إدلب ودرعا: مناطق دولية.. معاركها سياسية

تاريخ النشر: 27.05.2018 | 00:05 دمشق

تغيرت خريطة الصراع المحلي والدولي في سوريا، في العامين الأخيرين كثيراً عن تلك الأعوام التي عرفها السوريين منذ عام 2011، فكانت أبرز تلك التبدلات، تحييد حلب المدينة، وتهجير حمص، وريفي دمشق، وتخدير درعا والقنيطرة بالاتفاق الثلاثي، الموقع في الأردن.

فعلياً كانت أقسى تلك الارتدادات السلبية على الثورة السورية، هو تحجيم فعاليتها في عاصمتها "حمص"، ورفع الضغط العسكري عن النظام السوري في العاصمة دمشق- وأريافها، رغم أن تغييب تأثير حلب الشرقية، لم يكن بالأمر الهين، وحال الثورة بعد حلب، ليس كقبلها.

وبعد طي قوة تأثير المواقع المذكورة، عبر سياسة الأرض المحروقة المتبعة روسياً، وتكثيف الهجمات الوحشية على كل منطقة على حدا من قبل النظام السوري وإيران والميليشيات، واستخدام تلك الأطراف للمدنيين كأدوات للضغط وانتزاع التنازلات من المعارضة المسلحة، تم تحجيم الرقعة الجغرافية للثورة السورية- بشقها العسكري، والذي بات اليوم يقتصر على درعا- جنوباً، وإدلب مع قسم كبير من ريف حلب شمالاً.

تحجيم الانتشار العسكري للمناطق الثائرة ضد النظام السوري، قابله كثافة عسكرية كبيرة للغاية للتشكيلات في الشمال السوري- على امتداد إدلب وريفهـا إلى أرياف حلب.

وخلال عمليات التهجير، أبرم الاتفاق الثلاثي حول جنوب سوريا، بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والأردن، وإطلاع إسرائيلي كامل على الاتفاق والمنطقة، وكذلك المعارضة هنالك.

الشمال السوري

في الشمال، فلم تعد تشكيلات المعارضة وحيدة أو بلا سند، بل أن تركيا، رعت غالبية تلك التشكيلات، وشرعت المدن والبلدات التي انتزعتها من الوحدات الكردية للمدنيين المهجرين من المدن السورية،

أي عمل عسكري قد تفكر به روسيا أو النظام السوري أو حتى إيران للمنطقة، فعلى الجهة الفاعلة أن تعد للعشرة بداية، أو أن تعبر الجيش التركي عسكرياً، وهذا خيار مستبعد للغاية.

وكذلك فعلت مع التشكيلات العسكرية التي غادرت مواقعها، مما جعل الموقعين- شمال سوريا وجنوبها- مناطق دولية بحتة، خيار العمل العسكري فيهما ليس بالأمر الهين، ومكلف محلياً ودولياً للقوى التي قد تفكر بالإقدام على مثل هذه الخطوة.

تركيا انتهت من نصب نقاط مراقبتها في الشمال السوري، من ريف حماة إلى ريف حلب، مروراً بإدلب، ويواصل جيشها إمداد تلك النقاط بالعتاد والعدة، وهذا يعني أن أي عمل عسكري قد تفكر به روسيا أو النظام السوري أو حتى إيران للمنطقة، فعلى الجهة الفاعلة أن تعد للعشرة بداية، أو أن تعبر الجيش التركي عسكرياً، وهذا خيار مستبعد للغاية، لأن التواجد التركي لن ينتهي خلال سنوات، قد لا تقل خمس على أقل تقدير، والانسحاب مرهون باتفاق دولي شامل حول سوريا، وأيضاً هذا لا يبدو قريباً.

أما على الجانب الروسي والإيراني، فلديهم 17 نقطة مراقبة مقابلة لنقاط المراقبة التركية في الكثير من المناطق، وأيضاً هذه النقاط تجعل خيارات المعارضة بالقيام بأي عمل عسكري شبه معدوم، مقارنة بالتطورات الحالية، مما يعني أن المنطقة ستتجه نحو هدوء مؤقت فيما يخص جانب النظام السوري أو المعارضة.

