ابتزاز السفّاح.. آخر السياسات البائسة لأصدقاء سوريا

تاريخ النشر: 26.05.2018 | 00:05 دمشق

صادق الكونغرس الأمريكي في 24 من نيسان الماضي، على قانون “لا دعم للأسد” (NAAA)، الذي يحظر الدعم الأمريكي لكل المناطق التي تخضع لحكم الأسد، باستثناء الاحتياجات الإنسانية التي توزعها الأمم المتحدة، وذلك في إطار محاولة لاستغلال المال للوصول إلى ما فشل في تحقيقه السلاح، حسب قولهم.

تزامن هذا القرار مع اتفاق دول مانحة في اجتماع ببروكسل، على سياسة فصل الدعم الإنساني عن دعم إعادة الإعمار، والتعهد بتقديم 4.4 مليار دولار كدعم إنساني في عام 2018، بحيث يكون دعم إعادة الإعمار مشروطًا بوجود انتقال سياسي ذي مصداقية.

يأتي هذان القراران من اعتقاد لدى “أصدقاء سوريا” بأن تعافي المدن المتضررة مثل حلب وحمص، وإحياء الاقتصاد، إعادة النازحين واللاجئين، تتطلب ضخ كميات كبيرة من المال. ومع غياب الإرادة والإمكانية لدى حلفاء نظام الأسد الروس والإيرانيين، بتغطية الاحتياجات الإنسانية في سوريا، يمكن للدول الغربية الغنية تغطية نسبة كبيرة من هذه الاحتياجات.

الصراع في سوريا دمّر ثلث البيوت ونصف المرافق الصحية والتعليمية

قدّر البنك الدولي في عام 2017، أن الصراع في سوريا دمّر ثلث البيوت، ونصف المرافق الصحية والتعليمية. وقد زاد الوضع سوءًا بعد حملة التحالف الدولي ضد داعش، التي تركت مدنًا مثل الرقة دون كهرباء أو ماء تقريبًا، فضلًا عن الدمار الهائل الذي ألحقته الحملات الوحشية لقوات النظام السوري وحلفائه في مساحات واسعة من الأراضي السورية.

كما كشف المركز السوري للإحصاء، أن سوريا فقدت أربعة أخماس الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2010 و2016. وأعلن الأسد نفسه، أن حجم برنامج إعادة إعمار البلاد سيتراوح بين 200 و400 مليار دولار، وهو حجم يتخطى قدرات نظام الأسد الذي تسبب بمعظم هذا الدمار، بكثير.

وفضلًا عن قرار الكونغرس والدول المانحة، نقلت قناة “سي بي أس” الأمريكية يوم الجمعة الماضي، أن إدارة الرئيس ترامب تعمل على سحب الدعم من شمال غرب سوريا، الذي كان يهدف إلى مكافحة التطرف، وتعزيز التعليم واستقلالية المجتمعات المحلية، وأمور أخرى. هذا عدا عن أمر ترامب بوقف 200 مليون دولار كانت مخصصة لمشاريع تنموية في شمال سوريا.

التحول من تقديم الدعم للمعارضة إلى الضغط على الأسد من خلال مساعدات إعادة الإعمار

تحمل القرارات الأخيرة دلالة على قناعة صانع القرار الغربي، والأمريكي على وجه الخصوص، بوجوب التحول من تقديم الدعم للمعارضة، إلى الضغط على الأسد من خلال مساعدات إعادة الإعمار.

أقل ما يمكن أن توصف به هذه السياسة هي أنها بائسة من عدة أوجه. أولًا يتطلب نجاح هذه السياسة وجود قناعة لدى الأسد - الذي دمّر سوريا وقتل وشرد السوريين عن سابق إصرار - بوجوب إعادة إعمار البلاد وتسيير اقتصادها، ولا توجد أي مؤشرات على الإطلاق بوجود مثل هذه الإرادة، سوى إعلان الأسد عن المبلغ الذي ستتطلبه إعادة الإعمار، وهو إعلان قد لا يتعدى استجداء المال.

ثانيًا، تقدم الأمم المتحدة مساعدات سنوية من خلال برامجها إلى مختلف المناطق السورية، وقد أثبتت تقارير دولية ومحلية استغلال نظام الأسد لهذا الدعم، وحجبه عن المناطق غير الموالية له، فضلًا عن احتكاره في مناطق سيطرته لجهات دون أخرى.

وثالثًا، إذا كان القرار يهدف إلى قتل أحلام البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، في إدخال بلد جديد إلى برامجه للهيكلة الاقتصادية، فإن هذه البرامج أثبتت فشلها في مساعدة الدول على التعافي الاقتصادي، بل أكثر من ذلك، يمكن القول بسهولة إن هذه البرامج تدخل الدول في دوامات من الديون والارتهان السياسي يصعب جدا الخروج منها.

وأخيرًا، إذا كان قرار “لا دعم للأسد لإعادة الإعمار” يندرج ضمن الضغط على إيران، فإن الأخيرة لم يثبت وجود نية لديها في إعادة إعمار سوريا، أو العراق المُدمّر منذ 15 عامًا ولا يزيد وضعه إلا سوءًا.

إن الحديث عن محاولة الدول الغربية “ابتزاز” الأسد، لتحقيق ما عجز عن تحقيقه السلاح، حديثٌ سمج وربما يكون جارحًا للسوريين الذين خسروا الدماء قبل أن يخسروا أملاكهم وأراضيهم. ولسان حالهم كما قال المتنبي: قرفٌ على قرفٍ ومثلي يَقرَفُ.. وأسىً يزيدُ على أسىً لا يُوصفُ.