إقامات الإمارات الذهبية للفنانين السوريين: قوة ناعمة واستثمار

تاريخ النشر: 09.06.2021 | 05:58 دمشق

آخر تحديث: 09.06.2021 | 14:57 دمشق

إسطنبول - يامن المغربي

"شرفتني دولة الإمارات العربية المتحدة بمنحي الجنسية الإماراتية، فشكراً لسمو الشيخ محمد بن راشد راعي الفنون والآداب والعلوم على هذه المكرمة. وكل التقدير لسموه لمنحه الإقامة الذهبية لكثير من الفنانين العرب والسوريين، والتي تتيح لهم فرصة العمل والإقامة المستمرة في ربوع الإمارات". 

كانت هذه التغريدة التي نشرها الممثل السوري ياسر العظمة عبر حسابه في تويتر في 27 من شهر أيار الماضي معلناً عن حصوله على الجنسية الإماراتية، ما أثار جدلاً واسعاً بين متابعي العظمة بين مبارك ومهاجم لحصوله على الجنسية. 

خطوة الإمارات لم تقتصر على العظمة، وإن اختلفت، إذ أعلن عدد من الممثلين والفنانين السوريين عن حصولهم على الإقامة الذهبية،  كـ قصي خولي وتيم حسن والمخرج السدير مسعود وغيرهم، شاكرين أمير دبي محمد بن راشد على هذه الخطوة عبر حساباتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، بطريقة متشابهة في النص والكلمات المنتقاة. 

 

 

ولم يكن منح الإمارات "الإقامة الذهبية" لفنانين سوريين فقط، بل شمل الأمر كذلك فنانين لبنانيين وسوريين، لتفتح هذه الخطوة باب التساؤل حول أهداف هذه الخطوة، وما إذا كانت تأتي في سياق سياسي، خاصةً مع استخدام الإمارات مؤخراً، الفن لتمرير رسائل سياسية إقليمية باتجاه خصومها. 

صورة أجمل للإمارات 

يُعتبر الفن أحد أدوات القوة الناعمة للدول، تبث من خلالها رسائلها لخصومها وترسم الصورة التي تريدها عن واقع البلاد والمجتمع، ولا تنفصل الإمارات عن هذه الدول بطبيعة الحال، إذ حاولت خلال العامين الماضيين سواءً من خلال مسلسل "ممالك النار" أو من خلال مسلسل "المنصة"، والأخير عرض عبر منصة "NetFlix" الأميركية، وعرض جزؤه الثالث مطلع حزيران الحالي. 

فيما وجهت رسائل سياسية واضحة من خلال "ممالك النار" الذي تناول حقبة السلطان العثماني سليم الأول ودخول قواته إلى مصر. 

وتبدو هذه الخطوات في سبيل الحفاظ على الصورة اللامعة للإمارات حيث ظهرت دائماً كدولة متقدمة وحضارية بأبراج شاهقة وإنارة دائمة وسيارات فارهة دون وجود لفقر أو عشوائيات أو بيوت بسيطة،  وهي صورة اعتادت الإمارات على تقديمها على مدى سنوات طويلة، بالإضافة إلى قادة مسؤولين في غاية الهدوء والسكينة حتى عند معالجتهم لعمليات أمنية خطيرة تهدد العاصمة أبو ظبي. 

ويرى الناقد والصحفي راشد عيسى في حديثه مع موقع تلفزيون سوريا أن خطوة منح الإقامات الذهبية تأتي كخطوة لتعزيز صورة البلد السياحي المحتضن للجميع، والبلد القادر على احتواء هذا العدد من النجوم وما يستلزمه هذا الأمر، فنرى الفنانين الذين أعلنوا الولاء لرؤسائهم سابقاً يقدمون المديح والثناء لحكام الإمارات. 

وتساءل عيسى: "حتى من لا يملك إقامات ذهبية، من هو القادر على انتقاد الإمارات؟! بالتالي هذا أمر طبيعي ضمن مشروع وأجندة سياسية واضحة". 

من جهتها قللت الممثلة السورية عزة البحرة في حديث مع موقع تلفزيون سوريا من أهمية خطوة منح الإقامات الذهبية للفنانين السوريين، معتبرةً أن الإمارات "معتادة على هذه التحركات مع الفنانين وهو نوع من الاستقطاب للنجوم". 

وتساءلت البحرة ما الذي يغيره حصولهم على الإقامة الذهبية من عدمه؟ خاصةً أن معظم هؤلاء الفنانين مقيمون في الإمارات أصلاً، كما أن كل الفنانين الذين رفضوا تأييد الديكتاتورية اتجهوا إلى أوروبا، وبكل الأحوال فإن حصول عدد من الفنانين السوريين على هذه الإقامات لا يغير شيئا من الوضع الخطير في سوريا"، بحسب رأيها. 

وسبق أن عرضت قنوات إماراتية أعمالاً درامية سورية خلال الموسم الرمضاني الأخير على شاشاتها الحكومية. 

من جهته يرى المحلل السياسي حسن النيفي أن للإمارات طموحاً في أن يكون لها دور في المنطقة، إلّا أن نقل هذا الدور من حيّز الرغبة إلى حيّز الواقع يحتاج إلى وسائل وآليات، ولعل إحدى هذه الآليات أو الوسائل هو القدرة على حيازة حاضنة عربية واسعة ذات طابع نخبوي (أدباء– مفكرون– فنانون– علماء – رياضيون)، ولعل أهم الطرق الموصلة إلى تلك النخب –كما تعتقد الإمارات – هي السخاء بالمال. 

