إفلاس خزينة النظام وصل إلى قهوة الوزراء

إفلاس خزينة النظام وصل إلى قهوة الوزراء

الصورة
البنك الدولي ذكر في 2016 أن الاحتياطي النقدي بالعملة الصعبة في المصرف المركزي قد انهار إلى 700 مليون دولار (إنترنت)
28 شباط 2019
وجيه حداد - تلفزيون سوريا

كم من الوقت يستطيع النظام مداراة إفلاسه المالي والقفز فوق متطلبات الإنفاق العام؟ وأية موارد أو قروض خارجية أو داخلية يمكن لها أن تسد ثقوب خزينته الخاوية؟  وهل يمكن له الاستمرار في ظل عجزه الواضح عن تلبية أبسط مقومات الحياة في بلد مدمر كليا ويحتاج ثمانون بالمئة من سكانه إلى مد اليد والعون للوصول إلى خط الفقر؟

وزراء النظام بلا قهوة مجانية

تداولت الصفحات الموالية قرارا صادرا عن عماد خميس رئيس حكومة النظام يفيد بحرمان موظفي الدولة بمن فيهم الوزراء والمديرون العامون من القهوة في مكاتبهم، ولا يعني ذلك منع وزرائه من شرب القهوة أثناء الدوام، ولكنهم لن يشربوها على حساب الخزينة العامة كما جرت العادة، ولن يكون هناك بند في النفقات العامة اسمه "ضيافة القهوة".

ويمكن لموضوع القهوة لو كان بمفرده أن يقترب من الفكاهة ويندرج في باب الحركات البهلوانية التي اعتاد عليها رجالات النظام في معرض تسويق أنفسهم كرواد للنزاهة والتقشف والعمل الجاد، غير أن الخبر على بساطته وتزامنه مع الأزمات المتدحرجة مثل كرة الثلج، يفصح عن مدى الضيق المالي الذي وصل إليه حال النظام هذه الأيام، ويدل على إفلاسه بالمعنى الحقيقي وليس المجازي.

مؤشرات عجز وإفلاس النظام

وكانت إجراءات "خميس" التقشفية قد تصاعدت بشكل واضح وجلي بعد إقرار الموازنة العامة لعام 2019 وتجلت بتخفيض مخصصات القطاع العام من المشتقات النفطية بنسبة 25%، غير أن الواقع يدل على أن نسب التخفيض أعلى من ذلك، فقد وصل الحال منذ أيام إلى توقف سيارات القمامة عن العمل في بعض المناطق لغياب مخصصاتها النفطية كما في "ببيلا"، أو ليرتفع التقنين الكهربائي بشكل حاد في كل سوريا بمعدل 12-16 ساعة يوميا، على خلفية عدم حصول وزارة الكهرباء إلا على نسبة 27% من حاجتها النفطية، بحسب مصدر في الوزارة ، وذلك بالتزامن مع التقنين المحدد بـ "البطاقة الذكية" على سائر المشتقات النفطية، وتحديد حصة المواطن من البنزين والمازوت فيها.

ولا يقتصر الأمر على المشتقات النفطية باعتبارها أزمة مرتبطة بالعقوبات كما روج النظام، فقد كان وزير النقل علي حمود أول من أعلن الإفلاس صراحة في مجلس الشعب ردا على منتقديه، ومبررا عجزه عن إنجاز المطلوب بقوله: ما في مصاري، ما في عند الحكومة مصاري"، في ذات السياق أعلنت محافظة دمشق أن مدفوعاتها "بدل إيجار" لسكان الرازي وما حولها "تثقل كاهل المحافظة" بحسب جمال يوسف رئيس دائرة التخطيط في محافظة دمشق الذي يضيف" وقد وجدنا صعوبة بتأمين المبالغ المالية لبدلات الإيجار خلال الأشهر السابقة".

وليس موضوع الإفلاس بجديد، فقد كان البنك الدولي منذ عام 2016 قد ذكر أن الاحتياطي النقدي بالعملة الصعبة في مصرف سوريا المركزي قد انهار إلى حدود 700 مليون دولار فقط، غير أن الجديد في الأمر هو الانكشاف المالي للنظام في ظل تراجع دعم حلفائه له ماليا، وتوقف خط الائتمان الإيراني لأسباب تتعلق بأزمات إيران من جهة، وللضغط على النظام من جهة أخرى لتحصيل المزيد من المكاسب السياسية والاقتصادية لها في سوريا.