علماً أن نقاط المراقبة، خففت التصعيد، وحددت مناطق النفوذ في الشمال السوري، للدول القائمة على نشر تلك النقاط.

عامل مثير للجدل

هنالك، عامل آخر مثير للجدل، ويثير المخاوف، هو تواجد هيئة تحرير الشام، وسيطرتها على غالبية مفاصل الحياة في محافظة إدلب، والعديد من المناطق في ريف حلب، وقضية الهيئة، قد وضعت عبر اتفاق أستانا الأخير، على الطاولة التركية، فالأخيرة مسؤولة عن إنهاء الهيئة بالخيارات التي تراها مناسبة.

وعلى ما يبدو، أن تركيا، تفضل استخدام القوة الناعمة ضد تحرير الشام، وتأجيل الحسم العسكري، لعدة أسباب، أولها، قيام أطراف بالمعارضة السورية المسلحة كـ "فيلق الشام" بالواسطة ما بين الهيئة وأنقرة، بهدف حل التشكيل سلمياً، دون مواجهات، والمؤشرات تقول إن تركيا نجحت ربما في إحراز تقدم بسيط ولكنه ملموس حيال هذا الملف.

فيما يبدو أن هنالك تيار متشدد داخل الهيئة، ما زال يتعنت بقراره ويرفض الخيارات التركية المقدمة، وينظر لها كقوة احتلال، وعلى أقل تقدير يرفض انفراط عقد الهيئة في الشمال السوري، إلا أن ورغم تشدد هذا التيار، تبدو أن قوته التأثيرية على المشهد غير كبيرة، أما الجولاني، فتقول عنه التحولات المتتالية للهيئة بأنه قابل للعجن وفق التطورات الدولية، وربما هذا سيساعد تركيا في إنجاز قضية الهيئة عبر البوابة التفاوضية.

الخيار الأصعب

أما الخيار الأصعب، وهو دخول الشمال السوري بدوامة مواجهات بين تركيا والتيار المتشدد في هيئة تحرير الشام، فإن المعركة نتائجها محسومة لصالح الجانب التركي والسوري المعارضة، لعدة نقاط هامة، أبرزها، وجود حاضنة شعبية كبيرة، ترحب بالحضور التركي، وترى فيها سند دولي لها، وكذلك القوة العسكرية السورية الكبيرة المتعاونة مع الجانب التركي، وهذا سيضعف الهيئة خلال جولات مواجهات، غالباً لن تطول في حال حدوثها.

وبالتالي، من خلال مجمل ما سبق يمكن القول: إن الشمال السوري، يتجه نحو تهدئة مؤقتة قد تطول، وقد يشوبها متغيرات كبيرة أو متوسطة، خاصة مع وجود عامل الوحدات الكردية المدعوم من قبل التحالف الدولي، والتي يستخدمها التحالف كشريك عسكري له على الأرض، وأداة ضغط وبازار سياسي مع تركيا في آن واحد.

وأن، لا الروس ولا إيران، ولا حتى تركيا، ولا سوريا- نظام ومعارضة، يمكنهم تغيير الواقع بشكل كيفي من خلال الأدوات العسكرية، مالم تكن هنالك تفاهمات دولية حول الشمال السوري، ويبدو أن اتفاق أستانا لا يرضى دولاً أخرى فاعلة في سوريا، وتريد توسعته، وهذه التوسعة إن حصلت، ستنعكس على الداخل السوري وتطوراته بكل تأكيد، وأن الشمال السوري تنتظره معارك سياسية ما بين الدول الداخلة والمتداخلة في الملف السوري.

جنوب سوريا

بالانتقال، إلى جنوب سوريا، وعلى وجه التحديد، درعا- القنيطرة وحتى السويداء، فالمعركة السياسية تبدو أكثر وضوحاً وأكثر غلياناً في ذات الوقت، مع وجود عدة معادلات دولية ومحلية وإسرائيلية حول مستقبله.

فروسيا، التي تستخدم النظام السوري كواجهة لمشاريعها، لديها مطامع في الوصول وإعادة فتح معبر نصيب التجاري الكبير الذي يربط سوريا بـ الأردن، ولكن هذه الأمنيات، لا يمكن أن تتحقق إلا بتحقيق معادلة ثانية، أطرافها ثلاثة- الولايات المتحدة الأمريكية- الأردن- إسرائيل، بالإضافة إلى وجود المعارضة السورية هناك.

معادلة مضادة

المعادلة المضادة للمعادلة الروسية، تشترط قبل كل شيء تحجيم إيران في الجنوب السوري، وخاصة ضمن المواقع القريبة والمحاذية للحدود للمناطق التي يسيطر عليها الكيان في الجولان المحتل، وعموم الشمال الإسرائيلي، وانسحاب إيران وحزب الله مع الميليشيات الشيعية الأخرى إلى عمق المواقع التي يسيطر عليها النظام السوري، وهذا يعني خروجهم خارج أسوار درعا والقنيطرة بشكل كلي.

الصراع السياسي، بين تلك الدول، تشوبه بين فينة وأخرى، تهديدات روسية،

إن الخيار العسكري لا يمكن الاعتماد عليه لكافة الأطراف، فروسيا، أن فتحت نيرانها على المعارضة السورية دون اتفاق سياسي مع واشنطن، ستكون التكاليف باهظة للروس وللأسد وكذلك الإيرانيين

وضربات عسكرية متفرقة للنظام السوري على الأحياء السكنية في درعا البلد، وهو بمثابة تلميح لا يثمن فاعليه على الواقع من شيء، كون الطرف الآخر هم واشنطن وتل أبيب وحتى لندن وعمان.

الخيار العسكري

ومن هنا يمكن القول إن الخيار العسكري لا يمكن الاعتماد عليه لكافة الأطراف، فروسيا، إن فتحت نيرانها على المعارضة السورية دون اتفاق سياسي مع واشنطن، ستكون التكاليف باهظة للروس وللأسد وكذلك الإيرانيين، أما الحلف الآخر، بقيادة واشنطن، فعنوانه واضح حالياً، يريد المنطقة هادئة، لا تدخله أي معارك عسكرية لأي طرف، ويبدو أن الرغبة الأمريكية ستتواصل، لحين تثبيت قواعدها مع الفرنسيين كما ترغب تلك الأطراف بشكل كامل في الشرق السوري، وعلى امتداد الحدود السورية- العراقية.

أما إيران، التي يبدو بأنها الطرف المنبوذ من قبل الجميع، حلفاء وأعداء- باتت خياراتها بحجرة ضيقة، وفي أحسن الأحوال ستكون مجبرة على اختيار أفضل الخيارات السيئة، وهنا يتكشف لنا أمر هام، بأن التوغل الإيراني والميليشياوي لها في الجنوب السوري، كان يرتهن ويستند على القوة الروسية، ويبدو أن الأخير بدا للإيرانيين كحليف مصلحة لا كشريك استراتيجي، وهذا ما أكدته الضربات العسكرية الإسرائيلية المتكررة على القواعد الإيرانية في سوريا، فلم يصدر عن الجانب الروسي، سوا القلق، وطلبات التهدئة، وكأنه يقول للإيرانيين: عندما يكون الطرف المقابل إسرائيل، فلا حلف بيننا ولا ميثاق!

مغامرة بعيدة

وبالتالي، فإن إيران، بعد اصطدامها بالانسحاب الروسي، فلن تغامر بحرب مفتوحة مع الإسرائيليين، وستزن أي ردة فعل لها، مع مصالحها الكبرى التي انتزعتها في سوريا، وستفضل ضربات متقطعة، على فقدان ثمرة صراعها العسكري لسنوات في سوريا.

وفي الختام، يمكننا القول: إن جنوب سوريا، وشمالها، باتت مواقع دولية محفوفة بالمخاطر، والمعارك فيها ستكون شد وجذب بين الأطراف الدولية، والذين يفضلون بالمجمل العراك السياسي على المعترك الحربي، بانتظار تفاهمات جديدة، وأن المنطقتين، أكبر من حجم النظام السوري، عسكرياً وسياسياً، وأن حلفاء الأسد، لن يجازفوا، بمثل هذه الحماقات، مع وجود أطراف قادرة على قلب الموازين خلال أيام قليلة.