إيران ومزاعم هجوم التنف.. الدلالات والرسائل

2026.07.31 | 06:00 دمشق

يقع معبر "التنف" في عمق البادية السورية، ويقابله على الجانب العراقي معبر "الوليد"، في منطقة ترتبط جغرافياً بمحافظة حمص
+A
حجم الخط
-A

لا شك أن خسارة إيران لسوريا تمثل ضربة جيوسياسية وهزيمة جيوستراتيجية كبرى أنهت المشروع الإيراني الفارسي للتوسع والنفوذ الإقليمي في المنطقة والعالم، حيث أدى سقوط نظام "الأسد" المجرم إلى خروج طهران الفعلي والكامل من المشهد العسكري والسياسي السوري، بل إن هذا الخروج السريع وغير المتوقع أحبط خططها المتعلقة أيضاً بالهلال الشيعي، وإمكانية جعل الجغرافيا السورية ممراً لتسليح "حزب الله".

وهذا بالفعل ما لمسناه أخيراً من خلال توجهات الدولة السورية الجديدة التي تولّت زمام الأمور بعد سقوط النظام البائد، وقيام أجهزتها المختصة بعشرات العمليات التي أدت إلى إحباط وإفشال مرور شحنات الأسلحة والعتاد المهرّب عبر الداخل السوري إلى ميليشيا "حزب الله" في لبنان.

وفضلاً عن ذلك، فقد اتخذت دمشق العديد من الإجراءات الميدانية "الحاسمة والرادعة" للحد من احتمالية أي وجود أو نفوذ عسكري إيراني مباشر أو غير مباشر داخل البلاد. وهذا ما لخّصه الرئيس أحمد الشرع في أحد تصريحاته حين قال: "إن الإطاحة بالأسد أعادت المشروع الإيراني في المنطقة 40 عاماً إلى الوراء".

نهاية وسقوط المشروع الإيراني

عملياً، وبسقوط نظام الأسد، فقد انتقلت سوريا إلى تموضع عربي ودولي وإقليمي مختلف تماماً عما كان عليه خلال فترات حكم آل الأسد، حيث اتجهت الحكومة السورية الجديدة، وبالتعاون مع محيطها العربي والدولي، إلى الحد، وبشكل قاطع، من أي نفوذ أو وجود عسكري لإيران داخل أراضيها.

وهذا ما يعبّر فعلياً عما أراده الشعب السوري، كون طهران وميليشياتها، وعلى رأسها "حزب الله" اللبناني، قد وقفوا بإجرامهم في وجه تطلعات الشعب السوري، وشاركوا "الأسد" في قتل السوريين وتهجيرهم، وتدمير مدنهم وممتلكاتهم.

يُعد السلوك الإيراني في المنطقة نهجاً استراتيجياً قائماً على "هندسة وإدارة الفوضى" واستخدام الميليشيات والأذرع الطائفية لتعزيز البلطجة والنفوذ..

وبالتأكيد، فإن توجه الدولة السورية وإجراءاتها الجديدة هذه قد وجّهت ضربة قوية لحلفاء وأنصار إيران في المنطقة، أو ما يسمى "محور المقاومة"، من خلال إنهاء ممر الإمداد البري الحيوي الذي كان يربط إيران بلبنان عبر العراق وسوريا، والقضاء على تموضعات «إيران» العسكرية الواسعة في الداخل السوري.

وهذا بدوره، مجتمعاً، أدى إلى تقويض قدرات "حزب الله" العسكرية والاستراتيجية، بالإضافة إلى تعقيد موقف ودور "طهران" الإقليمي في المنطقة والعالم.

إيران ومحاولة خلق وإثارة الفوضى

عملياً، ومنذ عقود، يُعد السلوك الإيراني في المنطقة نهجاً استراتيجياً قائماً على "هندسة وإدارة الفوضى"، واستخدام الميليشيات والأذرع الطائفية لتعزيز البلطجة والنفوذ، وتحويل بؤر التوتر في المنطقة واستثمارها كأوراق ضغط سياسية واقتصادية لخدمة مصالح نظام الملالي وتوسيع نفوذه، من دون الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة وغير متكافئة، مما يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي ويعرّضهما للخطر.

ناهيك عن أن طهران، وكما هو معروف عنها، تتبنى استراتيجية الردع عبر تصدير الأزمات إلى دول المنطقة والعالم، وبالتالي ومع خروجها السريع من سوريا ومن المعادلات السياسية في المنطقة، وخاصة في فترة الحرب الأميركية الإسرائيلية التي ما تزال تدور رحاها حتى الآن، فقد اتجهت إيران إلى إثارة وزيادة حالات الفوضى الأمنية في اليمن وسوريا ولبنان ودول خليجية أخرى، وممارسة الفعل السلبي والضاغط فيها، واستثمار نتائجها الكارثية، وذلك كاستراتيجية عدوانية بديلة فاشلة، أملاً منها في استعادة شيء من دورها الإقليمي والدولي، وفي محاولة يائسة لإيجاد مواطئ أقدام جديدة لها في المحيط.

ومن خلال إجراءات عدائية عدة أقدمت عليها، مؤخراً، قصفت واستهدفت دول الخليج العربي، ودولاً أخرى في المنطقة كالأردن، ونفّذت عمليات قرصنة بحرية من خلال قطع ممر ومضيق هرمز، ومحاولة فرض رسوم عبور منه وإليه، وهذا بحد ذاته يُعد تهديداً مباشراً لحركة الملاحة الدولية الحرة في الممر، ويتعارض مع الأنظمة والقوانين الدولية الموضوعة لهذا الشأن.

