اتفاقيات خفض التصعيد لتحجيم رقعة الثائر

تاريخ النشر: 18.06.2018 | 00:06 دمشق

نجح النظام السوري باصطياد عصفورين بحجر واحد، عندما فرغ المدن الثائرة من مقاتليها عبر اتفاقيات التهجير بعد فشله في الحسم العسكري رغم هول الأحداث الدموية التي نفذها، وأولى مكاسبه تجلت بتحجيم الرقعة الجغرافية للثورة، والثانية عندما سلخ الحاضنة المدنية عن الشق العسكري، وكلاهما عاد عليه بفوائد رغم صغر حجمه أمام حجم التداول الدولي للملف السوري.

التهجير القسري لمدنيي وعسكري وناشطي الثورة ممن رفضوا مصالحة نظامه نحو الشمال، عاد على نظام الأسد بتعاظم تعداد المدن والبلدات التي كان لها قداسة ورمزية كبيرتان في حياة شعب الثورة، ومع كل مدينة أسقطتها التفاهمات والاتفاقيات السياسية الدولية، كانت تنحسر رقعة الثورة تدريجياً، وتزداد جغرافية الأسد شكلياً، أما مضموناً فكانت توسعاً عسكرياً للإيرانيين والروس.

عجز روسيا عن التفرد بإدارة جغرافية سوريا، أوجدت ما يُسمى مناطق "خفض التصعيد"، لتعمل من خلالها على طي الثورة في غالبية المواقع الممكنة، مقابل إيجاد حدود واقعية لمساحات النفوذ التي تم اقتطاعها من قبل كل دولة وفق مصالحها الخاصة.

لا بد من وقفة طويلة أمام اتفاقيات خفض التصعيد التي فرزتها اجتماعات أستانا، إذ إن جميع المدن التي فرغت الثورة المسلحة منها، ابتداء من غوطتي دمشق، وصولاً إلى جنوب العاصمة فالقلمون، ومروراً بوسط سوريا، كانت تتبع لتلك الاتفاقيات، وما بين جولة تفاوضية وأخرى، كانت عملية قضم جغرافية الثورة مستمرة، ومع وصولنا للجولة الأخيرة من أستانا، والتي بدت واضحة بأن هدفها رسم حدود بين النظام والثورة من جهة، وبموازاة ذلك حياكة حدود بقواعد عسكرية بين ضامني الاتفاق أنفسهم، بالإضافة إلى تقاسم النفوذ بين الأطراف الدولية المتعاركة على الخارطة السورية.

عجز روسيا عن التفرد بإدارة جغرافية سوريا أوجدت ما يسمى بمناطق "خفض التصعيد" لتعمل من خلالها على طي الثورة

وفي نظرة فاحصة لمخرجات اتفاق خفض التصعيد في سوريا، نراها تحولت وبالاً وكوابيس على السوريين، سواء المهجرون منهم أو ممن اختاروا البقاء في أحيائهم، فالمهجرون المدنيون نحو الشمال السوري، يعيشون أوضاعاً إنسانية كارثية، أما المقاتلون المهجرون فأصبحت خياراتهم تجاه نظام الأسد معدومة من الناحية العسكرية، ومن الناحية السياسية فالحل بات بيد المجتمع الدولي والدول الكبرى التي تماطل ولا تكترث لإيجاد مخرج لسوريا رغم الحالة الكارثية التي آلت إليها.

من المعلوم، أن مقاتلي المعارضة المهجرين نحو الشمال السوري، لم يعد بإمكانهم فتح أي معركة ضد قوات النظام أو الميليشيات الإيرانية طالما أن الاتفاقيات السياسية بقيت سائدة، علماً بأن أي فشل أو تصادم بين الدول الضامنة، قد يعيد الحرب بصورة أقوى، وهذا ما تنطق به المجازر والضربات الجوية التي شهدتها محافظة إدلب قبل أيام، على يد النظام وروسيا عندما حصل تفاهم بين الأمريكيين والأتراك حول ملف منبج بريف حلب، شمال البلاد، فكان الرد الروسي واضحاً، بأن أي تقارب تركي مع واشنطن، سيكلف تركيا نسف تفاهمات أستانا، ولا خطوط حمراء.

الانكسارات العسكرية للثورة في سوريا، كان من الممكن تلافي انكساراتها، إلا أن التهجير القسري للمدنيين والعسكريين، خلط المشهد إلى أبعد الحدود، وأدخل الجغرافيا المنهكة بالصراعات الدولية نفقاً مظلماً، كسبت فيه كافة الأطراف ما عدا السوريين نظاماً وثورة.

