إسرائيل تواصل تأهيل نظام "الممانعة"

تاريخ النشر: 14.06.2018 | 00:06 دمشق

آخر تحديث: 15.06.2020 | 23:21 دمشق

شكلت تهديدات رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لنظام الأسد مؤخرًا، بيئةً خصبة لإعادة قراءة مواقف تل أبيب من الصراع في/ على سورية، فهل نحن فعلًا أمام استراتيجية إسرائيلية جديدة تقبل ببديل عن النظام وهو الأمر الذي بقي مرفوضا إسرائيليًا طيلة أكثر من نصف قرن من الزمن؟، أم أن إسرائيل ماتزال في إطار زيادة الضغط وتضييق الخناق على النظام في دمشق لانتزاع تنازلات تخص قضية الجولان، وجنوب سورية بشكل عام ما يعزز من ثقلها الإقليمي بوجه الدور المتنامي لكل من طهران وأنقرة؟.

إسرائيل اتخذت من الوجود الإيراني في سورية خاصة في المناطق الجنوبية ذريعة لتهديد النظام السوري، وأشارت صراحة إلى أنه في حال لم يبتعد الأسد عن الإيرانيين فسيدفع ثمنًا باهظًا، وشدد نتنياهو على أن إسرائيل أمام مقاربة جديدة في سورية، مضيفًا أنه إذا "سمح الأسد لطهران بمهاجمة إسرائيل فلن يكون بمأمن عن الرد، وعليه أن يأخذ هذه التهديدات بجدية"، على حد تعبيره.

كثيرة هي وجهات النظر التي اعتبرت التهديدات الإسرائيلية مؤشرًا على تغير جذري في موقف تل أبيب سيؤدي بشكل أو بآخر إلى خسارة النظام السوري لأكبر داعم لبقائه، في حين أعاد ما تبقى من تيار "الممانعة والمقاومة" إنتاج الأسطوانة المعلبة لدور الأسد المتخيل في مقارعة إسرائيل رغم أن الحدود بين الأخيرة وسورية بقيت آمنة منذ توقيع اتفاقية فك الاشتباك مع الأسد الأب قبل أكثر من أربعة عقود.

قراءة متأنية للمعطيات السياسية والميدانية تؤكد أن إسرائيل تواصل عملية إعادة تأهيل النظام السوري، على الساحتين الدولية والإقليمية بالاتفاق مع موسكو والتفاهم مع واشنطن، مقابل الحفاظ على قواعد اللعبة السياسية فيما يخص مسألة الحدود الإسرائيلية الشمالية، وهو ما يتطلب منع أي تواجد عسكري لطهران وأدواتها في جنوب سورية، بينما تذهب بعض "التحليلات" الإعلامية إلى أن تل أبيب ماضية نحو تصفية وجود طهران العسكري على الجغرافية السورية خاصة بعد المطالب التي طرحها وزير الخارجية الأميركية بومبينو الشهر الماضي.

يمكن تفسير التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة وفق ثلاث مسارات رئيسة أولها رغبة إسرائيل بتثبيت تفردها "بزعامة الإقليم" دون أي منازع، والثاني رفضها لأي تغيير في قواعد الاشتباك، أما الثالث استثمار حالة الضعف غير المسبوقة للنظام في سورية.

بالتالي يمكن تفسير التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة وفق ثلاث مسارات رئيسة أولها رغبة إسرائيل بتثبيت تفردها "بزعامة الإقليم" دون أي منازع، والثاني رفضها لأي تغيير في قواعد الاشتباك، أما الثالث استثمار حالة الضعف غير المسبوقة للنظام في سورية وانتزاع الجولان بشكل نهائي مستفيدة من وجود ترامب الذي فعل ما لم يفعله أي رئيس للولايات المتحدة من قبل بإعلانه القدس عاصمة لإسرائيل.

يدعم التوصيف السابق تصريحات نقلتها بعض وسائل الإعلام العربية عن الصحفي الإسرائيلي (إيدي كوهين) أكد خلالها أن ضابط استخبارات إسرائيلي رفيع المستوى التقى سرًا برئيس النظام السوري بشار الأسد في شهر نيسان الماضي، موضحًا أن اللقاء تطرق للوجود الإيراني في سورية وأنه يأتي في ظل التنافس بين تل أبيب وطهران لبسط سيطرتهما على المنطقة، وفي إطار مشروع الشرق الأوسط الجديد، مشيرًا إلى أن إسرائيل لن تسمح بإسقاط الأسد لأن ذلك يشكل تهديدًا للأمن القومي الإسرائيلي.

من هنا يبدو واضحًا أن السياسة الإسرائيلية ما تزال تشكل طوق نجاة لنظام الأسد، كما كانت منذ العام 1974، عبر الأدوار التي سُمح للأخير بلعبها سواء في لبنان أو العراق وغيرها،  والتي شكلت الأساس في تثبيت دعائم حكمه، وقادت إلى اعتماده كوكيل حصري لأقذر المهمات في المنطقة ليس آخرها تدمير المخيمات الفلسطينية في سورية، ما يعني قابليته للتمديد وفق عقود متجددة من المهام.

النظام السوري يراهن بالدرجة الأولى على ثقل موسكو وتل أبيب لضمان استمراريته، وسيحاول البحث عن تفاهم ما مع الإيرانيين مستفيدًا من الضربات الإسرائيلية لمواقع طهران العسكرية في سورية، بل إن إيدي كوهين أشار في تصريحاته إلى أن ضباطًا سوريين منحو ضابط الاستخبارات الإسرائيلي خلال لقائه السري مع بشار الأسد إحداثيات لمواقع إيرانية في وسط البلاد، الأمر الذي قد يدفع بمعطيات جديدة تزيد من تعقيدات المشهد السوري.

لا شك في أن القوى الإقليمية الدولية وعلى رأسها إسرائيل لا تريد سقوط النظام السوري، وتبحث عن تسوية تعيد إنتاجه من جديد مع دور هامشي "للمعارضة"، وهو ما يدفع بوجهات نظر عديدة تؤكد بأن الأسد باق في الحكم، إلا أن المتغيرات الكبيرة خلال السنوات السبع الماضية قد تجعل من ذلك أمرًا أقرب إلى المستحيل، لأنه يشكل عائقًا أمام أي استقرار ليس في سورية فقط بل على مستوى المنطقة، ما يطرح تساؤلًا إن كانت المحددات الناظمة أو الحاكمة لسياسات الدول الكبرى تبحث عن حلول حقيقية، أم أنها مازالت تؤيد المزيد من الفوضى باعتبارها المدخل الأفضل للإيغال في تفتيت المنطقة.