الحل بمزيد من الضرائب والدين العام

رغم غنى الدولة بالأصول المملوكة إلا أن الطابع العقاري لمعظم هذه الأصول يحول دون تسييلها ماليا لصالح النظام في الظرف الراهن لاستحالة وجود المستثمرين أو الشارين المحتملين، فيما الثروات الباطنية المتاحة يتم منحها على شكل استثمارات "للحلفاء" كما في عقود الفوسفات مع الروس، وبانعدام الموارد لم يتبق أمام النظام سوى فرض المزيد من الضرائب وتخفيض الإنفاق العام، وهما أمران يمسان حياة المواطن بشكل مباشر ويدفعانه إلى المزيد من الحاجة والفقر، عدا عن كونهما لا يلبيان حاجة النظام.

ومع شح الموارد وتراجعها بشكل كبير، وعدم كفاية الضرائب المفروضة لمصاريفه، يحاول النظام الهروب إلى الأمام باحثا عن إنفاق مسروق من مستقبل السوريين ليستدين ما يزيد عن ثلث موازنته من الاحتياطي والبنوك الداخلية كدين مؤجل إلى ما بعد عام 2034.

ومع الشك بقدرة الاحتياطي على تغطية عدة سنوات قادمة لعجز الموازنة، فإن تراجع الإنفاق الداخلي لا تتوقف مفاعيله على الأزمات الاقتصادية وإضعاف روابط النظام مع جمهور الموالاة ومع الكادر الوظيفي الذي يصل إلى مليون ونصف موظف مدني وعسكري، بل يتعداه إلى الإضرار الشديد بالدائرة الضيقة من المنتفعين التي اعتادت على نهب القطاع العام وموارده بما فيها الموازنة العامة.

أزمات متعددة ومستدامة

فيما حذر بعض النواب الموالين أن أزمة الغاز ليست سوى المقدمة لأزمات قادمة بشكل واسع تطال الكهرباء والخبز وغيرها من القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم، فقد كشفت الأيام الماضية أن الأزمات هي نتاج إفلاس النظام، وعدم قدرته على تغطية فاتورتها بالعملة الصعبة، وليست بفعل العقوبات ولا الحصار ولا بسبب قانون سيزر الذي لم يفعل بعد، فقد استطاعت المعامل الخاصة ومنها معامل السيراميك استيراد احتياجاتها من الغاز بدون أية عراقيل خارجية، وذلك بعد توقف النظام عن إمدادها بالمادة.

ومع عدم التفاؤل العاجل بانهيار النظام من بوابته الاقتصادية، إلا أنه بات يتحسس وضعه الصعب لإدراكه أن استحقاقات المرحلة الراهنة تختلف عن استحقاقات الأعوام الماضية لاختلاف ظروفها الحربية، لهذا حاول رأس النظام  في خطابه الأخير استعادة أجواء السنوات السابقة، مؤكدا تسرعه وتسرع نظامه بإعلان النصر ورفع شعار " خلصت"، في محاولة منه للتهرب من الاستحقاقات المالية الراهنة، في السياق نفسه جاءت زيارته المفاجئة لطهران كأنها استغاثة عاجلة ومحاولة لمقايضة نفوذ تطلبه إيران سياسيا وعسكريا مقابل دعم  اقتصادي عاجل لنظامه.

بدورهم، الموالون الخائبون من تردي أوضاعهم المعيشية، باتوا أكثر يقينا أن دماءهم لا وزن لها في معارك الحصول على الرغيف والغاز، وأنهم مقبلون على الأسوأ في ظل عجز النظام عن تحسين ظروفهم ورفع الحد الأدنى للأجور، وسعيه الدائم لتمويل نفقاته من جيوبهم، كما مول حربه من دمائهم.

غير أن سقف الرهانات على تلك الخيبة ما يزال متواضعا ومحكوما بالشك، وخصوصا أن النظام استطاع، حتى الآن، أن يقنعهم بمسؤولية الآخرين عن فقرهم و إفلاسه، ولكن السؤال المطروح إلى كم يستطيع تمييع وتفادي تلك المواجهة في ظل الأزمات المتعددة والمستدامة؟.

شارك برأيك