بروباغندا وفبركة وحرب نفسية ورسائل

من ناحية أخرى، وفي محاولة لإثبات الوجود والتأثير في مسار الاستقرار الأمني في سوريا، فقد قامت طهران قبل عدة أيام بـ"حرب دعائية" ومناورات عسكرية "فارغة" أنكرها الجانب السوري "جملة وتفصيلاً"، وذلك من خلال إعلان حرسها الثوري استهداف مركز قيادة وعمليات أميركي في قاعدة التنف الواقعة على المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني، والتي أخلتها القوات الأميركية بالكامل في شهر شباط الماضي، وسلّمتها، مع كل القواعد الأخرى، إلى الدولة السورية، منهية بذلك أي وجود لها على الجغرافيا السورية.

في الواقع، ومن خلال إعلان طهران، عن طريق الحرس الثوري، أن القوة الجوفضائية التابعة له نفذت هجوماً مباغتاً ضمن ما سمّته الموجة الحادية عشرة من عملية "نصر 2" ضد مركز قيادة للعمليات الخاصة الأميركية في منطقة التنف، والتي أدت، بحسب البيان، إلى تدمير رادارات وسقوط قتلى وجرحى أميركيين، وأن العملية جاءت "ثأراً" لدماء الجنود الإيرانيين الذين قُتلوا نتيجة للغارات الأميركية في إيران، فإن طهران، باعتقادي، ومن خلال هذا البيان، وبغض النظر عن مصداقيته من عدمها، إنما تريد، عبر هذه الفبركة والبروباغندا الإعلامية، توجيه رسالة إلى دمشق مفادها أن القيام بأي محاولة لتجفيف منابع التهريب مع العراق وصولاً إلى لبنان، أو التفكير في أي تدخل سوري مباشر خارج الحدود، أو أي عمليات تريدها واشنطن بمشاركة سورية ضد "حزب الله" لنزع سلاحه، سيقابل بتصعيد وتهديد عسكري إيراني مباشر.

دلالات إعلان إيران السياسية والعسكرية بشأن هجوم التنف

عملياً، إن صح القول، فقد كانت إيران الضحية رقم واحد في مسلسل سقوط نظام الأسد، حيث ذهبت أدراج الرياح، مع سقوط هذا المجرم، عقود من العلاقات المتبادلة التي أنشأتها طهران بصبر وأناة لإقامة مشاريعها الاستراتيجية المشبوهة، وتحقيق نفوذها الإقليمي في سوريا والمنطقة، خاصة مع ضخها لكثير من المصادر المالية، بما يتراوح بين 30 و50 مليار دولار، وتحشيدها المقدرات والميليشيات العسكرية لضمان بقاء "الأسد" في الحكم.

وبناءً عليه، فالمشهد العام الحالي يشير إلى أن الجدل الدائر قبل أيام حول إعلان الحرس الثوري الإيراني قصف قاعدة التنف لا ينحصر، برأيي، فقط في إنكار الجانب السوري الرسمي وقوعَ مثل هذا الهجوم وتعقيدات خلفياته القادمة المحتملة، بقدر ما يعكس مرحلة سابقة وجديدة ومتقدمة، لها ما وراءها من إمكانية تطور التوترات السياسية، وربما العسكرية، بين طهران ودمشق، والتي تطفو على السطح، كما نعلم، منذ فترة ما بعد سقوط نظام الأسد البائد وسقوط المشروع الإيراني في سوريا والمنطقة.

في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإيران، وفي توقيتات بالغة الدقة، برزت الساحة السورية مجدداً كإحدى أكثر الجبهات حساسية في معادلة الصراع والنفوذ الإقليمي والدولي..

وطبعاً، في ظل كل ما ذكرناه من تبدل التموضعات والتحالفات وموازين القوى الإقليمية والدولية، ومحاولة إيران، ربما من خلال عدة تدابير غير مدروسة أو تصعيدية، توجيه رسائل ردعية إلى الحكومة السورية تتصل وتتعلق بملفات عدة، أهمها إحباط دمشق عمليات تهريب السلاح والعتاد الكثيرة والمتكررة، وقطع طريق الإمداد الحيوي لـ"حزب الله"، والذي أثر بدوره تأثيراً مباشراً في نفوذ طهران المباشر في لبنان، ناهيك عن طبيعة إعادة تموضع سوريا خارج محور النفوذ الإيراني.

ختاماً، وعملياً، وفي خضم التصعيد العسكري غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإيران، وفي توقيتات بالغة الدقة، برزت الساحة السورية مجدداً كإحدى أكثر الجبهات حساسية في معادلة الصراع والنفوذ الإقليمي والدولي، بعدما أعلنت طهران، كما ذكرنا، أن الحرس الثوري استهدف مركزاً للقيادة الأميركية قرب منطقة التنف في شرقي سوريا، في مقابل نفي سوري رسمي وقوع ذلك.

وعليه، فإن هذا التباين الحاد في الروايات، كما قلنا أعلاه، لم يكن مجرد خلاف حول حادثة ميدانية عابرة، بل هو مؤشر على تحولات استراتيجية أعمق تدفع إيران، في الوقت بدل الضائع، إلى توظيف الرسائل الإعلامية والسياسية واستثمارها كإحدى أبرز أدواتها في مواجهة الضغوط الثقيلة والمتزايدة عليها، في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة رسم التحالفات ومناطق النفوذ، فهل تنجح طهران في ذلك؟