إلا من نجا..

إلا من نجا..

الصورة
16 تشرين الثاني 2018

أخطر ما تمر به المجتمعات وقوعها في حالة العجز، وشعورها بأن لا حل ينتظرها، وبأن مستقبلها محدد وواضح، وعليها أن تستسلم للوهن وواقعها المحتوم.

هنا تصَمُّ الآذان وتَنغلق على العقول النوافذ وتتشكل القناعات، وكَأنَّ وباءً تفشى المدينة.

وعندها تعود الرقاب متدلية لسكاكين الطغاة، والظَّهر مشرعة لسياط الجلاد.

من هنا تخلق أعذار القعود، وتبريرات الهروب ومفاتيح التسليم وهنا يقهقه فرعون (أنا ربكم الأعلى) ويسجد العبيد.

فمشكلتنا في العالم العربي وفي بعض ما يسمى بدول العالم الثالث والتي نمثل فيها رأس الهرم بالتخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي والتنظيمي هو الجهل، ولا نستغرب هذا المصطلح لكنها الحقيقة، وإلا لما وجدنا بعد كل هذا القتل والإجرام المنظم بحق شعب ودولة بأكملها أن يبقى سوريا واحدا يناصر عصابة الإجرام.

وما الأحزاب والتيارات التي تطرح نفسها على امتداد الساحة في منطقتنا سوى

تعاقبت كل تلك التيارات للسيطرة على الإنسان في منطقتنا واتخذت وسائلها للسيطرة على الطرف الآخر وإفناء من يخالف فكرهم وأهدافهم وعليه هناك هدف حزبي ضيق وهناك هدف وطني أعلى

أحد أوجه وظائف السيطرة وبقاء حالة التخلف والقبول بمنطق الاستبداد والتبعية على عكس الوظيفة التي وجدت من أجلها فكرة الحزب كمهمة تنظيمية تجميعية لإدارة الدول، حتى إن فشل في إدارة المجتمع ومقدرات الدولة يتنازل طوعيا لصالح الطرف الآخر.

مشكلتنا بأننا فهمنا وظيفة الحزب بشكل خاطئ أو هكذا أفهمونا، فتجاوزت مهمة الحزب من وظيفية تنظيمية إدارية إلى مُهمة فرض الرأي والعقيدة أيّاً كانت هذه العقيدة.

وهنا ظهر تيار يوظف عقيدة إلهية يحاسب بها باسم الرب من يشاء ويعطي البراءة لمن يشاء وفي الجانب الآخر ظهر تيارٌ مضادٌّ له يحمل أفكاراً من صنع تيارات فئوية يصارع ذلك التيار، وتعاقبت كل تلك التيارات للسيطرة على الإنسان في منطقتنا واتخذت وسائلها للسيطرة على الطرف الآخر وإفناء من يخالف فكرهم وأهدافهم وعليه هناك هدف حزبي ضيق وهناك هدف وطني أعلى.

وعليه فمشكلتنا ليست في الأحزاب أو الفكر المطروح دينياً كان أو قوميا أو أمميا، إنما بمفهوم الوظيفة التي نستخدم فيها هذا الحزب أو ذاك الفكر، وجلها مستخدم لدينا بإقصاء الطرف الآخر والسيطرة عليه وإبقائه أو قبوله مرتبط بالتابعية للجهات التي أوجدت هذه السلطة أو تلك سواء بالتراضي أو بالقوة.

مشكلتنا بالخوف الذي تحول من إيجابي عندما يكون ضمن الإطار الطبيعي سبيلاً لدرء مخاطر قد تجتاح حياتنا أو تعترض طريقنا، وفيه أمان مستقبلنا حين نفكر وننتج ما يأمن مستقبل حياتنا وحياة أبنائنا، إلى خروجٍ عن المألوف وتحوُّلٍ خطير قد يقتلنا ويؤرق حياتنا، فإن كنّا في مرحلة سابقة نكتب ونتحدث عن مسؤولية المجتمع والأسرة وسلوك التربية في جعل هذا الخوف ضمن إطاره الطبيعي أو خارج السيطرة ونستعرض المجتمعات وخاصّةً العربيةَ منها، والتي تجتاحها ثقافة الخوف أضعاف المجتمعات الأخرى، خاصة وأنها ثقافة عامة بين أفراد المجتمع جميعاً..

منَ الخوف منْ سلطة الاستبداد وسلطة المال وسلطة الفساد مروراً بإدارة المدرسة ومناهجها وبدءًا بكل أسرة وفي كل بيت.