وروسيا لم تكن يوماً واحداً جادة في إيجاد حل سياسي للقضية السورية، بل على عكس ذلك تماماً، فهي دخلت بقوة عسكرية كبيرة إلى سوريا لعلمها أن أي حل سياسي مهما كان مجحفاً بحق السوريين، ستكون الهزيمة الكبرى فيه للأسد، وأن نظامه لا نصيب له في مستقبل البلاد، وهذا ما تؤكده تداولاتها السياسية من خلال منصة على غرار جنيف، ومشاريع سياسية وهمية كاللجان الدستورية أو غيرها.

نعم، اتفاقيات خفض التصعيد قضمت جغرافية الثورة، وطبق ذلك بشكل تدريجي عاشته كل مدينة أو بلدة على حدة، من قصف مركز واتّباع لسياسة الأرض المحروقة، وصولاً لإنهاك المدنيين وجعل عسكريي الثورة يقبلون بالتهجير كحل ولا حل غيره للنجاة بالحياة، ولم تكن تلك الضغوط لتنجح وتُنفذ لولا صمت المجتمع الدولي الذي اكتفى بالتنديد والمطالب الخجولة، وهذا الموقف على ما يبدو كان ضوءاً أخضر للروس بتطبيق التفاهمات بالطريقة التي تراها مناسبة.

الأسد، أصل البلاء، انتقم من الثورة السورية أشد انتقام، فشرّع الحدود أمام الحلفاء المحتلين، وقدّم لهم الجغرافية على طبق من ذهب، وقد نجح إلى حد كبير في الإيفاء بوعده "الأسد أو نحرق البلد" الذي أطلقه مع بداية الاحتجاجات في المحافظات السورية، لينتهي المطاف بسوريا متعددة النفوذ والاحتلالات، لا قرار له فيها، وكذلك بات حال ممثلي الثورة من عسكريين وسياسيين.

اتفاقيات خفض التصعيد قضمت جغرافية الثورة، وطبق ذلك بشكل تدريجي عاشته كل مدينة أو بلدة على حدة من قصف مركز واتباع لسياسة الأرض المحروقة

وما ساعد الأطراف الإقليمية والدولية على تنحية السوريين جانباً، وجعلهم دون تأثير، ما فعله النظام القابع في دمشق من إبعاد السوريين عن الحياة السياسية، والأزمات الحادة التي تعيشها البلاد اليوم، تحتاج إلى قوة سياسية مخضرمة ذات تجارب قادرة على انتزاع سوريا من المخالب الروسية والإيرانية التي عبّد الأسد الطريق أمامها لتثبيت احتلالاتها لسوريا.

حتى من اختار من السوريين البقاء في منازلهم بمناطق التهجير، أصبحوا لقمة سائغة للنظام، يسوق الشباب والرجال نحو التجنيد الإجباري، ويجبر بقيةَ الأهالي على مصالحته وكأنهم هم الجلادون وهو الضحية لا العكس، ليس هذا فحسب، بل عادت آلة الرعب لتنسج خيطوها مجدداً، واستحوذ الأسد على الأرض، واستملك من فوقها.

من غير المنطقي أن يهاجر أو يهجر كامل الشعب، وهذا لا يعني أن من بقي دون تهجير، قد قرر اغتيال الثورة في قلبه، ولكن المدني السوري، هو أكثر المتضررين، بغض النظر أين كان قلبه متعلقاً، فعندما كان يساند الثورة ومنخرطاً فيها، كان يُعتقل ويقتل ويهجر، وعندما عادت سطوة الأسد، بات وَقوداً لحربٍ لم ترحم كبيراً أو صغيراً، إما يقتله الأسد أو يجعله قاتلاً.

إلا أن روسيا وإيران مع النظام، نجحوا من خلال عمليات التهجير، في سلخ الحاضنة المدنية عن خيار الحسم العسكري، وأطراف ذلك المحور تدرك جيداً حقيقة المصالحات والتسويات بأنها مجرد أداة لتوليد رأي عام كاذب يظهر فيه الأسد منتصراً، وكذلك محاولة فرضه على السوريين بالقوة كما فعلوا في تنصيبه بسدة الحكم زوراً وتلاعباً.

وبعد سبع سنوات من الحرب الضروس، يمكننا القول إن جميع الأطراف كسبت من إطالة أمد الحرب وتحولاتها في سوريا، إلا النظام والثورة، باتوا الأطراف الوحيدة الخاسرة، لا غالب بينهما، وتصبح الجغرافيا حقل رماية وتدريب للقوى الكبرى، ورقعة ممزقة، يصعب تلافيها بالإمكانيات المتوافرة.