إيكونوميست: منصات التواصل الاجتماعي تتلف أدلة جرائم حرب في سوريا

تاريخ النشر: 28.09.2020 | 19:49 دمشق

آخر تحديث: 28.09.2020 | 20:40 دمشق

إيكونوميست-ترجمة وتحرير: ربى خدام الجامع

"ارفع يديك! ارفع يديك!" صاح مسلح في وجه أسير لديه غطى رأسه ورفع يديه قبل ذلك في الهواء وأخذ يراوح في مكانه، إذ لم يكن يدري ماذا عليه أن يفعل بعد كل ذلك. بعدها أطلق المسلح النار على ضحيته فأرداه قتيلا على الأرض قبل أن يطلق مزيدا من الرصاص ليخترق ذلك الجسد وهو يقول: "لقد أضلك الشيطان".

حتى مرحلة قريبة، كان صعباً ظهور مثل هذه الأفعال الوحشية إلى العلن، ولكن تم نشر فيديو لهذه الجريمة على فيس بوك في عام 2016، وبعد مرور عام على ذلك، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أول مذكرة لها في تاريخها تعتمد في جزء كبير منها على فيديوهات نشرها مرتكبو جرائم حرب بأنفسهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وطالبت تلك المذكرة باعتقال محمود الورفلي، وهو أمير حرب ليبي، حيث اتهمته بأنه الرجل المسلح في عملية القتل التي تحدثنا عنها آنفاً، وبأنه قتل 33 شخصاً في سبع حوادث صورت ونشرت على شكل فيديوهات على فيس بوك.

وبالرغم من أن ورفلي سيخضع للمحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، إلا أن مذكرة اعتقاله تعتبر نقطة تحول، إذ لأول مرة لم تستخدم الفيديوهات والصور التي نشرت على وسائل التواصل الاجتماعي للفت نظر العالم لجرائم الحرب فحسب، بل أيضاً أصبح بمقدورها أن تزرع الأمل في قلوب الناس فيما يتصل بمحاكمة مرتكبيها وتعريضهم للقصاص العادل. فقد كتبت إيما إيرفينغ وهي خبيرة بحقوق الإنسان لدى جامعة ليدن في منشور ضمن مدونة نشر خلال تلك الفترة وقالت: "إنها -أي وسائل التواصل الاجتماعي- منجم لأدلة محتملة". ولكن بالرغم من أن هذا المجال يعتبر واعداً للغاية، ثمة مشكلات حقيقية تنشأ جراء الاعتماد على الأدلة المنشورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

إذ بداية يمكن القول بأن الأدلة التي تنشر على وسائل التواصل الاجتماعي ليست مثالية، وذلك لأن الأشخاص الذين يقومون بتوثيق وتسجيل وتصوير الفظائع والجرائم يفتقرون إلى الخبرة أو قد يتحيزون لطرف دون آخر، وبذلك سيقومون بالتصوير بشكل انتقائي. كما قد تشعر النيابة والقضاة بالقلق حيال تمثيل ما جرى في مقطع الفيديو أو التلاعب به أو نسبه إلى أشخاص ليسوا موجودين فيه. ومن المحتمل أن يزيد ذلك القلق مع سهولة استخدام الذكاء الصناعي على الحواسيب لصنع مقاطع صوتية ومرئية مزورة تماماً لكنها منطقية للغاية.

ومع ذلك ولأن عملية جمع الأدلة في مناطق الحروب تتسم بالصعوبة الشديدة والخطورة، قد تصبح تلك المقاطع هي كل ما قد يصل للنيابة لتشرع في عملية المقاضاة. بل إنها على الأقل يمكن أن تقدم خيوطاً جديدة أو تساعد في تأكيد رواية شهود العيان أو غيرها من الأدلة.

كما أن المقاتلين الذين يتباهون بما حققوه من مآثر على الفيس بوك قد يكشفون موقعهم دون قصد منهم، وقد يزود هؤلاء النيابة بأدلة تثبت نواياهم، ومثل هذه المعلومات يمكن أن تساعد المدعين العامين حول جرائم الحرب بجمع معيار ذهبي للأدلة، يتمثل بالمزاوجة بين الشهادات والوثائق والأدلة المادية.

