إندبندنت: إدارة ترامب تقرر اغتيال صحفي أميركي في سوريا

تاريخ النشر: 23.11.2020 | 16:35 دمشق

إندبندنت-ترجمة: ربى خدام الجامع

حاول الرئيس ترامب ومؤيدوه خلال الأسبوع الماضي منع عد الأصوات في الانتخابات، وبالرغم من اختلاف ذرائعهم إلا أنهم أخيراً استقروا على رأي أساسي واحد وهو حق الناخبين الأميركيين في إجراءات قانونية واجبة والذي انتهك بشكل من الأشكال. وهنا لا يسعني سوى أن أعبر عن صدمتي ودهشتي لذلك التناقض السخيف. فقد زعمت إدارة ترامب اليوم أنه يمكن تجريد الأميركيين من حقهم بالحصول على إجراءات قانونية صحيحة، وهذا ليس بالنسبة لحقهم في التصويت، بل لحقهم بالحياة. وماذا قدمت الحكومة من حجج برأيكم؟ إن الأسباب التي تجعل الولايات المتحدة ترغب باغتيال بلال وهو صحفي أميركي كان يعمل مراسلاً من سوريا، بقيت سرية، لدرجة أنها لا يمكن الإفصاح عنها في قاعة محكمة ربما!

وعندما تعرضت الحكومة لضغوطات من قبل المحكمة أكدت بأنها تتمتع بالحق المطلق لإصدار أمر يقضي باغتيال مواطن أميركي في أي وقت وفي أي مكان، حتى لو كان داخل الولايات المتحدة، ثم تذرعت بأن ذلك سر من أسرار الدولة وبأن تصرفاتها لا يمكن أن تراجعها فيها أية محكمة. وهنا عبر بعض القضاة عن صدمتهم بسبب ادعاء الحكومة تمتعها بتلك السلطات الواسعة، لأن هذا الادعاء لم يسبقها أحد إليه من قبل.

ومع تأكيد الحكومة على أن الأدلة سرية للغاية ولهذا لا يمكن مشاركتها أو نشرها، يرافق النحس الأميركيين الذين وقعوا في مرمى نيرانها، ولم يعد أمام من تبقى منا سوى أن يثق بحكم الرئيس مع انعدام أي دور للمحاكم في هذه القضية، ولكن ماذا عن الهدف المنحوس؟ ما عليه إلا أن يتوارى عن الأنظار.

إن العمل على هذه القضية أشبه بمشاهدة فيلم توم كروز: (تقرير الأقلية) على أرض الواقع، فقد أمضى بلال عقداً كاملاً وهو يعمل صحفياً من مناطق النزاع، ومنذ 2012 استقر في سوريا، حيث حاول أن يغطي جميع جوانب النزاع، ويشمل ذلك الثوار الذين دعمتهم الولايات المتحدة في البداية ثم أصبحت تصفهم بالإرهابيين اليوم. ومهما اختلفت آراء المرء حول هذا المستنقع المأساوي، فلا بد من القول بأن بلالاً لا يؤيد أي طرف، بل يقوم بعمله فقط.

ونهج بلال كما وصفه بسيط للغاية، إذ قال: "أتمنى أن يتيح عملي للناس رؤية وفهم آراء كل من تورطوا في هذا النزاع الرهيب، لأننا عندما نفهم الطرف الآخر عندها يمكننا أن نجد السبل لنحقق السلام الحقيقي المنشود".

ومع ذلك فإن تلك المقابلات التي أجراها والتي قدمت إشارات ودلائل للاستخبارات، هي السبب ربما في وضعه ضمن قائمة القتل، إذ في عام 2016 تم استهدافه ما لا يقل عن خمس مرات. كما أطلقت الولايات المتحدة صواريخ على سيارته مرتين عندما كان فيها، ثم استهدفوا مكاتب وكالته الإخبارية، بعدها استهدفوه شخصياً عندما كان في شارع مقفر بعد فترة قصيرة من إنهائه لإحدى مقابلاته.

ومن غير المحتمل لكل ذلك أن يكون مجرد مصادفات، فقد وافقت المحكمة على احتمال تعرضه للاستهداف، على الرغم من تأكيد قاض واحد على الأقل اليوم بأن المنطقة منطقة حرب ولذلك لابد أن يكون هنالك الكثير من عمليات الاستهداف في تلك المنطقة. إلا أن بلالاً استهدف بسيارته مرتين عندما كان يقودها بمفرده، ناهيك عن استهداف مكتبه، وصاروخ كروز الذي أطلق عليه عندما كان بالقرب من مكتبه، فضلاً عن انفجار قنبلة بالقرب منه في إحدى المرات. إذ حتى خلال أي حرب أهلية، من غير المحتمل أن يتعرض شخص واحد يعيش في قرية صغيرة لاستهداف دقيق يتكرر عدة مرات في عدة مناسبات كما حدث لبلال بمفرده في عتمة الحرب وضبابها.

