ابتزاز ذوي المعتقلين في سوريا يُكسب نظام الأسد ملايين الدولارات

تاريخ النشر: 01.07.2021 | 18:10 دمشق

آخر تحديث: 01.07.2021 | 18:36 دمشق

إسطنبول ـ تلفزيون سوريا

بينما يحتفي العالم في اليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، الذي مضى عليه بضعة أيام،  يخيّم الحزن على مئات آلاف ذوي المعتقلين والمخفيين قسراً في سجون نظام الأسد ومعتقلاته التي باتت تحمل لقباً جديداً يضاف إلى ألقابها المرعبة السابقة، هو لقب "المسالخ البشرية" المحاطة بهالة من الرعب والخوف والتعتيم.

وما يزال النظام يعتقل أكثر من 130 ألف شخص، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان التي أكدت أن حصيلة المختفين قسراً من ضمن إجمالي عدد المعتقلين نحو 86,276 وذلك منذ آذار من العام 2011 ولغاية تموز من العام 2020. 

بعض التقارير تشير إلى أنّ النظام يدعم مؤسساته الأمنية من جيوب ذويهم مقابل معلومات عن أوضاعهم الصحية أو إجراءات تحسينية، وفيما إن كانوا على قيد الحياة، في مشهدٍ سوريالي يضاف إلى مشاهد أخرى لمعتقلين هزّت الرأي العام العالمي.

خداع وابتزاز

أم عبد الله (55 عاماً) أم لشابٍ كان شرطياً قبل أن تعتقله قوات النظام على أوتستراد حلب- دمشق قرب خان شيخون عام 2011.

تقول أم عبد الله، السيدة الحموية النازحة، إنّها دفعت أموالاً طائلة لقاء خبر عن ابنها، ولكن من دون جدوى.

وتضيف في حديث لـ موقع تلفزيون سوريا إنّها بقيت متنقلة بين الريف الإدلبي والعاصمة دمشق حتى عام 2018، وخلال هذه الفترة دفعت أكثر من 14 مليون ليرة سورية أكثر من نصفها كان ثمن قطعة أرض، وما تبقى كان مصاغاً ذهبياً واستدانة من الأقارب.

وعن الجهة التي دفعت لها المال، أكّدت أم عبد الله أنّها تعاملت مع اثنين خلال 7 سنوات، أحدهما سمسار يدعى محمد طه حلبي وهو الذي كان يجمعها مع شخصٍ يدّعي أنّه محامٍ ذو صلات أمنية رفيعة، وشخص آخر يلقّب (أبو علي)، غالبًا ما يرتدي سترة عسكرية أو بنطالًا مموهاً، ويركب سيارات فارهة.

"كنا نعيش نازحين ببيت أشبه بالخرابة، لا أبواب ولا نوافذ أصيلة، رغم أنّ الأموال التي دفعتها كانت كفيلة بأن توفر لنا حياة أفضل، لكنّ الأمل بمعرفة شيء عن ابني أولوية بالنسبة لنا".

تتابع أم عبد الله كلامها بحرقة لتشير إلى أنّ جميع الوعود التي تلقتها من السماسرة كانت "كذبًا في كذب".

وبعد عامين من دفع الأموال، توقّفت أم عبد الله، لأنّها لم تجد نتيجة، وأشارت إلى أنّ الحلبي، اتصل بها وقال لها إنّ ابنها على قيد الحياة، ووعدها بأنّه سيتصل بها وبالفعل، اتصل شخص من رقم خاص.

"كان صوته غير مفهوم، والاتصال في غاية السوء، لم أسمع منه حرفاً بوضوح خلال ثوانٍ انقطع الاتصال".

وبعد الاتصال المبهم، عاد الأمل إلى الأم، واختلطت مشاعرها فلم تعد تعرف هل هو فعلا ابنها أم لا، وهل تفرح أم تبكي؟ ليؤكّد لها الحلبي، أنّ المتّصل ابنها وأن التغطية ضعيفة لأن ابنها في زنزانة تحت الأرض.

تضيف الأم: "طلبت منه صورة حتى أتأكد، فقال لي لن أرسل صورة لأن هذا مستحيل، وبراحتك خلي ابنك تاكلوا الجرادين، بعدها استأنفت العمل معه ودفع المال قبل كل عفو رئاسي تقريباً".

