إنها قصة الموت يا بُنَيّ

تاريخ النشر: 07.06.2018 | 00:06 دمشق

آخر تحديث: 07.10.2018 | 04:51 دمشق

في طفولتنا وشبابنا، كانت أقنية التلفزة المحلية الأرضية ـ فقيرة المحتوى ـ تحفل بالأفلام الوثائقية التي تعكس حياة الحيوانات في الصحاري والغابات والمحيطات. وكانت هذه الأفلام هي الشيء النادر القابل للمتابعة فيها، لدرجة أنها اشتهرت بالحديث عن تزاوج حيوان الفقمة ساعة سقوط بغداد سنة 2003، وعلى الهواء مباشرة. وبما أن حيوات البشر لم تكن ذات بال لدى القيّمين عليها ومن هو قيّمٌ عليهم من أمنيين وغوغائيين، فقد شكّلت هذه الوثائقيات متنفساً معقولاً للخروج من إحباطات الوعي إن وجِدَ.

كانت هذه الأفلام الوثائقية متقنة الإخراج وجميلة اللقطات،

مشاهدٌ قاسية تعبر أمامنا ونحن الصغار، تُظهر مثلاً أسداً حقيقياً على أربعة قوائم يكمن لغزالٍ شرد عن قطيعه وينقض عليه بحركة بهلوانية مُطيحاً بجسده الغض أرضاً وجاعلاً أنيابه تتلوّن بدمه القاني

وقد كانت مليئة بقصص التكاثر والصيد والموت والنزاعات الذكورية على الأنثى والولادات في حضن الطبيعة. ومما كانت تركز عليه غالباً في سرد سيرة قطيعٍ من "الوحوش" المفترسة، كانت معارك الإقدام على الفرائس بحثاً عن الطعام وليس سعياً للموت. مشاهدٌ قاسية تعبر أمامنا ونحن الصغار، تُظهر مثلاً أسداً حقيقياً على أربعة قوائم يكمن لغزالٍ شرد عن قطيعه وينقض عليه بحركة بهلوانية مُطيحاً بجسده الغض أرضاً وجاعلاً أنيابه تتلوّن بدمه القاني على مشهدنا ومسمعنا نحن المصابين بالذهول والحزن والتعاطف. وعلى العكس من المشاهد الجنسية التي تُظهر نكاح الأسد مع لبوته، والتي كنا نفتح فيها أعيننا حتى تتصل الجفون بالجباه، فكنا، وأمام منظر دماء الغزال / الضحية، غالباً ما نغلق مآقينا أو نضع أكفنا الغضة كالغزال على عيوننا لنشيح ببصرنا عن هذا المشهد المؤلم حتماً، وذلك لما للغزال من رمزية البراءة والجمال ولما للأسد من رمزية القهر والقوة.

حينذاك، كان ينبري لنا من هو أكبر منا شارحاً وموضّحاً بأن هذا المشهد هو جزء طبيعي من دورة الحياة وبأن الأسد، أو سواه من الحيوانات، هو جزء من دورة الطبيعة وبحاجة لكي يتغذّى. وقد أرادت الحكمة الإلهية أو الطبيعية أو القدرية أن يكون هذا الغزال عاملاً أساسياً مساعداً لاستمراره في الوجود. كما كان يمكن أن يتطوّر النقاش للإشارة إلى أن الحيوانات المفترسة لا تقتل للمتعة والتلذّذ أو لمجرد التمرين على القتل، وإنما هي تقتل لتعيش وتقتات. وكان الحديث ينتهي دائماً بالتركيز على القول بأنها "سنّة الحياة يا بُنيّ".

مرّت العشرات واستمرت الأفلام الوثائقية في استعراض حيوات الحيوانات وعوالمها العجيبة حمّالة الدروس والحِكَمْ. واستمر الإنسان يقتل ليس بحثاً عن قوته كالحيوان، وإنما لأسباب متشابكة أخرى يأتي الاستمرار في الحياة في ذيل قائمتها الطويلة.

ومع أن برامج وأفلام الحيوانات تجعل الأطفال حصراً يتألمون، إلا أنني مارست هذا التألم حتى بلوغي سناً متقدمة نسبياً. فما بالي وبال أعصابي بوثائقيات قتل الإنسان والتي صارت خبزاً يومياً للفضائيات كما للإعلام البديل وشبكات التواصل الاجتماعي؟

يخال للملاحظ بأن بعضنا صار يتلذّذ بتناقل صور الموت والدماء والتعليق عليه. وعلى هامش هذه الظاهرة، انطلقت المواجهات الفكرية بين ناقدٍ ومؤيد لهذا النشر المؤذي.

مجرم سوري يعمل في ميليشيات الأمنوقراطية المُشرّعنة محلياً والمُتأقلمٌ معها خارجياً بالصمت الشريك، وهو يتلذّذ بتقديم حصان جميل المحيا الى أسوده لكي ينهشوا بجسده بعد تجويعهم

ولكن يبقى الاعتقاد العلمي السائد هو في خطورة تطبيع التعامل مع مشاهد الدماء والقتل على النفس البشرية. فمن لم يكن يتحمل مشهد أسد الغابة وهو ينقضّ على غزالها، فمن الطبيعي جداً ألا يتحمّل مشهد الوحش البشرية التي تنهال على بشر مثلها بالضرب والتعذيب وصولاً إلى القتل والتشويه.

تناقلت مؤخّراً وسائل التواصل مشهداً مرعباً لمجرمٍ سوريٍ يعمل في ميليشيات الأمنوقراطية المُشرّعنة محلياً والمُتأقلمٌ معها خارجياً بالصمت الشريك، وهو يتلذّذ بتقديم حصان جميل المحيا الى أسوده لكي ينهشوا بجسده بعد تجويعهم. وبدأت التعليقات تُدين هذا الوحش البشري الذي استغل رغبة حيواناته في الاستمرار في الحياة وضعف حيلة حصانه الذي قاده الى قفص الالتهام ثلةٌ من مجرمي المجرم.

 أعتقد، ولا أجزم، بأن سهولة الحصول على مثل هذه المشاهد وإعادة نشرها، قد أدت فيما أدت اليه، إلى تجفيف المشاعر كما إلى إفقار المخيال. فالكتابةُ نصّاً عن مثل تلكم المشاهد يُمكن أن تحمل من الصور ما هو اشد بلاغة وتأثيراً من رؤيته صورة أم شريطاً مصوّراً. والخوف كل الخوف أن من يتناقل هذه المشاهد التي تعكُس وحشية بشرية تلتصق بمختلف الأمنوقراطيات العربية خصوصاً، سيتحوّل إلى كائن لا حسّ لديه سوى الانتقام وإعادة إنتاج الموت بصورة ربما تكون مشابهة. وإن كانت الغاية هي التوثيق وإثارة الانتباه وتأجيج التضامن أو تحفيز الإدانة، فالكلمات يمكن لها أن تكون أشدّ وقعاً. وهي ستكون أكثر تعبيراً عن وحشية وهمجية هذا الشخص وما يمثله. فلنكتب قصة الموت يا بُنَيّ.

كلمات مفتاحية