أعلنت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في سوريا، في 11 من الشهر الجاري، إصدار نشرة جديدة للرسوم الجمركية الموحدة، تشمل جميع المنافذ البرية والبحرية والمطارات، وبدأ العمل بها فوراً. وتضمنت النشرة المعابر التركية التي كانت تصدر منتجاتها إلى الشمال السوري بجمارك شبه معدومة نتيجة للحصار الذي كان يفرضه النظام على المنطقة.
وأتى هذا القرار بعد سلسلة اجتماعات جمعت حكومة تصريف الأعمال، ممثلة بوزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية، مع الصناعيين السوريين الذين عبّروا عن مخاوفهم من منافسة البضائع الأجنبية، خاصة الواردات التركية.
وتسببت النشرة الجديدة للرسوم الجمركية في سوريا بردود فعل واسعة بين المصدرين الأتراك، الذين عبّروا عن استيائهم عبر وسائل الإعلام المحلية. صرّح جلال كادو أوغلو، رئيس اتحاد مصدري الحبوب والبقوليات والبذور الزيتية ومنتجاتها في جنوب شرقي الأناضول، لموقع (ekonomim) قائلاً: "نواجه أزمة حادة على الحدود. حالياً، لا يمكننا تصدير أي شيء إلى سوريا".
وأوضح علي جان يمان يلماز، عضو مجلس قطاعات المصدرين الأتراك (TİM) ونائب رئيس اتحاد مصدري الأسماك والمنتجات الحيوانية في البحر الأبيض المتوسط (ASHİB)، أن "زيادة الرسوم الجمركية منذ 11 كانون الثاني تسببت في توقف شبه كامل للتجارة مع سوريا".
وأشار يمان يلماز، في حديثه للموقع ذاته، إلى أن سوريا تُعد السوق الحادي عشر الأهم للقطاع التركي في المنتجات السمكية والحيوانية. وأضاف: "هذه الزيادة المفاجئة في الرسوم الجمركية أدت إلى ارتفاع تكاليف التصدير، تراجع الطلب، وخسارة الأسواق، مما سيؤثر سلباً على المصدرين، خاصة في منطقة البحر الأبيض المتوسط".
أزمة الرسوم الجمركية.. إعلان يقابله نفي
اتخذت تركيا خطوات دبلوماسية وتجارية لمواجهة آثار قرار الحكومة السورية بتوحيد الرسوم الجمركية. وأعلنت وزارة التجارة التركية، وفقاً لموقع (CNBC-e) التركي، أن الجهود مستمرة لتحسين الخدمات الجمركية في المعابر الحدودية.
وبالتزامن مع زيارة وفد سوري برئاسة وزير الخارجية حسن الشيباني إلى أنقرة، أجريت محادثات رفيعة المستوى مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ووزير الخارجية هاكان فيدان، ووزير الدفاع يشار غولر، ورئيس المخابرات إبراهيم كالن، تناولت عدة قضايا، من بينها أزمة الرسوم الجمركية.
ويوم الإثنين، أعلن وزير التجارة التركي، عمر بولات، خلال كلمته في حفل "يوم الجمارك العالمي" الذي أُقيم في أنقرة، أن سوريا خفضت الرسوم الجمركية على 269 منتجاً. وأضاف: "اتفقنا مع سوريا على إعادة تفعيل اتفاقية التجارة الحرة بين بلدينا، ومراجعة الرسوم الجمركية على بعض المنتجات".
ومن جهته، نفى مازن علوش، مدير العلاقات في المنافذ البرية والبحرية السورية، صدور أي قرار من الجانب السوري بتخفيض الرسوم الجمركية على أي منتج تركي. وأوضح في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن اجتماعاً عُقد مع الجانب التركي لمناقشة إعادة تفعيل اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين ومراجعة الرسوم الجمركية، إلا أن الإدارة السورية لم تتخذ أي قرار بهذا الخصوص حتى الآن.
وقال المخلص الجمركي في معبر باب السلامة، أحمد مريميني، في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن قرار تعديل الجمارك ورسوم الترسيم أحدث تغييراً في حركة التجارة بين تركيا وسوريا. وأضاف: "رغم الانتقادات، بدأت تظهر نتائج إيجابية تمثلت بانتقال العديد من المصانع السورية من تركيا إلى الداخل السوري".
