اتحاد كتاب النظام وحروبه الخاصة

تاريخ النشر: 24.03.2022 | 05:28 دمشق

لا أدري إن كان ما حصل معي وأنا أحاول زيارة موقع اتحاد الكتاب العرب في سوريا، التابع للنظام، أمرٌ استثنائي أو هو مجرد مشكلة تقنية عابرة، إذ ظهرت أمامي رسالة بالإنكليزية تقول:

"Forbidden -Visitors from your country are not permitted to browse this site"

أي أن زيارتي للموقع ممنوعة، حيث لا يسمح هذا الموقع للزائرين من "بلدي"، أي فرنسا، حيث أقيم، بدخوله!

لست متيماً بهذا الموقع، ولا بمؤسسته التي لم أنتسب لها مطلقاً. وفعلياً وطوال حياتي في دمشق، لم أزر مبنى الاتحاد في أوتوستراد المزة سوى مرات قليلة، اضطررت للقيام بها، كي أحررَ محاسب جريدة الأسبوع الأدبي من بقاء مبلغ مالي في عهدته، سيمنعه من إنهاء ملف سنة منقضية، بعد أن شاركت لمرتين أو ثلاث، في الكتابة لملفات أعدها أصدقاء، لصالح هذه المطبوعة.

لكنني أقوم ومنذ خروجي من سوريا مضطراً قبل تسع سنوات، بعد أن صرت خطراً على أمن الدولة، أعاود كل شهر زيارة المواقع الإلكترونية لغالبية المؤسسات الثقافية والإعلامية الرسمية، لرؤية ما يجري فيها، وما تنشره من مقالات وأخبار، وحين يلفت انتباهي أمرٌ ما بالتأكيد أقوم بالكتابة عنه، أو تضمينه في مسار متابعاتي.

عملياً، لا أستطيع القول إنني مهجوس بالمحتوى الإبداعي للكتاب المنضوين في مؤسسة اتحاد كتاب علي عقلة عرسان، أو السيد ع.ع.ع! كما كنا نسميه بتندر، في أثناء جلسات يومية وأسبوعية في مقهى الروضة، كانت تضم عدداً من الشعراء والروائيين، ولم تتوقف طوال عقد ونصف، كنت أحضرها، كلما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

لقد كان الحديث عن رداءة الاتحاد ضرب من ضروب ممارسة المعارضة السياسية للنظام، لكن بلبوس الهم الثقافي، إذ لا يعقل أن يستمر صاحب الاتحاد أو مالكه لعقود في منصبه، برخصة من القيادة القطرية لحزب البعث، وعلى رأسها أمينه العام حافظ الأسد، متصدراً الواجهة الرسمية لمؤسسة ورثت مشروع رابطة الكتاب السوريين، التي نشأت في أوائل خمسينيات القرن الماضي!

معارضةُ مبدأ البقاء على الكرسي، في أي مكان في سوريا، يعني، دون نقاش، أن من يقوم به سيصل عبر تسلسل المقارنات إلى التفكير بالنظام السياسي ذاته، الذي جلس صاحبه فوق سدة الحكم لعقود، مصحوباً بجحفلٍ من الوزراء والمديرين العامين، ورؤساء الفروع الأمنية، الذين بقوا طالما هو باقٍ، ثم طاروا جميعاً إلى بيوتهم، بعد وصول ابنه إلى الحكم، مصحوبين بالأوسمة والنياشين المادية والمعنوية، كتعبير عن شكر الوريث لهم، لما قدموه لعهد والده، مع إمكانية الاستفادة من خدماتهم في حال الحاجة.

لم يكن حديثنا عن اتحاد الكتاب في مراحله التالية همساً، وخاصة في مرحلة الأسد الابن، ففي وقت ما، كان يمكن أن يعلو الصوت قليلاً، ولكن مع ضبط معاييره ذاتياً، لئلا يشط صاحبه في الجلسات العامة، لأن ذلك لو حصل، سيعني أن الفاعل قد تجاوز الخطوط المرسومة بدقة، لأقوال وأفعال المثقفين السوريين، الذين يعيشون في سوريا الأسدية، التي ترفض أن تتغير، رغم شعارات "صاحبها الجديد" بالتطوير والتحديث!

