إلى الأمهات السوريات

إلى الأمهات السوريات

إلى الأمهات السوريات
إلى أمهات الضحايا والشهداء أقول: الحقد يقتل الروح (إنترنت)

تاريخ النشر: 21.03.2018 | 11:03 دمشق

آخر تحديث: 25.04.2018 | 23:24 دمشق

من يزيح هذا الليل الثقيل، فالفقد السوري كبير، وخيط الألم صار وجعاً في رحم الأمهات. والأمهات روح البلاد: أمهات الضحايا والشهداء، أمهات المقاتلين، وأمهات القاتلين والمقتولين، الأمهات اللاجئات والنازحات والمهاجرات، الأمهات الصامدات، الأمهات الخائفات اللواتي لو يستطعن لخبأنَ الأولاد بين الضلوع، الأمهات المحبات والكارهات....

حين ينزف السؤال جرحاً يا أمهات القاتلين: كيف انفتح بئر الشر في الأبناء هكذا، كيف صاروا قاتلين؟؟!!

 لن أناشد أبناءكن لأن الحقد صار أكبر من ضمائرهم، والخوف من الطاغية أكل هياكلهم، والقتل فتح شهية الموت في عروقهم؛  لن أناشدهم كي يتوقفوا عن قتل طفل يخافون من ظله، لن أناشدهم أو أسألهم كيف يطلبون من طفل في الغوطة أن يحمل  صورة ذله كي يزين هذا الخراب، بل ندائي يتوجه لكنّ أيتها الأمهات، يا نساء سوريا، أوقفن السقوط إلى هاوية هي أكثر من موت وأقسى من حرب.

هل من الصعب أن أقول لهن، وهن يعلمن علم اليقين أن أولادهن يذهبون ليركبوا طائرات الموت ويرموا براميل الحقد لتقتل وتزرع الموت فوق زهر المشمش والياسمين، هل من الصعب أن أقول لهن أوقفوا أولادكن عن قتل الأهل "الآخرين"، امنعنَ أولادكن من الخوض في دماء أهلهم، هل من الصعب أن أقول لكل أم امنعي ولدك من أن يكون القاتل!! هل يحق لي أن أصرخ في وجه الموت المتناسل من أرحامكن: كفى!!

يا أيتها الأم تخيلي أن ابنك هذا الذي يركب الطائرة أو الدبابة ويقصف بالغازات السامة أو الكلور أو أي موت حارق، تخيليه بارداً كالحجر، بارداً كالموت، تخيلي  كيف تلم الأمهات الأخريات أبناءهن من الموت ويزرعونهن من جديد في تراب، تخيلي قلوبهن كيف صارت مقبرة الأحباب، تخيلي العيون الحالمة وهي تسلم روحها للغياب..

صار  الوطن كتلة من الذكريات التي كلما جاءت أوجعت

أوقفن القتل كي لا تقضين العمر نواحاً على أولادكن القاتلين "المقتولين" بفعلتهم، ليس متأخراً أن أطلب منكن سحب أبنائكن من ظل الطاغية، مازال هناك بقايا حياة، كي لا تصبح سوريا بلاد المقابر والطغاة، فلتحرّمن الدماء على الدماء، لمن ستبقى عروش البلاد، من سيبني هذا الخراب، هل ستبقين كبقايا خيال تحرسن العتبات، أقول للأمهات..

مدنكن هي التي تُنهب، شوارعكن هي التي تُقصف، بلادكن هي التي تُهجر، وأولادكن أنتنّ من يقتلون ويذبحون، ثم يعودون إلى أحضانكن راضين مرضيين، حرّموا أحضانكن على الأبناء القتلة!!

أبناؤكن أيتها الأمهات السوريات، هم من يسرقون "يعفّشون" الوطن من الغوطة إلى عفرين، يسرقون الذكريات، يسرقون الزيتون والزنابق والأرزاق، فرحين بالـ"غنائم" ، يا ضياع التربية فيهم يا لضحالة الأخلاق. أبناؤكن يسرقون ملح الخبز الذي كان بين الناس، يقتلون العيش بين الناس، اضربوهم كما تفعل الأمهات بالأبناء حين تطاولوا على الله، حين تطاولوا على لغة الحب وحسن الجوار، أي أمهات تعيسات أنتن لهؤلاء الأبناء! 

أوقفن أبناءكن كي يتوقف الموت، ولو ساعة، كي نحصي الغياب، فسماء الخير تمطر، وأنتن تنجبن الحياة؛  الغزاة سيرحلون، صيرورة التاريخ تحكي أنهم راحلون، ستقف أمهات "الجنود، القتلة" ذات يوم ويقلن لحكام بلادهن لا نريد لأولادنا أن يُقتلوا هناك، لا نريدهم موتى، نريدهم أحياء؛ لا نريد أبناءنا قتلة فاليد الملوثة بالدماء لن تغسلها التوبة لن يغسلها ولا أقدس ماء!!

إلى الأمهات اللاجئات المهاجرات، أعرف أن اليوم الذي صررتن فيه الوطن بحقيبة كان حزيناً، أعرف أن أقدامكن في الطريق إلى أرض الغربة كانت واهنة. بعد هجرة البلاد يظل طيف الوطن يقرع الذاكرة، حزينات هن الأمهات اللواتي تَلَفّحْنَ بخوفهن وعبرن البحار كي يخلدن مع أبنائهن "بأمان" دون وطن ذات ليلة، لا ألومهن، فالموت كان أكبر من أن يُحتمل، لكن  اسألوا ذكريات أمي ماذا يعني الوطن حين تظللت بنافذة تشبه نافذة ، وبظل شجرة تشبه شجرة، وببحر يشبه بحرا، اسألوا ذكراها كيف اهترأت قدماها وهي تبحث عن خيال برتقالة ومدرسة، صار الوطن كتلة من الذكريات التي كلما جاءت أوجعت..

تذكروا وعلّموا أولادكم جغرافيا الوطن في فسحة بين معاناة المنفى وقساوة الغربة، فالوطن هو الذكريات، وعلى مر الزمن يعيش الوطن ويموت الطغاة والغزاة...

إلى أمي .. إلى أمهات الضحايا والشهداء أقول: الحقد يقتل الروح، والحزن لن تطفئه سلال الكراهية، الحقد لن يعمّر البلاد ولن ينجب فوق هذا الخراب إلا الخراب، أحببن أطفالكن وادعوهن لكي  يحبوا البلاد، فهذه البلاد حكاية من رحلوا حين حلموا بوطن أحلى..

يا أيتها الأمهات، يا روح الوطن، لكنّ النداء..

لتعد تهاليل الأمهات تنهي هذا الموات..

يا أيتها الأمهات، أعدن ناموس الأمهات.. أعدن ناموس الحياة...

كلمات مفتاحية