في سابقة دبلوماسية لم تشهدها سوريا منذ تأسيس الأمم المتحدة، توحّد مجلس الأمن ــ بأعضائه الدائمين وغير الدائمين ــ على زيارة دمشق، في إجماع يُعدّ الأول من نوعه تجاه بلد ظلّ لعقود عنوانًا للانقسام والتجاذب داخل أروقة المنظمة الدولية.
فبعد أن كانت سوريا خلال حكم الأسدين ملفًا مُثقلاً بالأزمات ومحلّ صراع بين القوى الكبرى، تحوّلت اليوم إلى ساحة يسعى المجتمع الدولي إلى دعم استقرارها وتعزيز وحدتها ومساندة شعبها في عبور المرحلة الانتقالية.
وجاءت زيارة وفد مجلس الأمن الخميس، حيث استقبل الرئيس أحمد الشرع وأعضاء الحكومة الوفد في قصر الشعب بدمشق، وما يزيد من رمزية هذه الزيارة وأهميتها بالنسبة لسوريا أن أي خطوة بهذا المستوى لا تتم إلا بإجماع كامل بين أعضاء مجلس الأمن وفق نظامه المعمول به، وهذا ما يجعلها ـ بحسب مراقبين ـ لحظة استثنائية في سياق علاقة سوريا بالمجتمع الدولي.
أمام هذا التحول اللافت يبرز السؤال: ما الذي جمع هذه الدول المتباينة الرؤى والمصالح على زيارة سوريا، ولِمَ الآن تحديدًا؟
بناء الثقة في ذكرى التحرير
لا يمكن فصل زيارة مجلس الأمن لدمشق عن اللحظة الوطنية التي تعيشها البلاد، فالوفد الدولي وصل في وقت تستعيد فيه سوريا ذكرى إسقاط النظام المخلوع، وسط احتفالات شعبية تُذكّر بعامٍ أول شهد تحولات واضحة على مستوى الداخلي والخارجي. هذا التزامن يمنح الزيارة طابعاً رمزياً، ويحولها من مجرد خطوة دبلوماسية إلى رسالة متعددة الطبقات حول نظرة المجتمع الدولي لسوريا الجديدة.
السفير السوري لدى الأمم المتحدة إبراهيم العلبي وصف التوقيت بأنه يحمل "رسالة تضامن واضحة" مع الشعب السوري في ذكرى التحرير، مشيرًا إلى أن أعضاء مجلس الأمن باتوا ينظرون بجدية إلى "الإنجازات" التي تحققت خلال العام الماضي، وفي مقدمتها تعزيز الاستقرار وتثبيت مسار الانتقال السلمي.
وفي تصريحات لوكالة سانا شدّد العلبي على أن الزيارة تعكس تقدير مجلس الأمن لحجم الجهود التي أخرجت البلاد من مرحلة الخطر التي طبعت سنوات النظام المخلوع، وأنها تأتي دعماً لسوريا في عامها الأول بعد التحرير، وإشارة إلى استعداد دولي أوسع للتعامل مع واقعها الجديد.
أما رئيس الوفد سامويل زبوغار، فركّز خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده الوفد في فندق سميراميس بدمشق على أن الهدف الأساسي هو "بناء الثقة" مع السوريين، مؤكداً أن مستقبل البلاد يجب أن يكون "سوريًا بقيادة وملكية سوريتين".
وأضاف أن الزيارة تحمل رسالة تقدير لصمود السوريين، وتشجيعًا للجهود المبذولة لبناء سوريا جديدة، مع التشديد على أن رفع العقوبات يمثل البوابة الأولى نحو بدء عملية الإعمار.
وفي هذا السياق يوضح المستشار السابق في الخارجية الروسية رامي الشاعر أن المجتمع الدولي بات يدرك قيمة تضحيات الشعب السوري وكل ألون المأساة التي عاناها الشعب السوري في سعيه لنيل حريته.
وأكد الشاعر في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن ما نراه اليوم من مظاهر الترحيب شعبيا ودوليا بالقيادة السورية الجديدة هي رد طبيعي لإنجازات الشعب السوري وسعيه لبناء واستقرار دولته.
التزام سوري يبدد المخاوف الدولية
تُظهر دمشق في الأشهر الأخيرة نشاطًا دبلوماسياً لافتاً، يعكس رغبتها في فتح صفحة جديدة مع المجتمع الدولي، ولا سيما مع الدول التي ما زالت تبدي حذرًا تجاه السلطة الجديدة في البلاد.
وإلى جانب الزيارات المتبادلة والحوارات المفتوحة، تحاول الحكومة السورية طمأنة أعضاء مجلس الأمن بأن المرحلة الانتقالية تسير وفق الالتزامات الدولية المتعلقة بالسلم والأمن، وبأن مسار الانتقال السياسي يُدار ضمن رؤية واضحة تحترم القرارات الأممية ذات الصلة.
هذا الانفتاح وفق قراءة العديد من المراقبين لعب دوراً مهماً في توحيد الموقف داخل مجلس الأمن لأول مرة منذ سنوات. الباحث بكر غبيتس، رئيس منظمة "مواطنون لأجل أمريكا آمنة" يرى أن ما جمع الدول الخمس عشرة على زيارة سوريا هو إدراكها لحجم التغيّرات التي شهدتها البلاد خلال فترة قصيرة، ويقول لموقع تلفزيون سوريا: ما وحّد مجلس الأمن هو أهمية التغيرات الحاصلة في سوريا وسرعتها وجذريتها، إضافة إلى الإيجابية من المجتمع المحلي والدولي في التعاطي معها، خاصة من قبل الولايات المتحدة ودعم الرئيس ترمب الواضح للرئيس الشرع.
