إن لم تستح فاصنع ما شئت

تاريخ النشر: 13.10.2021 | 06:55 دمشق

لم تكد تصل السنة إلى نهايتها، غير أن الأخبار المتتالية بسرعة الضوء تجعلنا لا نلبث أن نصحو من الدهشات المتتالية، حتى تأتينا أخبار جديدة فنكتشف ما هو قادر على إدهاشنا أكثر.

لا علاقة بذلك للسنوات العجاف التي نعيشها على الأغلب، وإنما أصبح العالم برمته وقحاً إلى درجة لا تحتمل، بل وبات يجاهر بتلك الوقاحة ولا يخفي قباحة وجهه الجديد.

فإذا كنا ما زلنا نندهش على الرغم من كل ما حصل أو قد يحصل فذلك لأننا مصابون بلعنة الأمل، إذ مازال لدينا أملٌ ولو ضئيلٌ بالعدالة أو بالرحمة السماوية أو حتى بحصول معجزات قد تنقذنا من هذه المعاناة حتى على أقل تقدير.

ها هي فرنسا وأقرانها من الدول الأوروبية تغض بصرها عن نزاهة قضائها وادعائها المتواصل بدعم الشعب السوري، وتسمح للأسد العم بمغادرة أراضيها للتملص من تنفيذ الحكم الموجه ضده بتهم فساد واحتيال

ما الذي أيقظ هذه المواجع لدى السوريين اليوم إذن؟ سوى عودة السفاح إلى الأرض التي خربها ودفن في ثراها كثيراً من الأبرياء على مرأى ومسمع الجميع، من دون أن يحرك ذلك غضب المحاكم الدولية أو غضب الدول التي تدعي تطبيق حقوق الإنسان.

ها هي فرنسا وأقرانها من الدول الأوروبية تغض بصرها عن نزاهة قضائها وادعائها المتواصل بدعم الشعب السوري، وتسمح للأسد العم بمغادرة أراضيها للتملص من تنفيذ الحكم الموجه ضده بتهم فساد واحتيال ـ على الرغم من ضآلته ـ، فترسله إلى بر الأمان حيث تؤمن له حاضنة شعبية وتهيئ له جواً عائلياً في موطنه الأصلي وبين أحضان العائلة سليلة الإجرام، غير أن اللافت في الأمر أنها لم تجد ما يستدعي شرحاً أو توضيحاً أو اعتذاراً ولو بسيطاً من شعبها على الأقل لأنها خذلته بتحقيق عدالته على أحد اللصوص المحكومين بموجب قوانينها.

النتائج وليدة المقدمات، فمن غير المستغرب أن تفعل ذلك وترسل جزار السوريين المعروف بمجازره والمذكور بأفعاله الشنيعة بين السوريين من الجيل القديم، ليحيا بينهم ويتمتع بنعم لا يتمتعون بها، وكأنهم يضعون المخرز عامدين ليفقؤوا أعين من بقي من السوريين على قيد الحياة ويعبثون بذاكرته بمحاولة خبيثة لتضليل الحقائق وطمس التاريخ.

في الوقت نفسه قررت منظمة الشرطة الدولية إعادة دمج سوريا في نظامها لتبادل المعلومات وذلك بعد انقطاع بسبب العقوبات ضد دمشق في عام 2012، وبذلك ضمن نظام الأسد الوصول إلى المعلومات الخاصة بالنشرات الدورية التي تصدرها المنظمة.

وعلى الرغم من أننا تبادلنا النكات وضحكنا للخبر فإن ذلك ليس أمراً كوميدياً على الإطلاق، إنه أمر غاية في الجدية، فالإنتربول الدولي قرر ـ وهو بكامل قواه العقلية ومن دون أن يعتقد أنه يخلّ بالأخلاق الدولية ـ أن يضع يده بيد المجرم الابن لملاحقة بعض اللصوص والمجرمين الفارين دولياً، ممن لا يرتقون ليكونوا في مرتبة الإجرام نفسها معه.

لقد أصبحت سوريا للناظر السوري من الخارج مثل قطعة حلوى تكاثر عليها الذباب وربما سنشهد صراعات كثيرة بعد، فيتغير توزيع الأدوار من جديد، فيما سيشترك سوريو الخارج والداخل بالنظر إلى المشهد من بعيد وهم أسرى لحالة من الشلل التام من جراء العجز وانعدام الحيلة ذاتها.

هل هذه هي البلاد التي أفنينا أحلامنا وأرواحنا في سبيلها، لا أظن أن أحداً منا يعتقد ذلك، لكن شعور الحسرة طغى فينا على شعور الاشتياق أو الحنين، فالصورة لا تشبه الصورة التي في ذاكرتنا والحقيقة لا تشبه ما تمنيناه.

في ظل ذلك تشغل قضية عودة اللاجئين وقت الأحزاب السياسية المعارضة والحكومات في الدول المضيفة ويسوقون الحجج للتدليل على ذلك، على اعتبار أن سوريا باتت وطناً آمناً يستطيع أبناؤه العودة إليه والتمتع بحالة الاستقرار فيه، والحال أننا أصبحنا نبدو مثل غرباء تماماً عن بلادنا وعن بلاد المنافي التي نهيم فيها، وكأن العالم بأسره لم يتسع لنا.

في قوانين العالم الجديدة من الطبيعي أن يكون العالم الحالي متغاضياً عن عودة رفعت الأسد حتى تمكن الأخير من المجاهرة بعودته والتفاخر بها وكأنها فتح عظيم، لأنه لو لم يملك ضوءاً أخضر لما تمكن من ذلك، وفي ذلك ما يثبت استمرار حالة الاستخفاف الدولية للشعوب والإمعان في إذلالها المعنوي.

لقد ضرب القضاء الفرنسي بنزاهته عرض الحائط بعد هذه الحادثة وفق ما أعتقد، بعد أن كان يضرب فيها المثل، لكن ذلك لن يؤثر في تاريخ فرنسا أو غيرها ولن يكبل يديها عن الاستمرار بحالة التدخل المتعالي في أزمات العالم العربي والشرق الأوسط.

لقد أثبتت التجربة أننا لا نمتلك زمام أمورنا الوطنية والدولية وأننا مجرد أدوات يستخدمها الأقوياء مثلما يرغبون وفي الوقت الذي يشاؤون فيه

هل علينا أن نغضب إذن؟ أو أن ننتظر العدالة؟ أم أن نرفع دعاوى للمحاكم الدولية نبدي فيها اعتراضنا على مجريات الأمور، تلك المحاكم التي لا تختلف عن الدول العظمى لأنها مرهونة لأجندات معينة ولا تحمل من الاستقلالية إلا اسمها.

وماذا ينفع الغصب من ذلك الموقف أو من غيره الآن، لقد أثبتت التجربة أننا لا نمتلك زمام أمورنا الوطنية والدولية وأننا مجرد أدوات يستخدمها الأقوياء مثلما يرغبون وفي الوقت الذي يشاؤون فيه.

ربما لن يعنيهم رد الفعل الذي قد تشكله الكائنات الضئيلة أمثالنا، لكنهم مع استمرار مثل هذه السياسات وتكرارها، يتعمدون مخاطبة أسوأ ما يمكن مخاطبته لدينا في الغريزة البشرية، لتتحول كل قيمنا التي نستميت للمحافظة عليها إلى شعور عارم بالغضب وشهوة للانتقام.

كلمات مفتاحية