وبما أن بلالاً بات قلقاً من احتمال نجاح حكومته في محاولتها السادسة لاستهدافه، لذا فقد طلب المساعدة من الملاذ الأخير المتبقي له والذي بوسعه أن يلجأ إليه، ألا وهو المحاكم الأميركية، ولم تكن الدعوى التي رفعها أمام المحكمة استثنائية، إذ لم يطلب من المحكمة أن تمنع الولايات المتحدة من إطلاق الصواريخ على سوريا، كما لم يطلب منها أن تصدر حكماً يقضي بإيقاف برنامج الاغتيالات عبر الاستهداف الذي تم الإعلان عنه على نطاق واسع، والذي تعتبره معظم دول العالم مخالفاً للقانون. بل كل ما طلبه من المحكمة هو إجراءات قانونية صحيحة، أي حقه بأن يخبروه هل هو مستهدف أم لا، ولماذا هو مستهدف، مع فرصة لدحض وتفنيد أي دليل.

ولقد وافق قاضي المحكمة على ذلك في بداية الأمر، وذلك عندما دعا للقيام بإجراءات قانونية صحيحة أصولاً، بحيث "لا تكون مجرد التزام بأصول المحاكمات أكل عليه الدهر وشرب" بل "فكرة تنبض بالحياة لحماية المواطنين الأميركيين من أي تجاوز للحكومة حتى في حالة الحرب". وبما أن إدارة ترامب لا ترغب بالدفاع عن قرارها القاضي بقتل بلال عبر تقديم أدلة، لهذا استحضرت فكرة أسرار الدولة، وادعت أنها تتمتع بامتياز وحق مطلق يخولها عدم تقديم الأدلة التي تقوم عليها تلك القضايا، ولكن دون تقديم تلك الأدلة ومع عدم توفر فرصة لدحضها، لم يعد بوسع بلال أن يثبت أنه استهدف بالخطأ ومن ثم رفعت القضية. وفي الوقت الذي تبدو فيه التهديدات التي تطال حياة بلال ثابتة وراسخة بشكل مخيف، يصبح حقه بإجراءات قانونية صحيحة أصولاً ليدافع عن نفسه مجرد جانب نظري بحت.

واليوم، لم يعد رأي الحكومة يقتصر على ادعائها بأن المنطقة تعتبر منطقة نزاع، بل أكدت على حقها الذي لا يمكن أن يراجعها فيه أحد باغتيال مواطن أميركي في أي مكان في العالم في حال قررت أن إدلائها بأية تفاصيل حول القضية لابد أن يكشف أسرار الدولة، وهنالك الكثير الكثير من أسرار الدولة.

وهكذا تزعم إدارة ترامب أنها غير ملزمة بتأكيد فكرة وجود قائمة قتل، وهل بلال موجود فيها أم لا، ولماذا هو موجود فيها. وذلك لأن قيامها بذلك حتى ضمن قاعة محكمة مغلقة تجري مرافعاتها وإجراءاتها بصورة سرية لابد أن يعرض أسرار الدولة للخطر كما يزعمون. وبذلك يجب أن تخضع مصلحة بلال لمصلحة الدولة وأمنها القومي، حتى لو كانت الدولة مخطئة كما نزعم هنا، وليس بوسعها أن تقدم أدلة كافية بالنسبة لهذه القضية.

فقد ادعت الحكومة بأن من حقها أن تقتل الأفراد، وأن تدفن ذلك الخطأ في حال أخطأت في ذلك.

إن الجواب المؤكد على هذه القضية الأساسية يجب أن يكون أنه لا يحق للحكومة أن تقتل قبل الرجوع إلى القضاء، وذلك لأن المواطن الأميركي يتمتع بحق الحياة، وفي حال اتهام بلال بارتكاب جريمة تستحق أقصى العقوبات، عندها لابد له من الاطلاع على سائر الأدلة، حتى ولو كانت سرية. وهنا تتمنى الحكومة أن تتجه الإجراءات القانونية فوراً نحو الإعدام دون محاكمة. بالرغم من أنه في حال حرمان بلال من جلسة استماع على الأقل وفرصة لتقوم محكمة محايدة بالنظر بالأدلة فإن ذلك سيحشرنا مع زمرة تضم الديكتاتوريين والمستبدين من مختلف بقاع العالم، كما سيقوض المثل والقيم الديمقراطية التي تعتبر جوهر كياننا بوصفنا أميركيين.

المصدر: إندبندنت 

مقالات مقترحة
فتاة ملثمة استغلت إجراءات كورونا وطعنت طالبة في جامعة تشرين
مجلس الأمن يصوّت على مشروع هدنة عالمية لـ توزيع لقاحات كورونا
وزير الصحة التركي: الحظر سيبقى في بعض الولايات بسبب كورونا