ويضيف غبيتس أن الحكومة السورية لم تكتفِ بمحاولة طمأنة الدول، بل بدت وكأنها تحصد ثمرة جهودها الداخلية للحفاظ على وحدة البلاد، ومواجهة كل الدعوات التي روّجت للانقسام أو الفيدرالية أو التشكيك بشرعية الحكم الجديد، معتبراً أن هذا الأداء عزّز من فرص حصول دمشق على دعم دبلوماسي واضح، وانعكس في توافق نادر داخل مجلس الأمن.
من جانبه يربط الباحث السياسي درويش خليفة هذا الإجماع بالقرار الأخير للمجلس رقم 2799، الذي شمل رفع العقوبات عن الرئيس الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب، إضافة إلى ما تضمّنته فقرته الرابعة من التزامات واضحة تعهدت بها سوريا.
ويقول خليفة لموقع تلفزيون سورياك إن القرار أشار صراحة إلى التزام دمشق بضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ومكافحة الإرهاب بما في ذلك داعش والقاعدة والمقاتلون الأجانب، وهو ما شكل عنصرًا مهمًا في بناء الثقة مع الدول الأعضاء.
ويتابع خليفة موضحًا أن التزام الحكومة السورية لم يقتصر على الجوانب الأمنية والإنسانية، بل شمل ملفات أساسية أخرى مثل حماية حقوق الإنسان لجميع السوريين دون تمييز، مكافحة المخدرات وتعزيز العدالة الانتقالية، ومنع انتشار الأسلحة الكيميائية والتخلص من مخلفاتها، إضافة إلى تثبيت الاستقرار الإقليمي، والمضي في عملية سياسية شاملة بقيادة وملكية سورية.
دعم استقرار سوريا بوجه الاعتداءات الإسرائيلية
تأتي زيارة وفد مجلس الأمن إلى دمشق في لحظة تتصاعد فيها الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، وآخرها استهداف بلدة بيت جن الذي أسفر عن استشهاد 13 مدنيًا، هذا التزامن منح الزيارة بعداً إضافياً، لتُقرأ كرسالة دعم لوحدة سوريا واستقرارها، في مواجهة اعتداءات ترى فيها الأمم المتحدة خطراً مباشراً على الأمن الإقليمي ومسار التعافي الداخلي.
من ناحيته أكد السفير إبراهيم علبي أن الاعتداءات الإسرائيلية كانت محوراً بارزاً في نقاشات الرئيس الشرع مع وفد المجلس، وأوضح علبي في تصريحه لـ"سانا" أن الوفد استمع إلى رؤية الرئيس الشرع لمستقبل البلاد، وأن العديد من أعضاء المجلس تساءلوا عمّا يمكن أن يقدمه المجلس في هذا السياق، ليأتي جواب الرئيس مركّزًا على ضرورة حماية وحدة سوريا وسلامة أراضيها، والعمل على وقف الاعتداءات الإسرائيلية التي تعرقل الاستقرار.
من ناحيته يرى المستشار رامي الشاعر أن أهمية الزيارة تتضاعف بالنظر إلى أنها تأتي بعد التصويت الواسع للجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث أيّد 123 بلدًا مشروع القرار المتعلق بعودة الجولان السوري وانسحاب إسرائيل من كامل الأراضي السورية، مقابل اعتراض سبعة دول فقط وامتناع 41 دولة عن التصويت.
ويعكس هذا التصويت “وجدان المجتمع الدولي” وتفهمه للطريق الطويل والشاق الذي خاضه السوريون للوصول إلى هذه اللحظة المفصلية، يضيف الشاعر.
وفي السياق ذاته يوضح السياسي بكر غبيتس أن الزيارة تُقرأ أيضاً كإشارة دبلوماسية موجهة لإسرائيل، التي واصلت اعتداءاتها على سوريا منذ اليوم الأول لسقوط النظام السابق.
ويعتبر غبيتس أن حضور مجلس الأمن في دمشق هو بمثابة موقف سياسي ضمني مفاده أن استقرار سوريا أصبح جزءاً من أولويات المجتمع الدولي، وأن أي استهداف لأمنها يتعارض مع المسار الذي يسعى المجلس لتثبيته.
وفي هذا السياق يمكن القول إن زيارة مجلس الأمن رسالة مزدوجة؛ فهي تضامن مع سوريا في مواجهة الاعتداءات، ودعم لمسار الاستقرار الذي يحاول المجتمع الدولي حمايته من أي تهديد خارجي من جهة أخرى.
وكان وفد من الأمم المتحدة قد زار أمس الخميس منطقة "بيت جن" للاطلاع على آثار العدوان الإسرائيلي الأخير، وفق ما أفاد به مراسل تلفزيون سوريا. وتشير الزيارة الميدانية إلى اهتمام مباشر من الأمم المتحدة برصد أثر هذه الاعتداءات على المدنيين، وما يخلّفه استمرارها من تهديد حقيقي لاستقرار البلاد.
ودانت نائبة المبعوث الأممي إلى سوريا، نجاة رشدي، الجمعة الماضية التوغل العسكري الإسرائيلي في بلدة بيت جن بريف دمشق، معتبرةً هذه الأعمال "انتهاكاً جسيماً وغير مقبول لسيادة سوريا ووحدة أراضيها".