وأشار مريميني إلى أن الإدارة السورية الجديدة تعمل على تسهيل عودة الصناعيين من خلال إعفاء المصانع القادمة من تركيا من الضرائب، وتقديم إعفاء كامل من الجمارك للآلات والمعدات عند إدخالها إلى سوريا.
اتفاقية التجارة الحرة.. هل تحل أزمة الرسوم؟
وتزايدت الدعوات من الجانب التركي لإعادة تفعيل اتفاقية التجارة الحرة الموقعة مع سوريا عام 2004، والتي بدأ تنفيذها مطلع العام 2007، واعتمدها البرلمان التركي بقرار نشر على موقعه الرسمي، باعتبارها حلاً لأزمة الرسوم الجمركية التي تفاقمت مؤخراً بين البلدين.
وفقاً لبيانات وزارة التجارة التركية، بلغت قيمة الصادرات التركية إلى سوريا خلال العام الماضي 2.2 مليار دولار، وتضمنت سلعاً رئيسية مثل القمح، ومنتجات الحديد والصلب، والإسمنت. في المقابل، وصلت واردات تركيا من سوريا إلى 437 مليون دولار، وكان معظمها من المنتجات الزراعية.
ويُعتبر حجم التجارة في عام 2024 قريباً من مستوياته في الفترة التي سبقت الثورة السورية. ووفقاً لوكالة (رويترز)، بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا وسوريا في عام 2010 نحو 2.5 مليار دولار، قبل أن يتم تعليق العمل باتفاقية التجارة الحرة بين البلدين عقب اندلاع الثورة السورية.
وبحسب صحيفة (Cumhuriyet) التركية، بلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا وسوريا في عام 2008، بعد عام واحد من دخول اتفاقية التجارة الحرة حيز التنفيذ، 1.8 مليار دولار، مسجلاً زيادة تتجاوز 50 في المئة. جاء ذلك وفقاً لتصريحات الرئيس التركي آنذاك، عبد الله غول، خلال زيارة رسمية إلى سوريا أجراها في أيار 2009.
تشير هذه الأرقام إلى اعتماد الشمال السوري بشكل كبير على الصناعات والصادرات التركية خلال السنوات الماضية، نتيجة للحصار الذي فرضه النظام السوري على تلك المناطق. ومن المتوقع أن تتضاعف هذه الأرقام بعد الإطاحة بالنظام السوري في كانون الأول الماضي، وهو ما أثار تحذيرات الصناعيين السوريين لحكومة تصريف الأعمال بشأن تأثير ذلك على الإنتاج المحلي.
تخفيض تدريجي حتى 47 في المئة
تنص اتفاقية التجارة الحرة، المنشورة على موقع غرفة صناعة دمشق وريفها، على فترة انتقالية تصل إلى 12 عاماً كحد أقصى يتم خلالها تخفيض الرسوم الجمركية وإلغاؤها على مراحل مختلفة.
المنتجات ذات الرسوم المنخفضة بين 1 في المئة و3.5 في المئة تُلغى رسومها بالكامل فور دخول الاتفاقية حيز التنفيذ، في حين يتم تخفيض الرسوم المتوسطة التي تتراوح بين 5 في المئة و14.5 في المئة تدريجياً خلال مدة تتراوح بين 3 و6 سنوات. أما الرسوم المرتفعة التي تصل إلى 47 في المئة، فيتم إلغاؤها تدريجياً خلال فترة تتراوح بين 9 إلى 12 عاماً.
وتمنح الاتفاقية سوريا حق اتخاذ إجراءات استثنائية خلال الفترة الانتقالية لحماية صناعاتها الناشئة أو القطاعات المتضررة اقتصادياً. يسمح لسوريا بفرض رسوم جمركية مؤقتة تصل إلى 25 في المئة على المنتجات المستوردة من تركيا لفترة لا تتجاوز 5 سنوات، مع إمكانية التمديد بموافقة لجنة الشراكة.
وتشمل الاتفاقية أيضاً إلغاء القيود الكمية على الواردات والصادرات بين البلدين فور دخولها حيز التنفيذ، مع الالتزام بعدم فرض ضرائب تمييزية على المنتجات المستوردة. وعند انتهاء الفترة الانتقالية للتطبيق، يُفترض أن تكون جميع الرسوم الجمركية ذات الصلة قد أُزيلت بشكل كامل، إلا إذا تم الاتفاق على استثناءات أو تمديدات خاصة لبعض المنتجات من خلال لجنة الشراكة.
