إيران والتفاوض على حافة الهاوية.. إما التنازل أو الانفجار

تاريخ النشر: 09.12.2021 | 06:24 دمشق

لم يكن أحد يتوقع أو يتوهم بأن الجولة الأولى من المفاوضات الإيرانية مع القوى الدولية حول الملف النووي الإيراني ستصل إلى نتيجة واضحة. لا يمكن حصر الملف النووي الإيراني بالتفاوض مع الأميركيين، فذلك يعني أمن العالم من الصين إلى روسيا وغيرها من الدول. ولذلك يجد الإيراني نفسه بحاجة إلى إبقاء كل الخطوط مفتوحة مع القوى المختلفة، أما رفع السقف بالتلويح برفع التخصيب فغايته تحصيل مزيد من المكتسبات السياسية في المنطقة، لأنه عندما يقترب الإيراني جدياً من إنتاج سلاح نووي فإن الصين وروسيا هما أول من سيواجه هذا التحول. 

لذلك فإن خريطة أو مسار إيران في لعبة التفاوض يفترض بها أن تراعي مواقف كل من الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى النجاح بالوصول إلى اتفاق مع واشنطن. ما تسعى إليه إيران هو الوصول إلى اعتراف دولي بنفوذ طهران في منطقة الشرق الأوسط. هي تريد غطاءً لمستوى معين من النفوذ في المنطقة، على الرغم من نفي شمول هذه المفاوضات للصواريخ الباليستية والمشروع الإيراني خارج حدود طهران. ولنفترض أن الاتفاق على النووي قد حصل، فلا بد له من مقومات الاستمرار وهو ما يدعمه التفاهم على المستوى الإقليمي، وإلا لن يكون لديه أية قدرة على الاستمرار. 

لا يمكن التوقع لهذه المفاوضات أن تؤدي إلى نتائج سريعة. هي تحتاج إلى فترة زمنية يعرف الإيراني كيف يستثمر بها، وربما الرهان على الوقت والزمن هو من أبرز تكتيكات التفاوض بالنسبة إلى طهران. وأكثر ما يبرع به الإيرانيون هو فتح هوامش أخرى وخلفية للمفاوضات بعيداً عن المفاوضات المباشرة، ونمطهم لا يذهب باتجاه القطع بل يحاول المراكمة بشكل دائم على أي خيط على الرغم من استثماره بالوقت. في هذه المرحلة لا يمكن للوقت أن يكون حليفاً له أو يصب في صالحه بظل التطورات القائمة. يستعجل الإيرانيون الوصول إلى اتفاق. 

إلى جانب التفاوض المباشر، والمفاوضات الخلفية، ثمة تفاوض بالنار أيضاً، من تفجير مفاعل نطنز، إلى استهداف القاعدة الأميركية في التنف، وهذه من أساسيات قواعد التفاوض، ولكن في نفس الوقت هناك إصرار إيراني على الاستمرار بفتح خطوط التواصل مع واشنطن لمنع حصول تطور عسكري إسرائيلي ضد إيران في ظل التصعيد بالمواقف الإسرائيلية وآخرها لرئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت الذي يقوم بتحشيد المواقف الدولية ضد طهران ويزيد من تحذيراته بأن الإيرانيين يقتربون من الوصول إلى امتلاك القنبلة النووية، وسط تهديدات عسكرية باستهداف المشروع النووي الإيراني. 

تجيد إيران التفاوض على حافة الهاوية. هي حتماً لا تريد الوصول إلى وقف المفاوضات أو الشعور بأي خطر أمني أو عسكري قد يهدد أراضيها أو مفاعلها النووية. لذلك فإن كل هذا التحشيد والتصعيد هدفه إرساء قواعد جديدة للاتفاق وليس التصعيد في سبيل المواجهة. في الجولة التفاوضية الأولى وجد الإيرانيون أنفسهم في حالة انعزال عن القوى الأخرى، حتى فرنسا التي كانت تسعى بكل جهودها إلى توقيع الاتفاق لم تجد نفسها قادرة على اتخاذ مواقف مناصرة لطهران. هذا الأمر هو الذي دفع إيران إلى تقديم سلفة على الحساب للفرنسيين من خلال طلب استقالة وزير الإعلام جورج قرداحي. كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحتاج إلى موقف يساعده خلال زيارته إلى دول الخليج، وتحديداً السعودية، لم يكن لديه مجال سوى اللجوء إلى طهران للحصول على تلك الورقة، والتي من الواضح أنها ورقة بلا ثمن، ولا سيما أن السعودية نجحت في تحديد الأسباب الأساسية للأزمة اللبنانية والتي ترتبط حصراً بإيران ومشروعها. نجح ماكرون بالحصول على ورقة من إيران، لكنها ورقة ألزمته في الاقتراب أكثر من الموقف السعودي، خصوصاً عندما صدر بيان سعودي فرنسي مشترك يتحدث عن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وهي رسالة واضحة لحزب الله، بالإضافة إلى تطبيق القرارات الدولية، وعدم جعل لبنان منطلقاً لتهديد دول المنطقة. هذا الموقف يعدّ انقلاباً في المعايير اللبنانية بحال أرادت فرنسا تعزيز حضورها. 

كل هذه الملفات ترتبط بمسار التفاوض الإقليمي بين واشنطن وطهران، في حين نجحت السعودية بانتزاع موقف واضح من ماكرون بأنها شريكة في صنع القرار الإقليمي، ما يعني إشراكها ضمناً في مفاوضات فيينا. تلك المفاوضات التي ستشهد المزيد من التصعيد الميداني، على وقع التهديدات الإسرائيلية المتوالية، وبالمقارنة مع الموقف الفرنسي السعودي فحينها يمكن للبنان أن يكون ساحة التفاوض بالنار في المرحلة المقبلة.