إلى ركاب الأوتوبيس السوري: "ألستم نور عينينا؟"

تاريخ النشر: 13.04.2022 | 07:49 دمشق

يقدم الطبيب وعالم النفس الروسي إيفان بافلوف نظريته في الاقتران الشرطي، وتختصر تجربته الشهيرة "بتعلّم الكلب أن يستجيب لمثيرات (محايدة) في الأصل، كصوت الجرس، بالاستجابة نفسها لمثيرات (طبيعية) مثل الطعام".. وبينما تبدو المقدمة جذابة في ظاهرها يتساءل أحدهم: ما علاقة (كلب بافلوف) بمملكة الرعب السورية؟

قبل أن أجزم باطمئنان بأنّ الديكتاتور يؤسس لمملكته اعتماداً على هذه النظرية، التي عرفت استخدامات واسعة جداً في ترويض الجماهير، وغسيل الأدمغة، والحروب النفسية. هو الذي يتعامل مع شعبه كقطيع من الحيوانات، التي يجب قمعها وضبط أجسادها. سأوضح أكثر: تعتبر سياسة التعذيب إحدى "المثيرات المحايدة" التي تحولت إلى آلية روتينية في سوريا، لترويض كلّ المعارضين لسطوة الأسد المنفلتة من أي قيود، وباستثارة "هرمون الخوف" بفعل أدوات القمع البوليسي والمخابراتي، يتم تحويلهم إلى "حاشية مطيعة" تزين له عظمته. لذا فالحرب عليهم تكون بلا هوادة ولا حدود، لكونهم الكتل الزائدة عن الحاجة، ولا موقف تجاهها سوى ترك باب التصفيات مفتوحاً على مصراعيه، حتّى يسلّموا بما قاله جورج أورويل يوماً إنّ "جريمة الفكر لا تفضي إلى الموت، إنها الموت نفسه".

كشف موقع "ترافل ريسك ماب"، عن خارطة جديدة من الدول المصنفة بحسب مؤشر "المخاطر الأمنية" لعام 2022، وكانت "ليبيا وسوريا واليمن والصومال والعراق ومالي وأفغانستان"، من بين الأكثر خطورة في العالم.

دعوني أكثف هذا التعقيد بتشبيه بسيط: يبدو الشعب السوري اليوم أشبه بركاب، هائمين على وجوههم، في أوتوبيس الوطن المتهالك، يسير بهم إلى دهاليز الموت السرية وأنفاق العدم. هذا يقودنا بطبيعة الحال لذكر الفيلم المصري "إحنا بتوع الأوتوبيس" الذي أنتج عام 1979، والذي جاء تعبيراً بليغاً عن مدى تعرض المواطن العادي لبطش الأجهزة الأمنية من دون أيّ مبرر منطقي. وفي الفيلم يتشاجر جابر ومرزوق مع محصل الأتوبيس. وبطريقة ما يجدان نفسيهما في المعتقل، مع أبرياء آخرين، تحت ذمة قضايا لفقها النظام بطريقة عشوائية، ليبدأ التحقيق تحت ظروف مهينة لا تمتّ للحياة الآدمية بصلة. هذا أيضاً يقودنا بالضرورة للحديث عن خديعة جديدة للأسد الذي خلع القفاز الحديدي والبدلة العسكرية ولبس قفازاً مخملياً وثوباً حريرياً ليقول بصوته الخفيض المستفزّ: "ألستم نور عينينا؟"، والحديث، بالطبع عن القانون الذي أصدره مؤخراً حول "تجريم التعذيب". خطوة لم يجد السوريون لها أيّ تفسير، في وقتٍ كشف فيه موقع "ترافل ريسك ماب"، عن خارطة جديدة من الدول المصنفة بحسب مؤشر "المخاطر الأمنية" لعام 2022، وكانت "ليبيا وسوريا واليمن والصومال والعراق ومالي وأفغانستان"، من بين الأكثر خطورة في العالم.

وبينما سخرت منظمة (هيومين رايتس ووتش) من القانون بعبارة "هذه ليس كذبة أبريل/نيسان، سوريا التي يُعتبر التعذيب فيها أمراً روتينياً أصدرت قانوناً يجرّم التعذيب!". ذات المنظمة ومنذ سنة 2013 كانت قد أصدرت تقريراً مفصلاً عن أنماط الاحتجاز والتعذيب، التي خضع لها مواطنون سوريون في مختلف مقارّ ومعتقلات استخبارات النظام السوري (أمن الدولة، المخابرات العسكرية، مخابرات القوى الجوية، الأمن السياسي، والأمن الجنائي). وفي خلاصات التقرير جاء أنّ الأنماط الممنهجة للمعاملة السيئة والتعذيب ترقى لكونها جرائم ضدّ الإنسانية.. يؤكد هذا الشهادات الحيّة لمعتقلين نجوا بأعجوبة من براثن النظام السوري: "إذا وضعت أذنيك على الأرض، بإمكانك سماع صوت شبيه بالغرغرة، كنا ننام وعلى مسمعنا أصوات أشخاص يختنقون حتى الموت.. يحاول السجان محو الصفة الإنسانية عن المعتقلين وتحويلهم إلى مجرد حيوانات داجنة، حيث يقوم بالسخرية من السجناء بالسؤال: (ماذا أنتم؟). هنا ينتظر السجناء من السجان بماذا يجيبون. بعد لحظات من التفكير يخاطبهم (أنتم بطاطا)، ثم يعيد السؤال: (ماذا أنتم؟)، فيجيب المعتقلون بحماس ورضا (بطاطا). "فالبطاطا أجمل الأشياء التي يُنعتون بها حتى الآن"... شاهدتهم يقلعون عينَيّ معتقل بمفك، ويثقبون رقبته وصدره بمثقب كهربائي، ثم سأل المحقق الجنود: (فطس!!). أجابوا: (نعم). قال: (كبوه بالحمّام). لكنهم قبل أن يخرجوه كتبوا على صدره بالقلم العريض "خائن للوطن"...

