إلى أين تتجه الليرة التركية مع عداء أردوغان لـ "الفائدة" ؟

تاريخ النشر: 19.05.2018 | 16:05 دمشق

تلفزيون سوريا - مناف قومان

انتهى ثاني أسبوع من شهر مايو/أيار والليرة التركية لا تزال تعاني من ضغوط بيع كثيفة ناجمة عن مضاربات في السوق وسوء بعض المؤشرات الاقتصادية التي صدرت خلال الفترة القريبة الماضية. خلال أقل من شهرين وصل السعر إلى أعلى مستوى له عند 4.4976 بينما تقف مستويات المقاومة المقبلة عند 4.60 بحسب التحليلات التقنية لزوج العملة. منذ بداية العام هبطت الليرة التركية بأكثر من 10% واحتل أداءها المركز الثاني كأسوا عملة في الأسواق الناشئة بعد البيزو الأرجنتيني الذي شهد هبوطاً حاداً جعل البنك المركزي هناك يرفع سعر الفائدة إلى 40% وطلب خط ائتمان بقيمة 30 مليار دولار من صندوق النقد الدولي.

اخترق سعر الصرف حاجز نفسي وتقني مهم بارتفاعه فوق مستوى أربع ليرات للدولار وهذا فتح سيناريوهات كثيرة للأمام، والآن بانتظار ما سيفعله البنك المركزي التركي والتطمينات التي سيصدرها للتخفيف من هول الصدمة على العملة!.

سعر صرف الليرة التركية أمام الدولار

ثنائية الفائدة والتضخم

خلال العقود الماضية عانت تركيا العديد الأزمات النقدية والمالية المرتبطة بالعملة حصلت في الأعوام التالية: (1977،1994،1997،2001،2004،2008) وبالرغم من هذا استطاعت البلاد في أقل من 20 عاماً أن تتحول إلى دولة تُصنف عالمياً من الدول ذات الاقتصادات الناشئة ودخلت مجموعة العشرين G20 بحيازتها على المرتبة 16 في الناتج المحلي

على الرغم من النمو المرتفع والأداء الجيد للاقتصاد خلال الفترة الماضية إلا أن التضخم؛ آفة الاقتصاد يفرض ضغوطا تثير حفيظة المستثمرين حول قدرة البنك المركزي على معالجة هذه الآفة.

الإجمالي العالمي وفي المرتبة 15 من بين البلدان المصدرة، والـ22 من بين البلدان المستوردة، والخامسة ضمن أكبر الأسواق العالمية الناشئة، وفي العام الماضي 2017 حقق الاقتصاد التركي نموا أعلى من الاقتصاد الصيني صاحب أعلى معدلات نمو في العالم والذي يعد محركاً للاقتصاد العالمي برمته.

على الرغم من النمو المرتفع والأداء الجيد للاقتصاد خلال الفترة الماضية إلا أن التضخم؛ آفة الاقتصاد يفرض ضغوطا تثير حفيظة المستثمرين حول قدرة البنك المركزي على معالجة هذه الآفة، إضافة إلى العجز التجاري والدين العام. إذ لا يزال التضخم مؤلف من خانتين 10.85% حسب بيانات أبريل/نيسان الماضي على أساس سنوي مرتفعاً عن الشهر الذي سبقه 10.23%، وبلغ اتساع عجز الميزانية 23.2 مليار ليرة (5.3 مليار دولار) في الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي مقارنة مع 17.9 مليار ليرة قبل سنة، بينما تشير البيانات أن العجز التجاري التركي ازداد في الربع الأول من العام الحالي إلى 20.72 مليار دولار من 12.63 مليار في نفس الفترة من العام الماضي 2017، إضافة إلى نسبة الدين الخارجي على تركيا والذي يقدر بحوالي 266 مليار دولار أي 31% من الناتج المحلي الإجمالي بحسب مصادر محلية.

سياسة "استهداف التضخم"

أمام هذه الأرقام والمؤشرات على البنك المركزي أن يتخذ خطوات عاجلة لتخفيض وتيرة الإنفاق والإقتراض على المستوى الفردي والمؤسسي، ويتم هذا عبر رفع سعر الفائدة عن المستويات الحالية 8%  (ريبو لمدة أسبوع) و13.5% (للسيولة طويلة الأجل) حيث يشكل سعر الفائدة أداة البنوك المركزية النقدية تدير من خلالها المعروض النقدي للتأثير على التضخم وتهدأة روع المستثمرين من خسارة قيمة النقود بسبب التضخم.

