إسرائيل التي تقتدي بالأسد في غزة

تاريخ النشر: 20.05.2018 | 01:05 دمشق

آخر تحديث: 24.05.2018 | 15:11 دمشق


أكثر ما يخشاه السوريون أن تزداد أوجه الشبه بين قضيتهم والقضية الفلسطينية. كلمة "النكبة" باتت تقال عن سوريا كما كانت توصف به حال فلسطين طوال سبعين عاماً. عبارات ووقائع أخرى تضع الشعبين في صورة واحدة، كأن نقول "قضية اللاجئين"، "حق العودة"، "التغيير الديموغرافي"، "سكان المخيمات"، "مصادرة الأراضي". ثمة صور متشابهة عن اقتلاع الأشجار وجرف البساتين وهدم القرى لصالح مشاريع مستوطنات هنا في الغوطة ووادي بردى وجوار حلب وحمص ودمشق، وهناك في الخليل والقدس ونابلس..

كانت صفة "الشتات" حصرية بالفلسطينيين، وها هي اليوم صفة خمسة ملايين سوري موزعين في دول الجوار وأوروبا.

لكن، وبعيداً عن العبارات والصور، هناك أيضاً اللامبالاة التي يبديها الرأي العام العربي، والبلاهة السياسية، بل التخلي التام الذي تبديه معظم الدول العربية تجاه الشعبين والنكبتين، ولا ننسى العجز الدولي عن التدخل الإيجابي. والأسوأ من كل ذلك، هو الاستثمار الدنيء في الألم الفلسطيني من قبل "محور الممانعة"، أي الجماعة نفسها التي تُنزل الألم بالشعب السوري، صاحبة شعار "طريق القدس تمر بحلب".

التشابه المشؤوم بين حال الشعبين ظهر على نحو كابوسي ودموي في مجزرة غزة الإثنين الماضي، فعلى الرغم من أن هذه المجزرة تتصل بتاريخ إسرائيل الإجرامي وشرورها تجاه الشعب الفلسطيني، إلا أنها بدت مغايرة عن سابقاتها في السجل المديد للدولة العبرية. كانت مذبحة بلا أي جهد للتمويه، لم تحدث تحت غطاء مجريات حرب واسعة، أو اجتياح عسكري مباغت، أو أثناء معركة مع مسلحين. لم تلجأ إسرائيل كعادتها إلى التلطي خلف أعمال حربية، بل لم تبذل أي محاولة للتعتيم. كانت تعرف أنها مجرد تظاهرات مدنية وسلمية، وتعرف أكثر أن مئات الكاميرات على الأقل تصوّر مسرح التظاهرات وتبث مجرياته مباشرة. مع ذلك، أمرت جنودها باستخدام الرصاص الحيّ وارتكاب المذبحة. القتل الإسرائيلي هنا اكتسب "وقاحة" إضافية، لا يمكن تبريرها أو فهم مصدرها إلا بالعودة إلى المشهد السوري. جنود بشار الأسد أبدوا شراسة وحشية تجاه التظاهرات السلمية والمدنية ما كان أحد ليتخيلها. اقترافات النظام السوري وفق "نموذج غزة" الأخير تُعد بمئات المرات، قبل أن يرتقي إجرامه إلى سوية الإبادة والتطهير، والانتقال من مرتبة "جرائم الحرب" إلى مرتبة "جرائم ضد الإنسانية".

كانت صفة "الشتات" حصرية بالفلسطينيين وها هي اليوم صفة خمسة ملايين سوري موزعين في دول الجوار وأوروبا

إسرائيل التي كانت تتابع المشهد السوري (ومشاهد إجرام الأنظمة منذ "الربيع العربي" وما تلاه)، تتابعه على الأرجح بكثير من الاحتقار والتشفي، اكتسبت دروساً كثيرة، أولها أن المنظومة السياسية العربية بالغة الانحطاط وغير قادرة على أي رد فعل يحمي السوريين أو الفلسطينيين. وثانيها أن العالم عاجز عن صوغ نظام دولي يؤمن الحماية للشعوب المضطهدة، خصوصاً في الشرق الأوسط، وهو تراجع على نحو كارثي عن مبدأ "التدخل الإنساني" الذي ظهر في تسعينات القرن الماضي. وثالثها أن مبدأ "الإفلات من العقاب" الذي أرسته تجارب النظام السوري (البراميلية والكيماوية) بات قاعدة سياسية في هذه المنطقة من العالم أكثر من أي وقت مضى.

