بعد سنوات من الحرب والتهجير التي انتهت بسقوط نظام الأسد المخلوع، يواجه فئة من السوريين العائدين إلى مناطقهم تحديات كبيرة في إثبات ملكياتهم العقارية وحماية حقوقهم، ومع فقدان الوثائق وضياع السجلات، تظهر الحاجة إلى آليات قانونية وشهادات تساعدهم على استعادة ممتلكاتهم وبناء مستقبل مستقر.
وخلال السنوات الماضية، شهدت حقوق الملكية العقارية في سوريا انتهاكات واسعة، أثرت بشكل مباشر على ملايين السوريين الذين فقدوا وثائق ممتلكاتهم نتيجة التهجير أو القصف والحرائق، إضافة إلى القوانين التي فرضها النظام لإضفاء الشرعية على الاستيلاء غير القانوني للعقارات والأراضي، لا سيما في المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة سابقاً قبل تهجير أهلها.
ومع سقوط نظام بشار الأسد، تبرز الحاجة لمعالجة هذه القضايا في إطار قانوني يراعي مبادئ العدالة الانتقالية، بهدف إعادة الحقوق إلى أصحابها وضمان الاستقرار، وتسريع عملية إعادة الإعمار في سوريا.
يستعرض موقع تلفزيون سوريا أبرز التحديات القانونية المتعلقة بالممتلكات العقارية في سوريا، وسبل حماية حقوق السوريين المهجرين وضمان عودتهم إلى منازلهم وأراضيهم بشكل يضمن كرامتهم واستقرارهم في وطنهم.
فقدان الوثائق وضياع الملكية
يروي الشاب عمران موسى، المنحدر من مدينة حلب، لموقع تلفزيون سوريا تفاصيل معاناة عائلته مع فقدان ملكية شقتين ضمن بناء مؤلف من عدة طوابق كانت العائلة تملكهما بجانب مشفى زرزور في حي الأنصاري الشرقي في مدينة حلب.
وقال عمران: "اشترى والدي وجدي منزلين في هذا الحي خلال سنوات الثورة، حيث كان أحدهما مسجلاً باسم والدي والآخر باسم جدي، للأسف، توفي جدي قبل عدة سنوات، والعام الماضي توفي والدي أيضاً".
وأضاف: "أثناء تهجيرنا القسري من مدينة حلب بعد اقتحامها من قبل قوات النظام، فقدنا جميع الوثائق الخاصة بالمنزلين، حيث اضطررنا إلى الهروب سريعاً مع عائلتي إلى ريف حلب، وخلال تلك الفترة كان يسكن الشقتين أفراد من الشبيحة الموالين للنظام".
وتابع: "بعد السيطرة على مدينة حلب من قبل الفصائل، وجدنا أن الشقتين أصبحتا فارغتين، لكننا حالياً لا نملك أي إثبات قانوني أو وثيقة تؤكد ملكيتنا لهما، كما أن صاحب المبنى الذي اشترى منه والدي وجدي الشقتين اختفى تماماً، وفقدنا أي وسيلة للتواصل معه، ولا نعلم مكان وجوده الآن".
وبحسب شهادة عمران، فإن هناك صعوبات عديدة تواجه الكثير من العائلات السورية لاستعادة ممتلكاتها، خصوصاً في ظل فقدان الوثائق القانونية وغياب السجلات الرسمية.
آلية التعامل مع فقدان الوثائق
وحول مثل هذه الحالات وكيفية إثبات الحقوق العقارية لمن فقدوا وثائقهم، قال المحامي علي السواح في حديثه مع موقع تلفزيون سوريا إن ذلك ممكن من خلال شهادات الشهود المحليين، مثل الجيران أو الأقارب الذين يعرفون تاريخ الملكية، أو الوثائق البديلة مثل الصور القديمة للعقار أو فواتير الكهرباء والماء التي تحمل اسم المالك.
ولا بد أيضاً من حماية ممتلكات المهجرين عن طريق الإجراءات القانونية، والتي تشمل توثيق الملكيات في نظام رقمي حديث لحفظ جميع سجلات الملكية العقارية، ومنع أي بيع أو تغيير في وضعية العقارات حتى يتم حل النزاعات، بالإضافة إلى تأسيس لجان مستقلة تعمل على مراجعة قضايا الملكية وإعادة الحقوق لأصحابها.
وأشار السواح إلى أن هناك بعض التجارب الناجحة في مناطق شمالي سوريا، حيث أعادت المجالس المحلية تنظيم السجلات العقارية وتوثيقها بشكل رقمي لضمان حمايته، كما تم تشكيل لجان محلية للنظر في النزاعات العقارية وتسويتها بناءً على الأدلة المتوفرة.
وأكد أن هذه التجارب يمكن أن تكون نموذجاً يُحتذى به على نطاق أوسع، مشدداً على ضرورة تعزيز نظم التوثيق الرقمي والتعاون مع المنظمات الدولية لتوسيع هذه الجهود وحماية حقوق الملكية للسوريين في جميع المناطق.
