شهدت بلدتا اليادودة والمزيريب في ريف درعا الغربي خلال الفترة الماضية، سلسلة تفجيرات بعبوات ناسفة استهدفت محال تجارية، عقب تعرض أصحابها لعمليات ابتزاز من قبل مجهولين، ما أسفر عن أضرار جسيمة في الممتلكات وخسائر مادية.
وكان آخر تلك الحوادث وقع مطلع الشهر الجاري، حين استُهدف محل لبيع الهواتف المحمولة والإكسسوارات في بلدة اليادودة بعبوة ناسفة وُضعت أمامه مباشرة، واقتصرت الأضرار على الخسائر المادية من دون تسجيل إصابات بشرية.
رسائل مجهولة عبر واتساب.. ابتزاز وتهديد بالقتل
كشف مصدر مقرب من مالك المحل إن الأخير تلقى قبل نحو 12 يوماً من الحادثة رسالة عبر تطبيق "واتساب" من رقم أجنبي، تطالبه بدفع 10 آلاف دولار أميركي تحت طائلة التهديد بالقتل.
وأضاف المصدر الذي فضل عدم الكشف عن اسمه لدواعِ أمنية أن الرسالة الثانية وصلت صباح اليوم التالي للتفجير من الرقم ذاته، وجاء فيها: "حذرتك وخبرتك وما طاوعتني.. اليوم المحل، بكرا راسك إذا ما بتدفع".
وبلغت قيمة الخسائر الناتجة عن التفجير قرابة 11 ألف دولار، بينها نحو 8 آلاف ثمناً للبضائع من هواتف وإكسسوارات وعطور، والباقي ثمن التجهيزات والديكورات.
الحادثة نفسها تكررت مع مالك صيدلية في بلدة المزيريب، حيث تلقى رسالة نصية تطالبه بدفع 5 آلاف دولار، وبعد رفضه الاستجابة، جرى تفجير الصيدلية بعبوة ناسفة منتصف آب الماضي، أعقبها بعد مدة قصيرة تفجير عبوة أخرى أمام منزل صهره، في محاولة لزيادة الضغط والتهديد، وفق ما أكد مصدر مطلع على الحادثة.
عصابات منظمة وراء التفجيرات
قال الناشط الإعلامي باسل غزاوي في حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن هذه العمليات تُنفذ من قبل عصابات مسلحة منظمة تعتمد نهج الابتزاز والتخويف بهدف الحصول على مبالغ مالية طائلة من أصحاب المشاريع التجارية.
وأضاف أن هؤلاء ليسوا أفراداً ولا يعملون بشكل عشوائي، بل مجموعات تمتلك خبرة سابقة وتعمل بتنسيق محكم فيما بينها، في عمليات تحديد الأهداف ورصدها ومتابعتها.
ولا يستبعد "الغزاوي" وقوف عناصر من تنظيم الدولة (داعش) وراء هذه العمليات وخصوصاً بعد ورود أنباء عن تدفق عناصر من التنظيم كانوا موجودين في بادية السويداء، إلى محافظة درعا مستغلين الأحداث الأمنية التي حصلت منتصف تموز الفائت.
ويُلاحظ أن غالبية التفجيرات نُفذت بعبوات ناسفة مصممة لإحداث دمار مادي من دون أن تتشظى بشكل واسع، إضافة إلى تكرار توقيتها اللافت، حيث تُسجّل معظم الانفجارات بين الساعة العاشرة والنصف والحادية عشرة ليلاً، كما يعتمد المنفذون على أرقام أجنبية للتواصل، مع استخدام محدود للإنترنت يقتصر على ما بعد الساعة الرابعة فجراً.
استجابة أمنية لا تُذكر
أوضحت عدة مصادر مطّلعة على قضايا التفجيرات ومقرّبة من المستهدفين لموقع تلفزيون سوريا، أن الجهات الأمنية لم تقم بواجبها في التصدي لهذه العمليات، مشيرةً إلى أن أحد المستهدفين كان قد قدّم بلاغاً لدى قوى الأمن الداخلي حول تلقيه تهديداً عبر رسالة نصية. وأضافت، أنه خلال تقديم الشكوى تم التعامل ببرود معها بحجة أن الرقم أجنبي ولا يمكن مراقبته، لأنه لا يستخدم الشبكة السورية.
ويستغرب المصدر من عدم اتخاذ قوى الأمن أي إجراءات أمنية وقائية، مثل تسيير الدوريات أو مراقبة الأسواق التجارية، سواء عقب تلك التهديدات، أو حتى بعد الانفجار الأول الذي وقع في 14 آب الماضي، وتبعه ثلاثة انفجارات أخرى خلال أقل من 15 يوماً.