 ويسعى كل نظام حكم إلى إيجاد حوامل أخرى، تعمل على تبرير وإنتاج خطابه السياسي، وهذه الحوامل تتمثل بالمؤسسات الأخرى، سواء كانت مؤسسات أو كيانات فنية أو دينية أو ثقافية، وبناء عليه، فإن استقطاب السلطة، أي سلطة ، أكانت الإمارات أو سواها، لشرائح من الفنانين، إنما يأتي في سياق إيجاد قنوات تحمل خطاب السلطة وتحاول إيصاله للجماهير بطريقة غير مباشرة، وفقاً للنيفي. 

وتنتقد منظمات حقوقية دولية، بما فيها "منظمة العفو الدولية" الإمارات العربية المتحدة، والتي قالت عبر موقعها الرسمي إن هناك معتقلين لا يزالون في السجن رغم انقضاء مدة عقوبتهم دون أي مسوغ قانوني، وتواصل حظر المعارضة السياسية وقمع حرية التعبير وفق المنظمة.  

تقرب من نظام الأسد أم ولاء النخب؟ 

لم تخف الإمارات تقربها من نظام الأسد علناً منذ إعادة افتتاح سفارتها في دمشق في عام 2018، وصولاً إلى تقديم معونات طبية خلال الأشهر الأخيرة إلى النظام لمواجهة فيروس "كورونا". 

ورغم أن جميع الفنانين السوريين الذين منحتهم الإمارات إقامتها الذهبية معروفين بمواقفهم المؤيدة للنظام أو غموض مواقفهم السياسية منه، لا يرى المحلل السياسي حسن النيفي في حديث لموقع تلفزيون سوريا أن إعطاء إقامات ذهبية لبعض الفنانين السوريين هو نوع من التقرّب إلى النظام. 

وأضاف النيفي "الإمارات لا تخفي تقرّبها من النظام السوري، بل هي من بادرت إلى إعادة فتح سفارتها في دمشق وبطريقة علنية، وربما كانت ستدفع بالعلاقات قدماً مع النظام لولا "الفيتو" الأميركي، فدولة الإمارات لديها قنوات سياسية مفتوحة ومباشرة مع حكم الأسد، ولا أعتقد  أنها مضطرة لسلوك طرق أخرى". 

أما منحها الإقامات الذهبية أو بعض الامتيازات الأخرى للفنانين السوريين، فهذا الإجراء له ما يماثله مع فنانين آخرين غير سوريين، وهو يندرج - وفق ما يعتقد النيفي - في رغبة كل دولة في حيازة ولاء النخب الثقافية والفنية، باعتبار تلك النخب تخاطب الجمهور العام من الناس. 

استثمار ورسائل للمجتمع الإماراتي

استثمرت الدول الخليجية أموالاً ضخمة مطلع تسعينات القرن العشرين في الدراما السورية، وهو ما ساهم في انتشار الأخيرة على المستوى العربي وأصبحت "رقماً صعباً" في عالم صناعة التلفزيون في العالم العربي. 

وبعد ما عرُف بـ "أزمة المقاطعة" بعد انطلاق الثورة السورية في عام 2011 وقرار المحطات الخليجية مقاطعة الأعمال الدرامية السورية، والاضطراب الذي ساد المدن السورية نتيجة العمليات العسكرية التي نفذها النظام، تراجعت المسلسلات السورية كماً ونوعاً. 

إلا أن الإمارات عادت لتكرر ما حصل في التسعينات ولو بشكل محدود، إذ عرضت عدداً من الأعمال السورية على شاشاتها الحكومية، وكذلك عبر شبكة "OSN" الرقمية، كما استعانت بممثلين سوريين في عملين حملا التوجه الإماراتي السياسي الواضح (ممالك النار- المنصة)، ليتحول السؤال بالتالي، هل تستثمر الإمارات في الدراما السورية أم في الإمارات نفسها؟ 

وقال الناقد والصحفي راشد عيسى لموقع تلفزيون سوريا إنه "عموماً ليست هناك صناعة سياسية كاملة، لكن هناك مسلسلات كثيرة ليست سياسية، ولكنها لا تتعارض مع سياسة الإمارات، لكن هناك مسلسلات أخرى، كمسلسل المنصة على سبيل المثال، يمثل السياسة الإماراتية حرفيًا وبوضوح، وكأن المسلسل صنع لوضع الصورة التي تريدها الإمارات للإسلاميين، فضلاً عن ضرب تركيا ضمن الخلافات بين الأخيرة والإمارات، بينما يبرز حضور نظام الأسد كتحصيل حاصل". 

وفي الوقت الذي ترى فيه الممثلة عزة البحرة أن الإمارات تمرر رسائلها بعشرات الطرق وليست بحاجة إلى عمل درامي لتمرير هذه الرسائل، لكنها تستغل الفنان السوري المطلوب جماهيرياً، أما عن دعم النظام السوري فالأخير مدعوم من دول كبرى وليس بانتظار دعم مادي من خلال مسلسلات لمساعدته بطبيعة الحال. 

والهمّ الأول للإمارات برأي عيسى هو السياسة الإماراتية ورسائلها، وكان من الصعب استشعار هذه الأجندة السياسية للإمارات قبل فترة، وكان الاستثمار في دراما رائجة عربياً، التي لا تملك الإمارات فيها أرضية صلبة جماهيرياً ضمن طابع اجتماعي والنجوم السوريين منتشرين عربياً. 

وأضاف عيسى أن هناك رسائل اجتماعية للمجتمع الإماراتي نفسه، الذي يعاني ولو بشكل أقل من مشكلات موجودة في الدول العربية الأخرى، كالبطالة والتسول والفقر والزواج والطلاق وغيرها وتطرح هذه الهموم المحلية عبر الدراما السورية.