إيران؛ العدو الضرورة

إيران؛ العدو الضرورة

الصورة
11 شباط 2019

التنافس أو التناقض أو التضاد أو حتى العداء خصائص وديناميكيات أساسية في إعطاء الحياة لون وكنه ومعنى استناداً إلى مبدأ /لا يظهر طبيعة الشيء إلا ضده/. يتجلى ذلك عندما يكون هناك قوة أو جملة من القوى تسعى ليكون مكانها أوسع أو أكثر وزناَ من قوى أخرى؛ ما يستلزم أحياناً وجود واحدة على حساب الأخرى، أو حتى إلغاء واحدة لأخرى. بعضها لا يستطيع العيش، أو لا يثبت وجوده إلا بوجود عدو؛ ما يجعل وجود العدو مبرراً لتلك القوة كي تمارس هيمنتها وسيطرتها على محيطها، والتحكم بقدر شعوبها.

لقد عاشت أميركا، ومعها أوروبا- التي اصطُلِح على تسميتها بـ "أوروبا الغربية"- على عداء للشيوعية معتبرة وجود "الاتحاد السوفيتي" خطراً مهدداً للغرب وقيمه في الحرية والديمقراطية. خلق ذلك صراعاً عاشه العالم لعقود؛ ووصل مشارف نهايته في منتصف ثمانينيات القرن المنصرم مع سقوط الاتحاد السوفييتي، أو ما عُرِف بالمعسكر الشرقي.

مع نهاية ذلك الخطر المفترض كان لا بد من إبداع أو اصطناع أو حتى فبركة عدو جديد من أجل ديمومة التوتر والسيطرة والتناقض والتنافس والتضاد المولدة لحالة الهيمنة المسَلًم بها للضرورة في عالمنا البائس. كان المرشح الأفضل كعدو- ولأسباب كثيرة يطول شرحها- هو "الإسلام أو الأسلمة"؛ وكان لا بد من إيجاد حامل لذلك "البعبع" أو الشبح المخيف الجديد. وكان المرشح الأوفر حظاً لذلك هو انتفاضة تم ترتيبها على شاه إيران تجاذبها اليسار الإيراني والمد الديني. وكان التحبيذ والنصرة للمد الديني الذي كان رأس حربته الخميني، ليخرج على العالم ليس بمد ديني فقط بل بـ "دولة" كاملة ستبنى على أسس دينية تحكها ولاية الفقيه وكأنه "نبي" جديد بتعاليم وتشريعات يصدرها لها صفة //المُنزَلة// وكانت {الجمهورية الإسلامية الإيرانية}.

رأى الغرب أن ذلك يخدم هدفين رئيسين: أولهما وجود "عدو" جديد وثانيهما إعطاء مبرر

 كي تأخذ ثورة الملالي الدينية شرعنة، لابد من عداء لأميركا رأس الإمبريالية العالمية؛ فكان بداية الفعل الميداني المتمثل بحصار السفارة الأميركية لـ 440 يوما

لإسرائيل ربيبة هذا الغرب بأن تطلق على نفسها ["الدولة اليهودية"the Jewish State]. تحت هذه اليافطة أكلت الحق العربي، وفي الوقت ذاته أحيت مسلسل الدم القديم في المنطقة في صراع وتوتر لا ينتهي.

المفصل الزمني الذي أتت فيه دولة الملالي إلى منطقة فيها عصب اقتصاد العالم، وأسواقه، وبوابة ثلاث من أهم قاراته كانت نهاية العدو الشيوعي، العدو التقليدي للغرب لعقود؛ تماماً في الوقت الذي أشد ما يحتاج إليه الغرب عدوا جديدا.