فالهدف يتلاشى حين تصبح الدراسة وكتابة الواجب مرتبط بالخوف من المدرس ومن عقابه، وتميع صلة الرحم حين تصبح الطاعة خوفا من الأهل، ويقتلنا القهر حين نسكت عن حقوقنا وحين لا يمكننا التعبير عن إرادتنا، وحين لا نجرؤ أن ننصر المظلوم، وحين نكذب في حب أوطاننا خوفا من منظومة الاستبداد والظلم.

إلى خوفٍ يُجاوِرُ الأخطار في كل ساعة، ويُعايش الأهوالَ بين سندان التطرف ومطرقة الجلاد، في مشهد يُجسّدُ مشاهد القيامة أمام مرأى العالم.

والسوريون اليوم بعين انكسارهم في دول اللجوء، وفي صراع عجزهم أمام مأساتهم ومأساة أهلهم في الطرف الآخر.

والثورات يهددها مسألتان بغاية الأهمية طول الزمن، والانهيار الاقتصادي للشعب، وعلى النخب السياسية أن تدرك بأن التمكين الاقتصادي من أهم عوامل الصمود والنجاح وستبقى أنصاف المشاريع ترفع من أرصدة اليأس وانهيار الثقة، حتى لو حملها من يشهد التاريخ على نضالهم وصدق نواياهم فالعبرة بالخواتيم التي لم نقترب منها حتى الآن.

فلنا أن نتخيل جحيم ما وصلنا إليه عندما يضطرُّ السوريون التخلي عن وظائفهم قسرياً دون وجه حق كما يحصل في دولة الإمارات العربية المتحدة، أو اضطرارياً بسبب البطالة أو العجز عن دفع الضرائب الكبيرة التي تمارسها الحكومة السعودية إلى التوجه نحو مغامرات الموت في المتوسط أملاً في ظروف أفضل، أو خطر الترحيل لبلد الموت.

فكيف بحالنا في دول اللجوء الأخرى سيئة الصيت، وإلى أين وصلت مستويات الحد الأدنى من المعيشة واللقمة المغموسة بالدم والذل.

وعندما يفضلُ السوريون مخيمات الموت هرباً من مقتلهم تحت مقصلة نظام الأسد وحلفائه

ندرك حينها خطر الأيادي الملوّثة في المستنقع السوريِّ الممتد على كامل الثوب المرقع بالأعلام والرايات المختلفة

استثمار الطاقات البشرية، ونشر ثقافة التكامل المجتمعي والتشارك الإنمائي والاقتصادي، وخلق حالات إبداعية تتبناها مجاميع بشرية تؤمن بالتغيير، ومنظومة العمل الجمعي، والتخطيط المدروس.

والمتناحرة، ونستقرئ سياسة التجهيل عبر عقود من استنزاف العقول وفرض التعمية الفكرية والسياسية، وتعميق الخوف حتى الغيبوبة، إلا من نجا ... من الجهل والخوف ومن ذلك المستنقع وأحواض الدم والثأرية والقتل.

إلا من نجا.. والتزم التخلي عن الإرث الثقيل الذي حملنا فيروساته بتراكمات خمسين سنة من التبعية والإذلال الممنهج تحت سقف الأسد، والحاجة الدائمة للممولين أو الدول والمنظمات المانحة، إلى ابتكار مشاريع مختلفة، واستثمار الطاقات البشرية، ونشر ثقافة التكامل المجتمعي والتشارك الإنمائي والاقتصادي، وخلق حالات إبداعية تتبناها مجاميع بشرية تؤمن بالتغيير، ومنظومة العمل الجمعي، والتخطيط المدروس.

هذا ما على الناجين اتباعه لحين تغيير موازين القوى على الأرض، وفرض الحل السياسي.

فخارطة المستقبل في بناء الفكر الجديد والمختلف، واستثمار الشباب المخذول، ودعوة العقول غير الملوّثة والمنفية قصراً.

فحاجتنا اليوم لـ (راند - المؤسسة التي يعني اسمها الكثير في أدبيات المجتمع الأمريكي دلالة على مصنع الأفكار) لراند سوري وعربي فاعلة سيكون لها عظيم الأثر في العلوم السياسية والسلوكية والإحصائية والاقتصاد والمعلومات وتطوير مراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية ومراكز للتطوير وأخرى للتقييم، وعلى رأس ذلك قبة علمية في مواجهة التجهيل والخوف والتطرف والاستبداد.

شارك برأيك