وفيما يخص الصادرات السورية إلى تركيا في الوقت الحالي، قال مريميني: "تشمل الصادرات إلى تركيا الحبوب بأنواعها والقطن، لكن تصدير هذه المواد يتطلب موافقة مسبقة من الجانب التركي". وأضاف: "بعض مواد الترانزيت مسموح بتصديرها عبر الأراضي التركية، بينما تُمنع مواد أخرى، مما يستدعي الحصول على موافقات خاصة أيضاً".
لم يصدر عن الجانبين، التركي أو السوري، أي توضيح عما إذا كانت الفترة الانتقالية المحددة بـ 12 عاماً في اتفاقية التجارة الحرة تُحتسب بالرغم من تعليق العمل بها منذ 2011، أم أنها ستُمدد أو يعاد احتسابها عند تفعيل الاتفاقية مجدداً. وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات متعددة، سواء بإعادة تفعيل الاتفاقية بصيغتها الحالية، أو التفاوض حول شروط وآليات جديدة تتناسب مع المتغيرات السياسية والاقتصادية التي طرأت في الفترة الأخيرة.
تعميم رسمي يكشف إعفاءات واستثناءات جمركية
أصدرت وزارة الاقتصاد والتجارة السورية تعميماً رسمياً يوضح تفاصيل الاستثناءات الجمركية المتعلقة باتفاقية التجارة الحرة بين سوريا وتركيا، ووفقاً لما ورد في الملحق رقم (1) المرفق بالاتفاقية، فإن المواد المستثناة تشمل منتجات كيميائية وزراعية وصناعية وأخرى خام تُستخدم في صناعات متخصصة.
وتضمنت القائمة مشتقات الحليب مثل الزبدة التي تحتوي على نسبة دهون تتجاوز 80 في المئة، والتي تُستخدم في صناعات غذائية خاصة أو غير مخصصة للاستهلاك البشري. بالإضافة إلى ذلك، تشمل الاستثناءات المواد المستخدمة في تبييض الأنسجة والورق، مثل حاملات الصباغ، والتي تُعتبر ضرورية للصناعات التحويلية.
وبحسب غرفة صناعة غازي عنتاب، نقلاً عن وزارة التجارة التركية في مطلع شهر شباط من عام 2007، جرى اجتماع بين المستشار التجاري التركي في دمشق ومسؤولي إدارة الجمارك السورية بشأن تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة. وأوضح المسؤولون السوريون خلال الاجتماع أن القانون رقم 56، الذي يُعفي الوثائق المتعلقة بالمنتجات التركية من رسوم التصديق القنصلي، قد دخل حيز التنفيذ اعتباراً من 1 كانون الثاني 2007.
وشمل ذلك إلغاء رسوم التصديق القنصلي التي كانت تُدفع بنسبة 1.5 في المئة من قيمة الفاتورة لكل منتج مستورد من تركيا، بالإضافة إلى إلغاء رسوم شهادة المنشأ التي كانت تبلغ 16 دولاراً لكل شهادة، وإلغاء إلزامية تصديق الفواتير وشهادات المنشأ من القنصلية. كما تقرر إصدار شهادات حركة البضائع "EUR.1" لتوثيق المنتجات ضمن التجارة التفضيلية بين البلدين. وتم إبلاغ السلطات الجمركية السورية بهذه التعليمات لضمان تطبيقها.
وتُظهر أزمة الرسوم الجمركية الحالية بين سوريا وتركيا مدى تعقيد العلاقات الاقتصادية بين البلدين، حيث تتشابك المصالح التجارية مع العلاقات السياسية التي تعمقت عقب سقوط النظام. وفي حين تسعى تركيا لاستعادة التعاون الاقتصادي عبر إعادة تفعيل اتفاقية التجارة الحرة، يبدو أن القرار السوري يعكس توجهاً لدعم الصناعات المحلية والحد من الاعتماد على الواردات الخارجية.
يبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة الاتفاقية على استعادة التعاون التجاري إلى ما كان عليه قبل سقوط النظام، سواء في مرحلة ما قبل الثورة أو بعدها. ومع تصاعد الحديث عن مشاريع إعادة الإعمار، يبرز تساؤل آخر حول إمكانية إحياء الشراكة الاقتصادية بين الجانبين، وتأثير ذلك على الأسواق السورية والصناعات التركية، في ظل تحديات قد تعيد رسم ملامح التعاون التجاري بين الطرفين.