كما أن قوى الأمن لم تُجرِ أي تحقيقات في التفجير الأخير، كاستجواب مالك المحل أو جيرانه وسكان الحي، مما زاد من قلق الأهالي وفتح تساؤلات حول جدية الإجراءات الأمنية المتخذة لمنع تكرار مثل هذه الحوادث، ومدى فعاليتها في حماية المواطنين وممتلكاتهم، وذلك وفق المصدر.
من جانبه، أفاد "الغزاوي" بعدم وجود أي ردود فعل جدية من قِبل جهاز الأمن الداخلي تجاه هذه القضايا، محذراً من توسع رقعة الفلتان الأمني في المنطقة الغربية من درعا، وما قد يترتب على ذلك من حالة عدم ارتياح بين السكان تجاه السلطة الجديدة.
وأشار إلى أن هذه المنطقة تتمتع بحساسية أمنية خاصة، نتيجة سيطرة تنظيم داعش على جزء منها سابقاً، بالإضافة إلى كثرة عمليات الاغتيال التي شهدتها عقب سيطرة قوات نظام المخلوع على الجنوب عام 2018، ما يجعلها أكثر عرضة للأزمات الأمنية المتكررة.
مسؤول أمني: التفجيرات تهدف إلى نشر الفوضى وزعزعة صورة الدولة لدى الشعب
أوضح رئيس مفرزة المزيريب صهيب أبو يحيى أن العمليات التي شهدتها المنطقة مؤخراً ترقى إلى مستوى الجريمة المنظمة، وتهدف إلى ترويع الناس، وتخويفهم، وإلحاق الضرر بممتلكاتهم، بالإضافة إلى نشر حالة من الفوضى والعشوائية، وزعزعة صورة الدولة لدى الشعب.
وبيّن أن هذا الأسلوب في العمليات ليس جديداً، بل هو أسلوب اعتمدته بعض المجموعات التي كانت ترتبط بأجهزة استخبارات النظام المخلوع، حيث إن تنفيذ هذه العمليات يحتاج إلى خبرة لدى العناصر وتدريب متواصل على استخدام تقنيات التفجير عن بعد.
وفي السياق ذاته، أكد أن قوى الأمن الداخلي في المنطقة بادرت إلى اتخاذ جملة من الإجراءات الأمنية المشددة لكشف المتورطين، من بينها وضع كاميرات مراقبة في أماكن محددة، وقد تمكنت المفرزة الأمنية في المزيريب، من إحباط محاولة زرع وتفجير عبوة ناسفة في منزل أحد المواطنين، مشيراً إلى أنه لا يمكن الإفصاح عن المزيد من التفاصيل المتعلقة بالإجراءات المتبعة لدواعٍ أمنية.
كما كشف خلال حديثه أن الأمن الداخلي وصل الى بعض المعلومات "الهامة جداً"، والتي ساهمت في الحد بشكل كبير من هذه التفجيرات، وأن لديه أدلة وبراهين سيتم عرضها حال استكمال جمعها وترتيبها.
وتابع: من غير الممكن أن يتم كشف معلومات التحقيق أو تحركات قوى الأمن على العامة، خصوصاً في مثل هذه العمليات، وهو ما يفسر استياء الأهالي من ردود الفعل الأمنية.
وفي ختام حديثه، وجه المسؤول الأمني رسال طمأنة إلى سكان تلك المناطق بأن الأمور تسير وفق ما هو مخطط لها، وفق تعبيره، داعياً الأهالي إلى عدم الانسياق وراء الشائعات والأبواق التي تسعى إلى زرع حالة الخوف في نفوسهم.
حصيلة القتلى في درعا خلال النصف الأول من العام الجاري
تشهد محافظة درعا منذ عام 2018 حالة من الفلتان الأمني، تجسدت بعمليات اغتيال وخطف وجرائم جنائية متكررة، وبحسب التقرير الحقوقي الصادر عن مكتب تجمع أحرار حوران للنصف الأول من عام 2025، فقد قُتل 217 شخصاً خارج نطاق القانون، من بينهم 52 قضوا خلال 80 عملية ومحاولة اغتيال متفرّقة شهدتها المحافظة.
كما وثق التقرير مقتل 47 شخصاً بجرائم جنائية، بالإضافة إلى 21 حالة خطف، انتهت بمقتل 10 مختطفين، والإفراج عن 10 آخرين، بينما لا يزال شخص واحد قيد الاختطاف.