إلى دريد لحام.. الموت السوري ليس موظفاً مرتشياً

تاريخ النشر: 12.06.2021 | 06:02 دمشق

منذ ثلاثين عاماً قال التشكيلي السوري الكبير فاتح المدرس في وصف صنعته: لم يعد الفن مرحاً، وفي هذا القول أمران: الأول شخصي يعكس تراجع دور الفن في ظل حكومات الأمر الواقع، والثاني يتعلق بدور الفن ذاته وأثره في المجتمع وتأثيره في مستويات الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي، ومساهمته في صناعة الموقف المناصر والمحرض على التغيير نحو الأفضل، والتعبير عن الهواجس والمخاوف التي لا يمكن إيصالها عبر المواطن العادي.

يحاول دريد لحام تقويم المأساة السورية لتصير مجرد حكاية موظف مرتش أحال البلاد إلى محرقة

حينذاك كانت سطوة البعث في ذروتها وهيمنة فكرها الإقصائي لكن قامات كبيرة عبرت عن سخطها بوسائل مختلفة في الفن والأدب، عبر الإسقاط واستعارة المعنى وبالرسم، بينما كانت صورة أخرى تتراجع في مخيال السوريين عن نجوم كان يعتقد الجمهور أنهم في خانته، وأنهم سيقفون مع أوجاع الناس وآلامهم عندما تحين لحظة كان لا بد من قدومها، لكن المصيبة كانت ليس في الخذلان بل في أن هؤلاء اصطفوا ضد إرادة التغيير حتى في شكلها السلمي.. وفي مقدمة هؤلاء كان دريد لحام.

في حديثه لموقع (إندبندنت عربية) يحاول دريد لحام تقويم المأساة السورية لتصير مجرد حكاية موظف مرتش أحال البلاد إلى محرقة، موظف استطاع إسقاط الدولة (إن وجدت) وقسّم المجتمع وهجّر الملايين ودمر الاقتصاد.

يصف لحام الوضع في سوريا بأنه بات خطيراً للغاية، والسبب: (السكوت عن الفساد)، وبالنسبة للحام الفساد نوعان: (فساد إنساني له علاقة بموظفين لا تكفيهم رواتبهم، وهم يرتشون كي يعيشوا ويطعموا أطفالهم، وهناك فساد سببه الجشع والطمع وهذا برأيي هو الأخطر).

هذا الذي يراه دريد لحام هو بالضبط ما تروج له سلطة البعث منذ أن تربعت على كرسي الحكم في أن الفساد هو سبب مصائب السوريين، وأن الرشوة هي أهم الأخطار التي تواجه الدولة وهي تقف عاجزة عن التخلص من هذا الوباء، وأما القمع والقتل والاغتصاب بكل أشكاله النفسية والجسدية فهي ليست سوى أعراض لهذا المرض الخبيث الذي ألحقه الموظفون بالوطن.

هنا لا يخرج لحام عن دوره المعتاد في تحويل مأساة السوريين إلى نكتة عابرة في أعظمها أن يأكل الحمار الدستور، وهو في نفس الوقت يؤكد قناعته التي طالما روجها في أن النظام يخوض حربا ضد الفساد والإرهاب الذي تتعرض له سوريا والحلفاء في محور المقاومة، وبذلك يتماهى مع دوره في الدفاع عن عقلية (التقية) في التعاطي مع قضايا كبرى كالوطن والشعب والحقوق والواجبات بإلباسها أثوابا أخرى تخرجها من مفاهيمها الحقيقية كأن يصير الوطن على سبيل المثال قائداً خالداً ورمزاً أبدياً، والشعب أوراقاً فارغة في صندوق الانتخابات تمنح هذا القائد عقداً نهائياً في حصتها من الحياة الكريمة والحرية.

ثم لا بد من بعض النقد الذي يمارسه دريد لحام كوطني كبير، ولا يضر المشاركة بالقليل من التظلم بما يلامس حالة السوري الفقير فهو حسب حديثه للموقع المذكور يتقاضى 50 ألف ليرة كراتب من نقابة الفنانين بعد خمسين عاماً من العمل أي ما يعادل 16 دولاراً أميركياً، وهو كما يقول يقترب مثل كل السوريين من الفقر في أدنى أشكاله.

تأتي الحقيقة على لسان من لا يريد قولها فجة وإن كان يعتقد أنه ينحو بها إلى مكان آخر

أما عن الثورة التي يصفها في الأحداث فيروي لحام قصة الاجتماع الذي حضره مع مجموعة من الفنانين في فندق صحارى حيث قال حينذاك: (وعندما جاء دوري بالكلام قلت للمؤتمرين، إنه في أي شارع أو مدينة سورية ستجد فاترينات لألبسة نسائية ثمن أقل فستان فيها ألف دولار أميركي، وستجد في الشارع ذاته شاباً يغطس في حاوية نفايات كي يستخرج شيئاً من القمامة ليأكله، هذا التناقض يعني أن المجتمع السوري آيل للزوال).. ومن ثم يتابع في مقارنة ذلك مع سوريا الستينيات حيث لم يكن هناك بعث يحكم البلاد ولا خطر يحدق بالمجتمع: (وهذا ما لم أكن أشاهده في سنة 1959، عندما تخرجت في الجامعة من كلية الكيمياء، وكان راتبي يصل لـ 425 ليرة سورية، وكان هذا الراتب حينها كافياً كي أعيش منه حياة كريمة، وأتزوج، وأنجب أطفالاً، وحتى لأدخر منه لشراء منزل.. لكنني اليوم أتحسر على خريج الجامعات السورية الذي ليس لديه أمل بأدنى درجات الحياة الكريمة، وليس لديه أمل بأن يؤسس بيتاً وعائلة).

تأتي الحقيقة على لسان من لا يريد قولها فجة وإن كان يعتقد أنه ينحو بها إلى مكان آخر فقصة البلاد التي آلت خراباً ليست في موظف مرتش أو مسؤول فاسد لم يحاسبه أحد.. إنها هناك في الرأس الكبير الذي يحكم ويقتل ويستبيح الوطن ومن عليه.