إسرائيل ليست منقذنا من إيران

تاريخ النشر: 08.06.2018 | 00:06 دمشق

آخر تحديث: 22.12.2018 | 06:07 دمشق

يقود الإحباط والوهن، بعض السوريين، بحسن نية أو سوئها، للتعويل على إسرائيل، لطرد إيران من بلادهم. وهذا مقتل أخلاقي، وعمى سياسي، وجهل ثقافي تاريخي. فما يجري واقعياً اليوم هو استبدال نظام الأسد في الوظيفة الإسرائيلية التي أسندت له لنحو نصف قرن، بنظام الملالي.

منذ انتصار ثورة الخميني رفع شعار تحرير القدس، كذريعة للتمدد الى قلب العالم العربي، عبر نخر جسده بهذه الأداة المجربة، القضية "البياعة" التي جربها حافظ الأسد قبلهم، لخداع الشعب السوري،

إيران التي لا تملك ميزة الحدود، قدمت نفسها عبر صفقة مختلفة الشكل، لكن جوهرها هو حماية بقاء إسرائيل

ثم جزء من شعوب المنطقة، معمي البصر بهذا الشعار، في الوقت الذي سلم فيه الجولان لإسرائيل، كمثمن لوصوله إلى السلطة، وحماية الحدود الإسرائيلية لنحو نصف قرن، كثمن لاستمرار تلك السلطة وتوريثها.

إيران التي لا تملك ميزة الحدود، قدمت نفسها عبر صفقة مختلفة الشكل، لكن جوهرها هو حماية بقاء إسرائيل أيضا، عبر الظهور كبعبع يستقطب عداء العالم العربي من بوابة الطائفية، و يحمل "كتفاً "عن إسرائيل، عبر تشتيت طاقات العرب نفسياً ومادياً، ليصبح لهم عدوان  بصيغة دولة دينية هما إسرائيل وإيران أولاً، وباحتلالها لسورية واليمن والعراق ولبنان، أصبحت إيران العدو الرئيسي، وهي في طريقها لأن تصبح العدو الوحيد، وخلف دخان الصراع الطائفي الأسود، غابت إسرائيل وجريمتها الكبرى، وهي الآن تطل برأسها، كصديق، ثم حليف وفق مبدأ عدو عدوك! ولن يطول الزمن حتى تصبح منقذ العرب!

 قادة إسرائيل يعلمون جيدا أن عين طهران على البلاد العربية، وليس عليها، ولو كان الأمر خلاف ذلك لما سمح لها باحتلال سوريا. أمر يشبه السماح للنظام السوري باحتلال لبنان في الحقبة السابقة، والقضاء على المقاومة الحقيقية للمشروع الصهيوني، النابعة من الضرورات التاريخية للشعب الفلسطيني والعربي، واستبداله بمقاومة طائفية إيرانية زائفة، تثبت الاحتلال الإسرائيلي، كطريق غير مباشر لفرض وتثبيت الاحتلال والنفوذ الإيراني، عبر تقويض وحدة المجتمعات المحيطة بإسرائيل وتمزيق نسيجها من الداخل.

النفوذ الإيراني وتناميه، وتمدد احتلالها إلى مزيد من الأرض العربية، حاجة إسرائيلية، وهذا مُتواطئ عليه بين الطرفين. والتعويل على وجود صراع أو تناقض مصالح عميق بينهما، ماهو إلا أوهام عاجز، هو الجسد العربي المريض، الذي يجري اقتسامه كحصص في الكواليس.

في الأفق العالمي أيضاً، تهدف الضغوط الأميركية الحالية على إيران، إلى تكييفها مع الدور الإسرائيلي، وتكمل المشهد روسيا، حيث يقيم بوتين بدور العراب للاتفاقيات والتفاهمات بهذا الصدد.

كسوريين، على الأقل، لا يمكن أن تنفصل مقاومتنا للمشروع الإيراني عن مقاومة المشروع الصهيوني،

مباشرة المقاومة لإيران كما لإسرائيل، وبأنفسنا، هي الخطوة الأولى؛ ومعالجة الصراع بمنظور استراتيجي واسع، يتخطى المذهبي والديني

والمقاومة هذه ليست شعارا آخر براق، هي ضرورة واقعية تثبتها الإبادة التي حصلت في سوريا ولبنان واليمن والعراق، وجهود التهجير التي انتجت حتى اليوم نحو ١٢ مليون مشرد، والتغيير الديمغرافي والمذهبي المتصاعد. نحن إزاء محنة، ليس بوسعنا سوى أن نكافح بنبل وبموقف واضح. لا بأن ننافس إيران على من يخدم مصالح إسرائيل أكثر.

مباشرة المقاومة لإيران كما لإسرائيل، وبأنفسنا، هي الخطوة الأولى؛ ومعالجة الصراع بمنظور استراتيجي واسع، يتخطى المذهبي والديني، ويلتصق بالوطني والديمقراطي، كأفق إنساني، هو المدخل الثاني، لاستعادة زمام المبادرة. لكن هذه مجرد رؤية، ولن تصبح واقعاً بدون برنامج سياسي.

لقد أطلقت ثورات الربيع العربي الصوت السياسي لمجتمعاتنا، وستنطلق أصوات جسورة في المجتمعات الأخرى، في البلدان العربية وفي إيران وفي تركيا وفي فلسطين. عقارب الزمن لن تعود إلى الوراء، حتى لو بدا الأمر خلاف ذلك. علينا فقط أن نلتزم الضفة الصحيحة من التاريخ، وأن نكون على ثقة، بأن حلمنا لن يقتلنا، إلا إذا خذلناه.