صحيح أن إسرائيل تمتعت على الدوام بفيتو أميركي وحرج أوروبي منحاها حصانة الإفلات من العقاب، إلا أنها كانت دوماً تمارس نوعاً من "اقتصاد" العنف، وتعتمد تكتيكات التمويه والغموض القانوني والحقوقي، تسمح لها بادعاءات "أخلاقية"، من نوع "الرصاص المطاطي" وقنابل الغاز المسيلة للدموع..إلخ، إلا أنها هي الدولة التي هزمها شريط فيديو تكسير عظام الطفل الفلسطيني على يد جنودها أثناء انتفاضة الحجارة، في أواخر الثمانينات، ما مهد الطريق أمام عودة منظمة التحرير الفلسطينية إلى الداخل وإقرار العالم بمبدأ الحل العادل لقضية الشعب الفلسطيني. اليوم سقط هذا الحرج، سقط الاحتيال الأخلاقي. فلسان حال إسرائيل تجاه الدول العربية وتجاه دول العالم: "لماذا تحتجون على قتل عشرات الفلسطينيين، في حين تصمتون (وبعضكم يشارك) حيال الأهوال السورية؟". يمكن لإسرائيل هذه المرة أن "تستاء" من سياسة "الكيل بمكيالين" التي لطالما تشدق بها الخطاب العربي.

ثمة دورة من "التغذية الارتجاعية" المذهلة ما بين إسرائيل والنظام السوري، ما بين تجربتي الفلسطينيين والسوريين إزاء آلة القتل والظلم. كانت إسرائيل تتذرع بـ"محاربة الإرهاب" لإنزال العقاب الجماعي بحق السكان الفلسطينيين، وغالباً ما كانت تشهر خطاباً من نوع أن شرط السلام هو التخلي عن "الإرهاب" أولاً، التخلي عن أي مقاومة، بل وشرط بداية التفاوض هو إلقاء السلاح أولاً.

إلقاء تهمة الإرهاب وتعميمها على كل الفلسطينيين، إلى حد اعتبار أن صفع جندي يمارس الاحتلال والقمع، هو إرهاب وعدوان على إسرائيل، هو بالضبط ما مارسه النظام السوري بلا أي تحفظ وعلى نطاق شامل تجاه شعبه. أما سياسات العقاب الجماعي فكانت من الشدة أن هناك نصف مليون قتيل خلال سبع سنوات، ما يفوق بعدة أضعاف مجمل ما قتلتهم إسرائيل في حروبها على الفلسطينيين والعرب. شعار "محاربة الإرهاب" الذي يرفعه نظام بشار الأسد مماثل في خبثه وكذبه للرطانة الإسرائيلية ولغتها، بل ومستعار مباشرة من إرث الكذب الإسرائيلي.

تشابه آخر أكثر مدعاة للذهول والصدمة. التزامن بين مشهد الحبور والفرح في الاحتفالية الباذخة والمهيبة لافتتاح السفارة الأميركية في القدس المحتلة ومشهد الرعب عند حدود غزة، في تكامل واقعي وتعبيري مكثف يكشف الهوة السحيقة الفاصلة بين الظالم والمظلوم، ويكشف حال الفجور السياسي والعبثية الأخلاقية في راهن عالمنا... هذا التزامن عينه حدث في سوريا مئات المرات في السنوات القليلة الماضية، هناك مع احتفالات أسماء الأسد ورهطها، وليالي السهر الدمشقية لنخبة العصابة الحاكمة، والمناسبات الرسمية الباذخة والمتلألئة في لحظة اختناق أطفال الغوطة بالغازات السامة على مبعدة كيلومترات قليلة. ولم يكن ثمة تزامن وحسب، بل أيضاً في أحيان كثيرة كانت "الاحتفالات" على شرف المجازر وتكريماً لـ"أبطالها".

ثمة دورة من "التغذية الارتجاعية" المذهلة ما بين إسرائيل والنظام السوري ما بين تجربتي الفلسطينيين والسوريين إزاء آلة القتل والظلم

التغذية الارتجاعية المتبادلة بين إسرائيل والنظام السوري، نراها في ادعاء الأولى أنها "الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة"، أنها "دولة الحداثة"، أنها "دولة أقلية خائفة في محيط إسلامي وعربي متخلف وعدواني".. من هذا القاموس نفسه تغرف الدولة الأسدية ادعاءاتها: دولة علمانية بوجه الظلامية الإسلامية، دولة حلف الأقليات الخائفة من الداعشية، دولة القانون ضد الإرهاب، دولة الحداثة ضد الوهابية..إلخ. وهذا بالضبط ما أتاح للدولة الأسدية أن تتوغل أكثر في فاشيتها العنصرية والطائفية.

هكذا تغذى النظام السوري من التجربة الإسرائيلية. والمخيف أن إسرائيل بدورها تغذت من التجربة السورية بحيث يمكن القول أن منسوب الوحشية الإضافية للجنود الإسرائيليين، ووقاحة الحكومة الإسرائيلية ولامبالاتها الأخلاقية وفجورها السياسي، مستمد مباشرة من إنجاز بشار الأسد غير المسبوق: الإفلات المتكرر من العقاب عن جرائم موصوفة وجماعية ارتكبها في وضح النهار وفي بث مباشر معظم الأحيان.

التشابه الأخير بين النكبتين الفلسطينية والسورية، هو للأسف في بلاء الشعبين بقيادات وخيارات سياسية من صنف محمود عباس ومحمد دحلان وأحمد جبريل ويحيى السنوار، وفصائل وتنظيمات تسترخص دم شعبها أكثر مما يسترخصها عدوها.