أحد السجّانين طلب من المعتقلين قص شعرهم، ولم تكن لديهم أي أداة لقصه. عندما عاد لاحقاً اختار فتى وقتله بحجة عدم إطاعة الأوامر!... لم تكن المشنقة في تدمر رأسية بل أفقية، وفي أيام الإعدام يُجمع الضحايا الذين تمّ استدعاؤهم في زاوية، ثم تُلقى الضحية على الأرض، وتوضع رقبته في حبلٍ يُشدّ، في حين يثبت أربعة حراس جسد المعذب على الأرض، ثم ينتقلون إلى اللاحق، مما يسمح بإعدام أكبر عدد متاح من المحكوم عليهم، وفي أقصر وقت ممكن. ربما مئة في أقل من نصف ساعة. ثمة من شبّه حركة الأجساد وهي تنتصب، ثم تسقط وتعلو وتهبط في أثناء الإعدام بمفاتيح البيانو"...

بالتساوق مع كلّ هذا الرعب، أكدت إحصائيات منظمات حقوقية عديدة أنّ الفترة ما بعد 2011 شهدت إعدامات وحشية صورية لأكثر من /13000/ مواطن سوري، وأنّ /75000/ آخرين اعتُقلوا وباتوا في عداد المفقودين. وإذا صحّ، منطقياً، أنّ الغالبية الساحقة من هؤلاء تعرضوا لأشكال شتّى من التعذيب، فإنّ مواد قانون الأسد توجب أن يعاقب (بالسجن 3 أو 6 أو 8 سنوات، أو المؤبد، أو الإعدام) قرابة 80,000 على الأقلّ من سجانِيّ وعناصر أجهزة الأمن، هذا إذا استبعد المرء الفظائع التي كشفتها صور التعذيب المسربة من المصور العسكري المعروف باسم "قيصر". ووفقاً لإحصاءات المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن تعداد من قتلوا تحت التعذيب وصل لنحو (47575) مدنياً موثقين بالأسماء، كما ذكر أنّ سجن صيدنايا الذي يطلق عليه اسم "المسلخ البشري" وصفته الأمم المتحدة بمكان "إبادة حقيقي للسوريين".

حقيقة قانون "تجريم التعذيب" كقانون حرية الترشح للرئاسة، ومراسيم العفو، وإلغاء قانون الطوارئ، وإلغاء المادة الثامنة من الدستور، وككلّ القوانين والمراسيم التي لا تساوي قيمتها الحبر الذي كتبت به

مضت نيويورك تايمز إلى القول إنّ نجاح نظام الأسد في مواجهة خصومه كان وراءه سبب محوري، هو ذلك النظام السري الممنهج من الاعتقالات التعسفية وسجون التعذيب. وعليه تخطى التعذيب في سوريا حدود المسؤولية الفردية لمرتكبيه، ليتحول إلى سياسة دولة تسعى إلى إحكام قبضتها على المجال العام، عبر سلسة رعبٍ متصلة من المثيرات المحايدة، لخلق حالة من "التطبيع" مع هذه الجريمة، تبدّل تصورات الضحايا عنها وعن شدتها. فلم يعد الركل والتهديد والإيذاء النفسي تعذيباً، طالما لم يصل الأمر للصعق بالكهرباء أو الجَلْد الذي يؤدي لإيذاء عنيف أو عاهة كبرى.

وحقيقة قانون "تجريم التعذيب" كقانون حرية الترشح للرئاسة، ومراسيم العفو، وإلغاء قانون الطوارئ، وإلغاء المادة الثامنة من الدستور، وككلّ القوانين والمراسيم التي لا تساوي قيمتها الحبر الذي كتبت به، غايتها خداع المجتمع الدولي عَبْر دعايات رخيصة ومكشوفة. نعم.. يذبح الأسد شعبه، ويصل إلى ذروة جبروته بينما يصرخ: "أنا البلاد.. والبلاد أنا". يكتبها علانية على جدران مملكته البائسة، ويطربه سماعها من أفواه الجوعى والمقهورين والمتسولين أمام عرشه الملكي، بينما يحرص على تسليط منظومة الاستبداد الحكومية وشبكاتها المجتمعية لإذلال السوري، وخلق حالة مستدامة من العجز، لتتولد داخله سلطة ردع غريزية/بافلوفية، تنهاه عن أيّ فعل قد يتعرض بسببه لنتيجةٍ مؤلمة. ولهذا ما انفك ركاب الأوتوبيس السوري يصرخون مع كلّ ضربة سوط، أسوة بمشهد تعذيب محمود، أحد المعتقلين الأبرياء في الفيلم المصري آنف الذكر:

"وشرفك يا بلدي.. سحابة وتعدّي..

إحنا ليكي، إحنا بيكي.. دا إحنا ياما خدنا منك..

 فيها إيه لو يوم ندّيكي..".

انضم إلى قائمتنا البريدية ليصلك أحدث المقالات والأخبار