تتبع تركيا في استهداف معدل التضخم سياسة "استهداف التضخم" منذ العام 2006 حيث يسهم تبني هذه السياسة في تحجيم خطر ارتفاع معدلات التضخم إضافة إلى تقليص عجز الموازنة. وتعد نيوزيلندا من أوجدت هذه السياسة في العام 1989 وقد أصبحت بحلول العام 2006 نظاماً لصندوق النقد الدولي. أما عن شروط تطبيقها فتحتاج إلى استقلالية البنك المركزي، وبنية تحتية وتقنية متطورة، واستقرار الاقتصاد الكلي، وأخيراً استقرار القطاع المالي وتطوره.

كان المركزي تدخل قبل أيام في الأسواق لتعويض بعض الخسائر المستمرة لليرة وذكر أن هذه الخطوة ستؤدي إلى ضخ سيولة نقدية تقدر بنحو 2.2 مليار دولار في البنوك التركية.

منذ اتباع تركيا لهذه السياسة تكررت الانحرافات عن المعدل المستهدف للتضخم ففي عام 2006 بلغ معدل التضخم المستهدف 5% وجاء الفعلي بواقع 9.6% وفي 2008 المستهدف 4% والفعلي 10.4% وفي 2010 المستهدف 6.5% والفعلي بلغ 8.5%، ومنذ صعوده إلى خانتين في بداية العام 2017 لا يزال المعدل يتراوح بين 10% إلى 12.98%. 

فهل يرفع المركزي سعر الفائدة ليسيطر على التضخم وينقذ الليرة من مزيد من الهبوط؟ يفترض أن الجواب على هذا السؤال أن يكون بحوزة المركزي المؤسسة المستقلة في تحديد السياسة النقدية، إلا أن هذا لا يبدو واقعاً فهناك من يرفض رفع أسعار الفائدة في تركيا ويركز على إبقاءها منخفضة ربما لدواعي دينية وأخرى اقتصادية وسياسية.

من جانبه أعلن البنك المركزي في 16 مايو/أيار أنه يراقب عن كثب تحركات الأسعار غير السليمة في الأسواق، وسيتم اتخاذ الخطوات اللازمة مع الأخذ بالاعتبار تأثير هذه التطورات على توقعات التضخم، وقد عوضت الليرة جزءً من خسائرها لتهبط إلى 4.41 ليرة أمام الدولار بعد هذا الإعلان. وكان المركزي تدخل قبل أيام في الأسواق لتعويض بعض الخسائر المستمرة لليرة وذكر أن هذه الخطوة ستؤدي إلى ضخ سيولة نقدية تقدر بنحو 2.2 مليار دولار في البنوك التركية.

تصريحات "عدو الفائدة" تثير المخاوف

كما سبق فإن البنك المركزي يحتاج لتحقيق فعالية عالية في استهداف التضخم؛ توفر درجة كبيرة من الاستقلالية تمكنه من رسم سياسته النقدية وتنفيذها من دون الخضوع للاعتبارات أو التدخلات السياسية، وبالتالي توافر الظروف التي تتيح المرونة في أسعار الفائدة ونظام سعر الصرف.

بعد إعادة انتخاب أردوغان كرئيس سيعمد إلى خفض معدلات الفائدة وليس رفعها، ومن وجهة نظره فإن معدلات الفائدة المرتفعة تقود إلى تضخم مرتفع.

إلا أن هذه النقطة لا تبدو جذابة بشكل كبير لرئيس الجمهورية أردوغان "عدو الفائدة" والذي يرى بلزوم خفض الفائدة لتعزيز الإقراض المصرفي والنمو الاقتصادي قبل انتخابات 2019، ففي أثناء لقاء جمعه مع مدراء محافظ مالية ومسوؤلي صناديق استثمارية في لندن في 14 مايو/أيار الجاري خلال زيارة إلى بريطانيا، قال فيها: بعد إعادة انتخابه كرئيس سيعمد إلى خفض معدلات الفائدة وليس رفعها، ومن وجهة نظره فإن معدلات الفائدة المرتفعة تقود إلى تضخم مرتفع، ويعتقد أن السوق عبارة عن مجموعة من المضاربين بينما يريد الناس العاديين معدلات فائدة منخفضة، جعلت هذه التصريحات الحاضرين في حيرة من أمرهم حول قدرة الرئيس على كبح معدل التضخم المتصاعد ووقف هبوط الليرة التركية في الوقت الذي يبحث عن معدلات فائدة منخفضة.