 كي تأخذ ثورة الملالي الدينية شرعنة، لابد من عداء لأميركا رأس الإمبريالية العالمية؛ فكان بداية الفعل الميداني المتمثل بحصار السفارة الأميركية لـ 440 يوما، ما تسبب بخسارة مرشح للرئاسة الأميركية من الديمقراطيين ونجاح جمهوري ممثل "رونالد ريغان"؛ وكان الخروج بشعارات "الموت لأميركا". ولإثبات إسلاميتها، كان لا بد أن تكون الحاضن لتنظيم /القاعدة/ الإسلامي الإرهابي.

من جانبها، الدولة العميقة الأميركية ساعدت إيران في حربها مع العراق؛ والكل يتذكّر ما سُمَي " فضيحة الكونترا" حيث مدت أميركا –عبر إسرائيل- "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" بالأسلحة لتأجيج تلك الحرب المجنونة لثماني سنوات عجاف. كل ذلك تم رغم العداء المُعْلَن للـ "كيان الصهيوني" بلغة الملالي الجديدة.

في العراق كافأت أميركا الملالي، فأصبحوا المتحكم الأساس بتنفس العراق شيعيّاً وسنياً؛ لا فرق إلا بآلة الدعاية الخبيثة والتقية. في فلسطين، الأمر ذاته

مع بداية الربيع العربي، أطلقت إيران على ما يحدث: the Islamic rise// "النهوض الإسلامي"؛ ولكن عندما امتدت الثورة إلى سوريا أصبح الاسم الإيراني لها تماماً كاصطلاحات النظام الأسدي

بالنسبة للقضية الفلسطينية: اخترع الملالي يوماً للقدس، وشكلوا لواء قتل عسكري سمّوه "لواء القدس"؛ باختصار، سحب الملالي ملف فلسطين من الفلسطينيين والبلاد العربية؛ وهذا كان مُشتهى إسرائيل وأميركا أيضاَ. رغم أن القضية الفلسطينية لم تكن بأيدٍ أمينة أساساً، إلا أن وضع اليد الإيرانية فيها زاد في ضياعها.

في القضية السورية، ومع بداية الربيع العربي، أطلقت إيران على ما يحدث: the Islamic rise// "النهوض الإسلامي"؛ ولكن عندما امتدت الثورة إلى سوريا أصبح الاسم الإيراني لها تماماً كاصطلاحات النظام الأسدي: "مؤامرة "، "حرب على المقاومة والممانعة"، "مندسين"، أو "مؤامرة إسرائيلية أميركية".

أراد أوباما مكافأة إيران بالاتفاق "النووي". أعطاها ما تريد؛ تمددت؛ اضطر الروس المتدخلين احتلاليا بالقضية السورية إلى إشراكها في أستانا؛ أصبحت مقرراً في القضية السورية؛ مستندة إلى علاقات وصاية على نظام أورثه الأسد الأب للأسد الابن؛ كان الاحتلال أيديولوجياً، وامتد اقتصاديا؛ وها هو نائب الرئيس الإيراني "جاهانغيري يوقع عشرات الاتفاقيات الاقتصادية مع نظام الاستبداد الأسدي فاقد الشرعية.

الآن، الكل يطالب بخروج إيران من سوريا. الاستثناء الظاهر "نظام الأسد" الذي يريد بقاءها علنا؛ لكن في الخفاء لا أحد يعلم ما يضمر. تراه بانتظار التأكيد الإسرائيلي: هل إذا خرجت إيران من سوريا، يبقى؟ هذا هو هاجسه. إذا تيقّن من ذلك؛ سيعرف كيف يخرجها: شركاء الجريمة أدرى ببعضهم البعض. هذا التعهد لم يصل النظام بعد؛ والاعتقاد السائد /لن يصل/. من هنا؛ تراه في أسوأ وضع يمر به منذ 2011. ها هي إيران "العدو الضرورة" يتحول إلى عبء على مشغليه؛ والأمور إلى أسوأ. أمل السوريين الخلاص من هذا الوباء. في الذكرى الأربعين للخمينية، كما نحن، شعب إيران يستحق الخلاص.

شارك برأيك