اكتشفت أم عبد الله بعد سنوات من الاتصال المبهم، أنّ ابنها لم يكن المتصل، وأن ما جرى خدعة، لأنّها استلمت من دائرة النفوس في حماة عام 2019 برقية تقول إنّ ابنها توفي عام 2012 "لأسباب صحية".

وتختم أم عبد الله: "يا ريت يعطوني تياب ابني، وبدفعلن قد يلي دفعتو".

سماسرة وعمليات احتيال

وبرز "السماسرة" كطرف ثالث في الساحة، كصلة وصل بين المسؤولين الأمنيين والقضائيين في النظام وذوي المعتقلين والمخفيين قسراً، ممن دفعوا مبالغ كبيرة لهؤلاء السماسرة مقابل معلومات ووعود بالإفراج عن أبنائهم بعضها كانت عمليات نصب واحتيال.

وفي التحقيق الاستقصائي الذي فاز بجائزة "سمير قصير" لحرية الصحافة في هذا العام، وحمل عنوان "تجارة الاعتقال في سجون ومعتقلات النظام السوري" ، أكّدت 85 عائلة من ذوي المعتقلين أنّها تعرّضت للابتزاز المالي، حيث دفع 75 منهم النقود فعلياً  .

ووفقا للتحقيق، فإنّ العائلات الـ75 دفعت 160 دفعة مالية بلغت نحو 800 ألف دولار أميركي، تمّت عبر وسطاء أو بشكل مباشر إلى عاملين في سلكي القضاء والأمن.

وجاء في التحقيق: "إذا صح لنا اعتبار نتائج تقصي الحالات أساساً للخروج بتقدير لقيمة عائدات تجارة الاعتقال على مسؤولي النظام وشبكة الوسطاء الذين يعملون في فلكه على مستوى سوريا، فإن التقدير الأدنى يشير إلى قرابة مليار دولار، وذلك على أساس قوائم الأسماء التي وثقتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان لمواطنين ما زالوا قيد الاعتقال والاختفاء القسري ما بين آذار 2011 حتى آب 2019".

ويضيف "أما التقدير الذي يمكن بناؤه على أساس العدد الكلي للمحتجزين الحاليين والسابقين والمقدر بربع مليون شخص فتطاول عتبة ملياري دولار".

سوق سوداء

وتحدّثت وكالة الصحافة الفرنسية في الـ23 من الشهر الجاري، عن سوريين دفعوا كل ما يملكونه للسماسرة لقاء معلومات أو إجراءات تخفف عن أبنائهم المعتقلين لدى النظام.

وقالت الباحثة في الشأن السوري في منظمة العفو الدولية ديانا سمعان إنّ النظام جعل الحصول على معلومات عن المعتقلين أمرا مستحيلاً، ما أدّى إلى خلق "سوق سوداء".ولا توجد ضمانات يقدمها السماسرة لذوي المعتقلين، كما أنّ الأهالي لا يتجرؤون على التقدّم بشكاوى خوفاً من دخولهم في مشكلات أمنية جديدة أو أن ينعكس الأمر سلبا على أبنائهم.

ثروات ونفوذ 

واستخدم نظام الأسد المعتقلين والمخفيين قسرا "وسيلة لجني ومراكمة الثروات وزيادة نفوذ الأجهزة الأمنية وقادتها والنافذين في حكومته وبعض القضاة والمحامين"، بحسب رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا.
وأجرت الرابطة مئات المقابلات مع معتقلين سابقين، قالت إنّهم دفعوا "ما يفوق مليوني و700 ألف دولار للحصول على معلومات أو بناء على وعود بالزيارة أو إخلاء سبيل، فيما تقدر الأموال التي دفعها ذوو المعتقلين من عام 2011 للنظام أو المقرّبين منه بنحو 900 مليون دولار.
وحددت الأمم المتّحدة يوم الـ26 من حزيران من كل عام، يوماً عالمياً لمساندة ضحايا التعذيب، في حين يبقى ملف المعتقلين السوريين لدى النظام خارج دائرة الضوء العالمي.