيات الداعمة له.

ومن الطبيعي أن يفهم من سؤال قيادي بارز في الجماعة هو ملهم الدروبي وجود جرح كبير لدى الإسلاميين بما يخص مشروعهم السياسي، فهذا النوع من الأسئلة لا يطلق عادة في السياسة إلا في حالتين، الأولى هي إحراز جماعة سياسية نصراً ساحقاً، يجعلها تقلل من تضحيات القوى الأخرى، لتقوم بحصد أكبر قدر من المكاسب السياسية على حساب الآخرين، والحالة الثانية هي حالة الهزيمة الساحقة، والتي تجعلها ترد عن نفسها التهمة بالفشل، وإفشال مشروع التغيير، لتقول بأننا على الأقل قمنا بواجبنا، في الوقت الذي تقاعس فيه الآخرون.

إن الحالة الراهنة لا تحمل أي نصر سياسي أو عسكري للقوى الإسلامية، بل على العكس من ذلك، فقد عرفت القوى المسلحة الإسلامية خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة انكسارات كبيرة، ابتداءً من معركة حلب، في نهاية شهر يوليو/ تموز 2016، والتي كانت معركة عسكرية وسياسية فاصلة، حملت معها تراجع المواجهة العسكرية بين القوى الإسلامية وبين قوات النظام، والتي أسهمت فيها، بشكل حاسم، القوات الجوية الروسية، ومنذ ذلك الحين راحت القوى الإسلامية العسكرية تخسر مواقعها بشكل تدريجي، وصولاً إلى إخراج "جيش الإسلام" من الغوطة الشرقية.

وفي هذا السياق، ربما من الواجب أن تقوم القوى الإسلامية، وعلى الأخص الإخوان المسلمين بمراجعة الدور الذي قامت به، والكشف عن الأخطاء التي وقعت فيها، وهو أمر سيكون أجدى ألف مرة من رمي الكرة في ملعب الآخرين، ومن المفيد هنا في سياق وضع الأمور في نصابها التاريخي، وفي نصاب المسؤولية الوطنية والسياسية التذكير بالحقائق التالية:

  1. إن الحراك الشعبي السوري في منتصف مارس/ آذار 2011 كان حراكاً مدنياً خالصاً، شاركت فيه مجموعات شبابية غير منتمية، في معظمها، إلى تيارات سياسية، وقد دفع شباب وشابات سورية ثمناً كبيراً في مواجهة قمع النظام، في الوقت الذي كان فيه الإخوان المسلمون خارج سوريا منذ عام 1979، ولم يكن لهم أي تواجد فاعل منذ ذلك الوقت، وقد شكّل الحراك المدني السوري فرصة تاريخية لعودة الإخوان المسلمين إلى ساحة العمل السياسي.
  2. نتيجة لتقاطعات إقليمية ودولية عديدة، ونتيجة للقراءة الأمريكية للربيع العربي، فقد أخذ الإخوان المسلمون حصة وازنة في تشكيل "المجلس الوطني السوري"، والذي تأسس في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، في إسطنبول، وقد حازوا نتيجة لذلك الموقع إمكانات كبيرة، أهمها القرار السياسي ضمن المجلس نفسه، والذي استعادوا فيه تحالفهم مع "حزب الشعب"، وهو الاسم الجديد لحزب "المكتب السياسي-الحزب الشيوعي"، بزعامة رياض الترك التاريخية، وهو من المفترض أنه حزب علماني.
  3. بقيت هيمنة الإخوان المسلين قائمة على "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة"، والذي تأسس في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني 2012، والذي ترأسه حينها معاذ الخطيب، وهو رجل دين إسلامي، واستكمل الائتلاف مسيرة الانقسامات السياسية والتخبط الذي عاشها "المجلس الوطني"، ولم يستفد من الدعم الدولي الكبير الذي ناله، ووصل إلى أكثر من مائة دولة.
  4. لم تصدر جماعة الإخوان المسلمين أي بيان تدين فيه القوى المتطرفة التي ظهرت على ساحة العمل العسكري السوري، وظلت تنأى بنفسها عن مواجهة تلك القوى، انطلاقاً من قناعتها بأن التناقض الرئيس هو مع النظام السوري، وأن الأولوية هي لإسقاط النظام، وأنه بعد إنجاز هذه المهمة يمكن التفاهم مع القوى العسكرية، بما فيها القوى المتطرفة، بل إنها وجدت بأن الصراع بين النظام والقوى المتطرفة قد يصبّ في مصلحتها، لجهة إضعاف النظام، والتعجيل بسقوطه.
  5. ليس خافياً على جماعة الإخوان المسلمين، أو جميع القوى الإسلامية، بأن القوى العلمانية في معظمها لم تستفد من الدعم المالي والدولي، والذي ذهب في معظمه إلى القوى الإسلامية، خصوصاً أن الدول التي قدّمت المال بسخاء هي دول محافظة إيديولوجياً، بل إنها على تناقض صارخ مع أي توجه علماني.
  6. إن معظم القوى العلمانية وقفت بشكل واضح ضد التسليح، انطلاقاً من قراءة محددة، مفادها بأن تسلّح الثورة سيجعلها رهينة بيد الدول الداعمة، وهو ما سيجعلها تذهب نحو منحىً طائفي، وربما كان الدكتور عبد العزيز الخير، والمغيب حتى الآن في سجون النظام، من دون أن يعرف مصيره، هو أبرز من أدلى بوجهة نظر متكاملة حول هذا الموضوع.
  7. إن القوى العلمانية في سوريا، بقيت منذ الاعتقالات في عام 1979، تناضل داخل سوريا، ودفعت نتيجة عملها السري ثمناً كبيراً من حياة كوادرها، واستعادت جزءاً من نشاطها في ربيع دمشق، وقام النظام باعتقال أهم كوادر ربيع دمشق لسنوات.

إن جردة حساب حول الدور الذي قامت به القوى السياسية السورية خلال الثورة هو أمر مهم، لكن لا يمكن أن تنطلق جردة الحساب المطلوبة من موقع الاتهام، بل من موقع النقد الضروري والموضوعي، كما أن الذين كانوا في الصفوف الأمامية لقيادة العمل السياسي يجب أن يتحلّوا بالمسؤولية في النقد، وربما من الأجدى دائماً تقديم درس في التواضع، بحيث أن تنطلق القوى والشخصيات من نقد نفسها، قبل أن تقوم بنقد واتهام الآخرين.