لم يكن حديثنا عن اتحاد الكتاب في مراحله التالية همساً، وخاصة في مرحلة الأسد الابن، ففي وقت ما، كان يمكن أن يعلو الصوت قليلاً، ولكن مع ضبط معاييره ذاتياً، لئلا يشط صاحبه في الجلسات العامة

التطوير والتحديث الوحيد الذي جرى في جلسات المقهى، سأكتشفه لاحقاً، ويخص من كنت أجالسهم، ففي الوقت الذي كنا نترفع عن مجرد مناقشة أو تصور، أننا سننشر يوماً ما في مجلات هذه المؤسسة، كان بعض هؤلاء يمارسون التقية الثقافية، إن لم أقل السياسية والطائفية، حيث قاموا في أوقات سابقة، بتقديم طلبات انتساب للاتحاد، ليصبحوا أعضاءً فيه!

وحينما قلت لأحدهم وقد كان عاطلاً عن العمل في ذلك الوقت، إنني قرأت اسمه في مكان ما، ضمن قائمة الذين قُبلت عضويتهم في الاتحاد، أجابني دون اكتراث، بأنه فعل ذلك من أجل التقاعد، أي أنه قام بذلك كي يضمن حصوله على مبلغ شهري، يتقاضاه بعد بلوغه سن التقاعد، وفق النظام الداخلي للمؤسسة.

هذا "الأحدهم"، ومنذ قيام الثورة السورية، التي رفع الثائرون في مظاهراتها شعارات الحرية والعدالة، تحول إلى مجرد عنصر في الكتيبة الأمنية الثقافية المدافعة عن النظام، فنال الترقيات طوال العقد الماضي، فصارت له زاوية أسبوعية في جريدة تشرين، وأمسى اليوم رئيساً لتحرير مجلة ثقافية، وعقدت جلسة لمناقشة أحد كتبه منذ فترة قصيرة في اتحاد الكتاب ذاته.

زيارة موقع هذا الاتحاد، وكذلك المواقع الأخرى، تتيح لكثيرين، ولا سيما منهم "الخونة الحاقدين" الذين أُحسب عليهم منذ عقد، أن يتسلوا في مراقبة تحولات من كنا نعتقد أنهم يكتبون بصدق عن الحرية والعدالة، حيث نرى الآن الخط المنحدر للأفكار البراقة، بحسب تدرج هبوط حامليها إلى القاع.

وفي مثل هذا الشيء، الذي يحدث دائماً حينما تخوض الشعوب معتركات عظيمة كالثورات، التي لا تنتهي بسبب حمولاتها الضخمة، يمكن بقليل من الجهد ملاحظة أن هذه الأفعال النمطية لهذه "الحثالة" السورية، التي تؤذي مشاعرنا بسبب خيبتنا من أصحابها، ليست خاصة بنا كسوريين، بل هي جزء من تيار عالمي، يجتاح الكوكب كله، يمكن تسمية أفراده بالأغبياء.

رصدتُ قيام أغبياء فرنسيين قبل فترة بزيارة سوريا الأسدية، بدعوة من اتحاد الكتاب العرب، وكتبت عن ذلك، ولا أدري إن كان ثمة علاقة بين هذا الذي فعلتُهُ، وبين منع الزوار الافتراضيين القادمين من فرنسا أيضاً من الدخول إلى موقعه الإلكتروني.

وإذا كان هذا الأمر ليس مجرد خلل تقني، فإنه علينا الاعتراف بأن هذا التشكيل "النقابي"، يأتي بسابقة غير متوقعة، فمن عادة النظام أن يمنع مواقع محددة عن السوريين الذين يستخدمون الإنترنت في البلد، ولم نسمع من قبل عن موقع سوري رسمي أو خاص، يمنع الزوار القادمين من دولة محددة من زيارته!

ولكن، من قال إن سكان المبنى المؤجر لشركة سيرياتل، لم يكونوا سباقين في وقت ما على بقية المنظومة؟!

فهل ننسى أنهم حولوا علاقتهم مع بقية الكتاب السوريين إلى علاقة أمنية، بعد أن اختصوا بممارسة الرقابة، على كل ما يُكتب قبل أن يحال للطباعة، وأمعنوا في الرفض والشطب والتحوير، وغطوا جلودهم بالخاكي، وذهبوا قبل غيرهم إلى المعركة!

 

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار