إجهاض "الربيع العربي" جعل أنظمة العرب في المهب الإيراني الأميركي

إجهاض "الربيع العربي" جعل أنظمة العرب في المهب الإيراني الأميركي

إجهاض "الربيع العربي"  كشف العرب وجعل أنظمتهم في المهب الإيراني - الأميركي (إنترنت)
20 حزيران 2019

في العام 2006، وفي ولاية الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن على رأس الإدارة الأميركية، تلقت إيران، عرضاً دولياً برعاية أميركية، ما عرف حينها برسالة الحوافز إلى طهران. تضمّنت هذه الرسالة حينها جملة شروط دولية إلى إيران على رأسها وقف تخصيب اليورانيوم وأنشطتها النووية، مقابل الدخول في مفاوضات معها لعقد اتفاق. كانت واشنطن يومها تصنّف إيران ضمن محور الشرّ، ويضمّ هذا المحور إلى جانب الجمهورية الإسلامية كلاً من كوريا الشمالية والنظام السوري.

جاءت الرسالة في لحظة إقليمية مفصلية، بعد ثلاث سنوات على اجتياح العراق، وتنامي النفوذ الإيراني فيه، بينما كانت واشنطن قد بدأت تتعب من دفع تكاليف وجودها العسكري هناك، ولا داعي هنا للتذكير بالعمليات التي استهدفت الجنود الأميركيين هناك، والذي اعتبر تفاوضاً بالدم بين واشنطن وطهران، ولم تغفل إيران التذكير بهذا النوع من العمليات قبل فترة، أي إبان الدخول الأميركي إلى شرق سوريا. ما تضمنته رسالة الحوافز أيضاً، لم يكن يتعلّق حصراً بالنشاط النووي الإيراني، بل بمجمل ملفات المنطقة ومناطق النفوذ فيها.

لم تكن إيران في ذلك الوقت راغبة بالذهاب إلى اتفاق علني، ورفض حصول مفاوضات علنية حول رسالة الحوافز هذه، دفع إدارة بوش إلى التصعيد، فهدد الرئيس الأميركي حينها: "بفرض عقوبات سياسية واقتصادية ضد إيران في حال رفضها العرض الدولي بشأن برنامجها النووي". وقال بوش "إن أمام القادة الإيرانيين خياراً واضحاً يتمثل بقبول العرض الذي قدمته الدول الكبرى ويقوموا بتعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم". وأضاف أنه في حال الرفض "سيؤدي هذا إلى تحرك أمام مجلس الأمن وإلى مزيد من العزلة عن العالم وعقوبات سياسية واقتصادية متصاعدة بشدة".

كان الردّ الإيراني حاسماً يومها، رفض الذهاب نحو المفاوضات، ورفض تعليق تخصيب اليورانيوم، وذلك لأسباب عديدة تتعلق بالداخل الإيراني ومراكز القوى فيه. في تلك الفترة، لم تكن إيران قد حققت هذا الكمّ من النفوذ في دول المنطقة، خاصة في لبنان وسوريا والعراق. وعلى إثر عرقلة المفاوضات أو نحر الرسالة في مهدها، لجأت إيران إلى التصعيد العسكري في لبنان وفلسطين. فحصلت حرب غزة في العام 2006، وكذلك حرب تموز التي استمرت 33 يوماً بين إسرائيل وحزب الله. 

قلبت إيران موازين القوى في لبنان لصالحها، خاصة بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان وشعور حزب الله بضعف سياسي في العام 2005

غيّرت الحرب قواعد اللعبة إقليمياً ودولياً، وبالاستناد إليها قلبت إيران موازين القوى في لبنان لصالحها، خاصة بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان وشعور حزب الله بضعف سياسي في العام 2005، ما منحه العودة إلى المشهد السياسي والانتقال من الدفاع إلى الهجوم.

وبفعل ذلك التشدد الأميركي تجاه إيران، والذي استمر إلى أيام ولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما الثانية، كانت طهران تراكم نقاط نفوذها في المنطقة، اندلعت يومها الثورة السورية التي شاركت إيران باكراً جداً بإجهاضها، ودخلت عسكرياً مع قوى تابعة لها إلى مجمل الأراضي السورية مستحوذة على المفاصل الجغرافية، والمفاصل الأمنية والسياسية.

تلك التحولات التي صبت في صالح إيران، هي التي قادتها في النهاية إلى سلوك طريق المفاوضات مع إدارة أوباما، وتحديداً مع جون كيري الودود جداً تجاه إيران. فنجحت منظومة ولاية الفقيه حينها، في الحفاظ على مبدأ تصدير ثورتها إلى دول المنطقة، وخرجت باتفاق نووي مع الولايات المتحدة ودول الخمسة زائد واحد، بمعزل عن أي بحث بنفوذها الإقليمي، ليظهر المشهد وكأن توقيع الاتفاق كان ثمناً لإطلاق يد إيران في المنطقة.

وكأن السيناريو نفسه يتكرر هذه الأيام، منذ مجيء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والذي افتتح عهده بزيارة إلى المملكة العربية السعودية، عاقداً مؤتمرات عديدة تحت شعار مواجهة إيران. لم تكد تمضي ساعات على مغادرة ترامب للأراضي السعودية، حتى ظهر أن المعركة التي ستفتح قد فتحت ضد دولة قطر، ولم يعد أحد يأتي على ذكر إيران، دخل الخليج في حربه الداخلية، بينما إيران استمرت في مراكمة تقدّمها دون أي رادع جدّي في ظل تلهّي العرب بسحق شعوبهم أو إجهاض أي تحرّك سياسي على أراضيهم. ويجهدون بابتزاز بعضهم البعض، بينما ترامب يبتز الجميع، يظهر وكأنه أعطى ضوءاً أخضر لحصار قطر، فيعود ويتراجع، ويبرم اتفاقات استراتيجية ضخمة مع الدولة المحاصرة.

انعكس السلوك الأميركي الأرعن على مجمل ملفات المنطقة، فمن مواجهة إيران، نقل ترامب وجهة الاهتمام إلى كوريا الشمالية، وعقد لقاءاً مع رئيسها بغية الوصول إلى تفاهم، انشغل العالم ما قبل اللقاء باحتمال اندلاع حرب نووية لم تكن سوى مسرحية هزلية من إنتاج سخيف. ومن كوريا الشمالية انتقل ترامب في حبل تناقضاته إلى مقارعة الصين حيناً والبحث عن حوار تجاري معها أحياناً، وما بينهما بقي شعاره تجاه العرب واضحاً، بأنه سيقف إلى جانبهم بمواجهة طهران. ومن آسيا انتقل الرجل فيما بعد إلى أميركا اللاتينية فجهّز لانقلاب في فنزويلا حيث لم يكتمل مسعاه، ليعود بعدها إلى نغمة مواجهة إيران بتصعيد الإجراءات ضدها، وتصفير صادراتها النفطية. غاية ترامب في التصعيد الكلامي ضد إيران أصبحت واضحة، وتقوم على ابتزاز العرب، معروف توق الأميركيين والغرب إلى الذهاب نحو تفاهم مع إيران، تلك الادعاءات الأميركية في معاقبة إيران وحماية الدول العربية ليست سوى قفازات ليأخذ ترامب بيديه ما يريده، أي المزيد من الأموال والصفقات العسكرية مع الخليج بذريعة توفير الحماية من المطامع الإيرانية.

بقاء النظام الإيراني فيه مصلحة أميركية قبل أي شيء آخر، فهو الفزاعة التي يمكن من خلالها ابتزاز دول الخليج، بالأموال والنفط وصفقات الأسلحة

يبدو ترامب وكأنه الأصدق والأصرح بين الرؤساء الأميركيين، هو يعلن جهاراً أنه يريد الاتفاق مع إيران، ولا يريد الحرب، يريد الحفاظ على النظام ولا يريد إسقاطه. بقاء النظام الإيراني فيه مصلحة أميركية قبل أي شيء آخر، فهو الفزاعة التي يمكن من خلالها ابتزاز دول الخليج، بالأموال والنفط وصفقات الأسلحة. بينما لا تأخذ دول الخليج وخاصة المملكة العربية السعودية أي شيء بالمقابل، قالها صراحة قبل فترة بأنه يتلقى الأموال من السعودية للدفاع عنها، لكن خطوط أرامكو، وحافلات نفطية وضرب للمطارات، وصواريخ تضرب المطارات والرياض وجدة، كلّها لم تستدع من ترامب أي تدخل أو حماية. ليخرج في مقابلته مع "التايم" معتبراً أن هذه الضربات لا تستدعي شن حرب أو هجومات لأنها لا تمس بالمصالح الأميركية المباشرة.

الخلاف بين مرحلة ترامب وبوش، أن الأول أصرح من الثاني، يقول ما يريده علناً من خارج الآلية الأميركية التي اتبعت. والفارق الجوهري بين المرحلتين، أنه في العام 2006، لجأت إيران إلى معارك في لبنان وفلسطين والعراق لتحسين شروطها، وفي ولاية باراك أوباما لجأت طهران إلى سوريا واليمن لتعزيز أوراقها. أما اليوم في عهد ترامب فإن المعركة أصبحت في قلب الخليج، وتستهدف خطوط النفط والناقلات وأمن ممرات حوالى 40 بالمئة من الاقتصاد العالمي.

أصبحت إيران وبفعل العقوبات التي تفرض عليها، تتمتع بنفوذ واسع في مختلف الدول العربية، هي تدّعي سقوط أربع عواصم عربية تحت سيطرتها هي بغداد، دمشق، بيروت وصنعاء. وما تطمح إليه اليوم هو توسيع نطاق نفوذها من العامل الجغرافي والعسكري إلى العامل السياسي، عبر الاعتراف والتسليم بدورها كدولة مشاركة في القرار الإقليمي، أو العودة إلى ما كانت عليه قبل الثورة الإسلامية، أي شرطي الخليج. وهذا ما تفاوض عليه مع الأميركيين والأوروبيين، خاصة بتقديمها العديد من أوراق الاعتماد، بأنها القادرة على حماية ممرات الطاقة، والقادرة على توفير أمن الأساطيل التجارية، والقادرة على حماية أمن إسرائيل. في المقابل تكمن المشكلة العربية في فقدان أي عامل للمبادرة لمواجهة هذا التقدّم الإيراني، خاصة أن العرب يعقدون أمرهم على ما يقرره الأميركيون الذين لا يعقدوا اتفاقاً إلا مع الطرف الأقوى.

مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979، ترددت أصداؤها في الخليج وتحديداً في المملكة العربية السعودية، وما عرف حينها بحادثة الحرم التي قام بها جهيمان العتيبي، يومها وضعت الثورة الإسلامية الإيرانية السعودية أمام استحقاق كبير وهو ضرورة إيجاد مواكبة اجتماعية في الداخل لما تحقق في إيران، فحصلت بعض الإجراءات التشددية. اليوم أصبحت إيران في مكان تقدّم نفسها بأنها النظام الوحيد القادر على حماية الأنظمة العربية، هذا ما مارسته في سوريا وابتزت به كل العالم، والتقت مصالحها مع مصالح العالم عليه، وهذا ما تريد الحفاظ عليه اليوم، بالقول إن أي تهديد قد يتعرض له نظامها فستكون ارتداداته على أنظمة الخليج. وما ساعد إيران على تحقيق هذه المعادلة، هو ابتعاد الأنظمة العربية عن متطلبات شعوبها، والسماح بإجهاض الثورات العربية التي وحدها كانت كفيلة في بلورة مشروع عربي وطني مدني قادر على مواجهة الأخطار الإيرانية وغير الإيرانية.

مقالات مقترحة
ثلاث إصابات جديدة بفيروس كورونا في مدينة عين العرب "كوباني"
"سبيعي" يتعرض لموجة سخرية وانتقادات بسبب كورونا
تسجيل 18 إصابة جديدة بفيروس كورونا في مناطق سيطرة "قسد"
إصدار مرئي للتنظيم المسؤول عن استهداف الدورية المشتركة على الـM4
قتلى لقوات النظام في جبل الأكراد بعد إحباط محاولة تسللهم
ضحايا مدنيون بغارات جوية على مدينة بنش شمالي إدلب (فيديو)
رايبورن: صيف قيصر سيستمر على الأسد وحلفائه حتى النهاية
حجاب ورايبورن يبحثان أفضل السبل لتطبيق قانون قيصر
شركات نفط في لبنان يديرها مهرّب سوري وعضو في برلمان النظام