ومرة أخرى في نفس اليوم في مقابلة على وكالة بلومبيرغ الاقتصادية في لندن أشار الرئيس التركي إنه يخطط لفرض سيطرة أكبر على الاقتصاد بعد الانتخابات الرئاسية المقررة الشهر المقبل وإنه سيتعين على البنك المركزي أن ينتبه لما يقوله الرئيس وأن يعمل على أساسه. أثارت هذه التصريحات حفيظة المستثمرين حول مدى حقيقة استقلالية البنك المركزي في الفترة الحالية والمقبلة إذ من شأن عدم تمتع البنك المركزي بالاستقلالية اللازمة فضلا عن حجم التداخل بين السياسة المالية والنقدية ولاسيما في ظل تنامي عجز الموازنة، أن يولد ارتفاع جامح في معدلات التضخم.

ربما أردوغان محق

نص قانون "حور محب" في 1330 قبل الميلاد أيام الحضارة الفرعونية على عدم جواز أخذ سعر فائدة سنوي أعلى من ثلث قيمة المال وتم منع ما يطلق عليه اليوم بالفائدة المركبة،

قد يكون الرئيس على حق من حيث عداوته لأسعار الفائدة وتوصيات صندوق النقد الدولي التي عفا عليها الزمن كما يقول وأنها أي الروشيتة تؤدي إلى تدهور الاقتصاد بدل تعافيه. وعلى الأقل فإن قضية الفائدة بعمومها بقيت مثار جدل بين الفلاسفة والمفكرين منذ عصور ما قبل التاريخ، حيث نص قانون "حور محب" في 1330 قبل الميلاد أيام الحضارة الفرعونية على عدم جواز أخذ سعر فائدة سنوي أعلى من ثلث قيمة المال وتم منع ما يطلق عليه اليوم بالفائدة المركبة، وفي الفكر اليهودي بالقرن الثالث عشر قبل الميلاد مُنع أخذ الفائدة عن قرض ما بين الإخوة اليهود مع إباحته مع غير اليهود. أرسطو وأفلاطون في العصر الإغريقي استنكرا الفائدة بعمومها من باعث أخلاقي واعتبراها استغلال الأغنياء للفقراء، وأن النقود عقيمة ليست منتجة بذاتها كالأرض أو العمل. وفي الحضارة الرومانية تم إقرار نسبة 12% فائدة سنوية كحد أقصى للفائدة على القروض، وكذلك فعل البيزنيطيين. وفي المسيحية والإسلام تم رفض الفائدة (الربا) وتحريمها بعمومها.

ولكن من نافلة القول أن المستثمرين والمحافظ المالية تحرك الأموال والاستثمارات وفق ثنائية استقرار المعدل العام للأسعار والفائدة المرجوة من استثمار تلك الأموال في بلد ما. وبالتالي العداء مع سعر الفائدة وعدم إرضاء المستثمرين قد لا يكون الخيار الصحيح بالنظر إلى زوايا عدة من بينها اعتماد الاقتصاد التركي على رؤوس الأموال الأجنبية بشكل كبير

واستيراد تركيا لمواد الطاقة (نفط وغاز) بأكثر من 90% وعدم توفر تركيا على الصناعات الدقيقة والتكنولوجيا الحديثة وصناعات القيمة المضافة، وفي ظل نظام عالمي اقتصادي ليبرالي يتحكم فيه الدولار الأمريكي وصندوق النقد والبنك الدوليين (مركزهما أمريكا) وتُقيم فيه ملاءة الدول من خلال مؤسستي "موديز" و"ستاندر آند بورز".

مساعي تركيا للوصول إلى مرامي الدول المتقدمة يتحقق عبر تعبئة الفجوات في المؤشرات الاقتصادية، ولا يزال هناك فسحة من الوقت لتحقيق الإنجازات والنجاح في تنمية الاقتصاد وفق منظور ورؤية خاصة تقوم ربما على معدل فائدة صفري. أما الآن فمعالجة الظرف المأزوم الذي تمر به الليرة من وجهة نظر المستثمر؛ هو استحقاق مهم على البنك المركزي من وازع مسؤوليته عن العملة والقاعدة النقدية للحفاظ على القيمة والمدخرات والاستثمارات وتجنب أي تخارج لرؤوس الأموال من البلاد، وهذا قد يحتم عليه الإعلان بشكل متفرد أنه سيتخذ إجراءات صارمة من بينها رفع معدلات الفائدة والحد من المعروض النقدي.

مقالات مقترحة
موقع تلفزيون سوريا.. قصة نجاح لسلطة الصحافة في حقول من الألغام
"تلفزيون سوريا" يمضي لعامه الرابع بمؤسسة محترفة ومحتوى متميز
استطلاع آراء.. تلفزيون سوريا بعيون السوريين في الداخل
تحذير أميركي من استخدام عقار مضاد للطفيليات لعلاج فيروس كورونا
للمرة الأولى منذ أيلول.. لا إصابات بكورونا شمال غربي سوريا
"الصحة العالمية" تتوقع نهاية جائحة "كورونا" مطلع 2022