ففي عام 2018 بحثت محطة بي بي سي في مقطع فيديو انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي ويظهر فيه جنود وهم يعصبون أعين امرأتين مع أطفال في الكاميرون ثم يطلقون النار عليهم. وبالرغم من أن حكومة الكاميرون ادعت أن الفيديو مزور في بداية الأمر، أو أنه صور في مكان آخر غير الكاميرون، إلا أن بي بي سي والمحققين المستقلين قارنوا الجبال الموجودة في خلفية المشهد الذي ظهر في مقطع الفيديو ذاك بالخرائط والصور الملتقطة عبر الأقمار الصناعية. وعبر تحليل الظلال التي انعكست على الأرض تمكن هؤلاء من التوصل إلى أن عمليات القتل هذه وقعت في عام 2015. ولتحديد هوية الجنود الذين تورطوا في تلك الجريمة قارن هؤلاء الأسلحة التي ظهرت في الفيديو بتلك التي تستخدمها الوحدات الخاصة في الجيش الكاميروني. وبعد كل هذا الخزي الذي تعرضت له حكومة الكاميرون، شرعت بإجراء تحقيق ثم عقدت محاكمة لهؤلاء الجنود السبعة، وقد صدر حكم بالسجن لمدة عشرة أعوام بحق أربعة منهم خلال هذا الأسبوع.

العدالة المحذوفة في سوريا

ومع ذلك وحتى في الوقت الذي يكتشف فيه المدعون العامون والمحاكم فكرة استخدام تلك الأدلة، نجد كثيراً منها وقد اختفى. فقد قامت منظمة هيومن رايتس ووتش التي تقوم بالضغط على كل الأطراف بزيارة مؤخراً للأدلة التي تم جمعها عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتي استشهدت بها في تقاريرها العامة التي نشرت بين عامي 2007 و2020 (بالرغم من أن معظمها نشر خلال السنوات الخمس الماضية)، فاكتشفت بأن 11% منها قد اختفى، فيما تعرض البعض الآخر لمشكلات مماثلة. وتقدر منظمة الأرشيف السوري غير الربحية التي تقوم بتسجيل وتحليل أدلة الجرائم المرتكبة في سوريا بأن 21% من أصل 1.75 مليون فيديو تقريباً نشر على يوتيوب قامت هذه المنظمة بتصنيفها في لوائح حتى حزيران/يونيو عام 2020 لم تعد متوفرة حالياً، كما أن ما يقارب من 12% من أصل مليون تغريدة سجلتها لديها أيضاً قد اختفت هي الأخرى.

وجزء من هذا المحتوى يمكن أن يكون قد حذف من قبل المستخدمين أنفسهم، إلا أن غالبيته قامت شركات الإنترنت بحذفه مثل شركتي فيس بوك وتويتر. ففي بعض الأحيان تقوم تلك الشركات بإزالة المحتوى الصادم لأسباب وجيهة، مثل حماية المستخدمين من الفيديوهات المزعجة أو الدعاية المتطرفة. وبسبب الضغط الذي يمارسه الناشطون والحكومات؛ اعتمدت تلك الشركات على سياسات صارمة لضبط المحتوى، ولكن بسبب وجود القليل من القوننة التي تمارس على المحتوى الذي تم حذفه من قبل شركات وسائل التواصل الاجتماعي، لا يمكننا أن نتأكد من أن ذلك المحتوى سيتم حفظه ليستخدم كدليل عند الحاجة إليه.

ثم إن ضبط المحتوى عبر الخوارزميات يزيد المشكلة سوءاً، ففي عام 2017 لم تتمكن إحدى الخوارزميات التي تبنتها يوتيوب من التمييز بين المواد التي نشرها تنظيم الدولة الإسلامية لتمجيد عمليات القتل التي نفذها، والمواد التي نشرها ناشطون في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان الذين قاموا بتوثيق تلك الجرائم، حيث أزال يوتيوب الآلاف من الفيديوهات التي تشتمل على انتهاكات وقعت في سوريا، إلا أن العديد منها تم استرجاعه بعد احتجاج عام عارم، بيد أن خوارزميات أحدث تم اعتمادها اليوم تقوم بحذف المحتوى حتى قبل وصوله إلى العامة. ومن بين المواد التي قامت فيس بوك بحذفها لانتهاكها معايير فيس بوك بين شهري كانون الثاني/يناير وآذار/مارس، هنالك 93% من تلك المواد قامت نظم آلية بوسمها لا مديرون من البشر، وهكذا تم حذف نصف تلك العناصر قبل أن تحصد أي مشاهدة.

وهنا ترى منظمات حقوقية بأن منصات الإنترنت يجب أن تجبر على حفظ المحتوى الذي تم حذفه، أو نقله إلى أرشيف مستقل. ففي سوريا على سبيل المثال، لو لم تقم منظمة الأرشيف السوري بجمع نسخ للفيديوهات والتغريدات التي تعرض انتهاكات، لكانت تلك الأدلة قد فقدت، وفقد معها أي أمل بتحقيق العدالة بالنسبة لكثيرين ممن خاطروا بأرواحهم ليدلوا بشهادة، وذلك عبر قيامهم بالضغط على زر: تسجيل.

 

المصدر: إيكونوميست