القصر العدلي في حمص يعلّق
ولتسليط الضوء أكثر على هذا الملف، تواصل موقع تلفزيون سوريا مع رئيس القصر العدلي في حمص، حسن الأقرع، المعيّن مؤخراً من قبل حكومة تصريف الأعمال السورية، إذ أكد أن هذه المشكلة برزت مؤخراً بعد عودة بعض الأهالي إلى المدينة، التي تحولت العديد من مناطقها إلى ركام نتيجة القصف خلال سنوات الحرب.
وأضاف الأقرع أن العديد من الأهالي اصطدموا بجملة من العقبات التي تعيق إعادة بناء حياتهم واستعادة ممتلكاتهم، فبعد أن فقد كثيرون الوثائق الرسمية نتيجة النزوح أو بسبب احتراقها أثناء القصف، بدأت المحاكم تعمل على ترميم السجلات العقارية بالاعتماد على الصور الضوئية العادية المتوفرة.
وتتم العملية، وفق الأقرع، عبر "إجراء مطابقة دقيقة وإجراءات تشمل الكشف والخبرة والتحقيق المحلي، مع الاعتماد على شهادات الشهود والجيران لتأكيد صحة الوثائق واستكمال الإجراءات القانونية".
ومع ذلك، تواجه المحاكم تحديات كبيرة في الفصل في النزاعات العقارية الناجمة عن التهجير والدمار، أبرزها صعوبة تبليغ أطراف الدعوى بسبب النزوح القسري للسكان وعدم وجودهم في المنطقة نفسها.
وأشار الأقرع إلى أن "تشكيل لجان لحل الخلافات في المناطق التنظيمية المستحدثة يؤدي غالباً إلى تعطيل السير في الدعاوى، مما يُعد من الأسباب الرئيسية لتأخير البت فيها".
قوانين ظالمة
من جهتها، استعرضت المحامية وعد القاضي في حديثها لموقع تلفزيون سوريا أبرز القوانين التي أصدرها النظام وأثرت على حقوق الملكية العقارية للسوريين، مشيرةً في الوقت نفسه إلى طريقة معالجتها بعد سقوط النظام.
وبعد سنوات من اندلاع الثورة، سنّ النظام مجموعة من القوانين الظالمة التي مكنته من شرعنة الاستيلاء على ممتلكات المعارضين بتهم واهية، حيث يُعتبر كل من غادر مناطق النظام عرضة لتهم "دعم الإرهاب"، مما يتيح له مصادرة ممتلكاتهم دون محاكمات عادلة.
وقالت القاضي: "من أبرز القوانين التي أثرت على حقوق الملكية العقارية في سوريا، القانون رقم 10 لعام 2018، الذي أتاح للنظام إعادة تنظيم المناطق العقارية ومصادرة الممتلكات دون تعويض عادل، مما أدى إلى تهجير آلاف السوريين".
يضاف إلى ذلك القانون رقم 19 لعام 2012، الذي يندرج ضمن قوانين مكافحة الإرهاب، ويتيح مصادرة أملاك الأشخاص المتهمين بـ"الإرهاب" من قبل النظام، مما جعله أداة سياسية لمصادرة أملاك المعارضين أو حتى من يُشتبه في معارضتهم، كما يسمح القانون بتجميد أموال وأملاك الأفراد المتهمين، ويشمل العقارات المملوكة للمعارضين السياسيين وعائلاتهم.
وأكدت القاضي على ضرورة معالجة هذه القوانين وإلغاء جميع النصوص التي تتعارض مع حقوق الملكية الفردية، وتبني تشريعات جديدة تضمن حماية الملكيات وإعادة الحقوق لأصحابها.
وأوضحت أن حقوق الملكية العقارية في سوريا تعرضت لانتهاكات جسيمة على يد النظام خلال الحرب، ومعالجة هذه القضايا تتطلب جهوداً قانونية واسعة وعدالة انتقالية شاملة تعيد الحقوق لأصحابها وتمنع تكرار هذه الانتهاكات مستقبلاً.
وحول خطورة هذه القوانين، نشرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" و"الشبكة السورية لحقوق الإنسان" تقريراً في 18 من تموز الماضي وثقتا فيه سلسلة من "قرارات الحجز الاحتياطي" التي أصدرتها وزارة المالية التابعة للنظام منذ بداية عام 2024.
واستهدفت تلك القرارات أملاك مئات الأشخاص وعائلاتهم في بلدة زاكية الواقعة جنوب العاصمة دمشق، وأكدت "رايتس ووتش" حينذاك أن ذلك التجميد الجماعي للأصول يشكل "عقاباً جماعياً وانتهاكاً للحق في الملكية" من قبل النظام.
وتمثل العقارات والأموال غير المنقولة ثروة وطنية لأي بلد، ويُعد حق التملك والملكية من أكثر الحقوق حماية وحصانة في المواثيق الدولية والقوانين الوطنية، فقد نصت المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لا يجوز تجريد أحد من حقه في التملك".