icon
التغطية الحية

إبادة بيئية في القنيطرة.. تحقيق لتلفزيون سوريا يكشف تجريف إسرائيل مئات الهكتارات

2026.05.04 | 17:15 دمشق

آخر تحديث: 2026.05.05 | 12:36 دمشق

إبادة بيئية في القنيطرة.. تحقيق لتلفزيون سوريا يكشف تجريف إسرائيل مئات الهكتارات
صورة أقمار صناعية تُظهر تجريف 47 هكتار من أحراش جباتا الخشب بريف القنيطرة (تلفزيون سوريا)
 تلفزيون سوريا - خاص
+A
حجم الخط
-A
إظهار الملخص
- تدمير الغطاء النباتي: تعرضت محافظة القنيطرة لتجريف واسع للغابات والمناطق الطبيعية، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية إزالة 150 هكتاراً من الغطاء النباتي في حرش كودنا وتحويل "تل الأحمر" إلى قاعدة عسكرية، مما يهدد المحميات الطبيعية.

- تداعيات بيئية خطيرة: عمليات التجريف تؤدي إلى فقدان النظام البيئي، وقد تحتاج المناطق المتضررة إلى عقود لإعادة التأهيل. استخدام المبيدات العشبية يزيد من خطورة الوضع البيئي والصحي.

- التحديات البيئية والإنسانية: رغم الدمار، يتمسك السكان بأرضهم، مؤكدين على بقائهم فيها رغم التحديات، مما يبرز التحديات البيئية والإنسانية في المنطقة.

في مشهد يتجاوز السياسة إلى ما هو أعمق وأخطر، تتكشف معالم جريمة بيئية واسعة في محافظة القنيطرة، حيث امتدت انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي لتعيد رسم ملامح الجغرافيا الطبيعية للمنطقة.

وفي تحقيق أجراه برنامج "المستكشف" على "تلفزيون سوريا"، استند إلى تحليل صور أقمار صناعية وشهادات ميدانية، قدّم البرنامج رواية موثقة بالأدلة لما جرى في محيط بلدات جباتا الخشب وكودنا وحرش الشحار بريف القنيطرة، حيث كشفت الصور حجم التدمير الذي لحق بواحدة من أبرز المناطق البيئية في سوريا.

تجريف يتسارع.. وثلث محمية يختفي

تكشف المقارنة بين صور الأقمار الصناعية الملتقطة بين تشرين الثاني 2024 وشباط 2026، عن تصاعد كبير في عمليات التجريف داخل محمية جباتا الخشب.

ووفق التحليل، وصلت المساحة التي أُزيلت حتى كانون الأول 2025 إلى ما بين 25 و47 هكتاراً، أي ما يعادل نحو ثلث مساحة المحمية.

ولا يتوقف الأمر عند إزالة الغطاء النباتي، إذ تُظهر الصور إقدام الجيش الإسرائيلي على إنشاء قاعدة عسكرية في المناطق التي جرى تجريفها، قرب ما يُعرف بـ"برج الزراعة"، بعد إزالة الأشجار المحيطة به بشكل كامل.

وفي حرش الشحار القريب، تتكرر الصورة، حيث جرى تجريف 15 هكتاراً إضافياً منذ مطلع حزيران 2025.

كودنا.. الإبادة الكاملة خلال أسبوعين

إلى الجنوب من بلدة جباتا الخشب، يبدو المشهد أكثر قسوة، فقد أظهرت صور الأقمار الصناعية إزالة نحو 150 هكتاراً من الغطاء النباتي في حرش كودنا خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز أسبوعين، بين الرابع والثامن عشر من كانون الثاني 2025.

وخلال هذه الفترة، تحولت مساحة تُقدّر بـ مليون ونصف مليون متر مربع من غابة خضراء إلى أرض جرداء. كما أظهرت الصور تحويل "تل الأحمر" الاستراتيجي إلى قاعدة عسكرية، مع شق طرق عسكرية في المنطقة.

صورة أقمار صناعية تُظهر كيف تحول حرس كودنا بعد التجريف الإسرائيلي (تلفزيون سوريا)
صورة أقمار صناعية تُظهر كيف تحول حرس كودنا بعد التجريف الإسرائيلي (تلفزيون سوريا)

أرقام صادمة من الميدان

بحسب شهادات محلية، تحدثت لـ "تلفزيون سوريا"، لم تقتصر الأضرار على الغابات العامة، بل طالت الأراضي الزراعية الخاصة، إذ تم تجريف نحو 10 دونم من الأراضي المزروعة بالأشجار المثمرة في جبات الخشب، مع منع الأهالي من الوصول إلى نحو 7000 دونم من أراضيهم، بينها 2500 دونم مشجرة.

وفي مجمل محافظة القنيطرة، تشير التقديرات إلى تجريف نحو 300 هكتار، بينها 186 هكتاراً في كودنا وحدها، إضافة إلى نحو 100 هكتار في جباتا الخشب.

كما طالت عمليات الاقتلاع الأشجار على جانبي الطرق، في محاولة لتجريد المنطقة من غطائها النباتي بشكل كامل.

"سياسة الأرض المحروقة"

لم تقتصر الانتهاكات على التجريف، بل شملت أيضاً رش مبيدات عشبية على مناطق واسعة قرب خط وقف إطلاق النار.

وبحسب المعطيات، أدى الرش إلى نشوء شريط بعرض يصل إلى 80 متراً خالٍ تماماً من النباتات.

كما تضررت نحو 700 دونم من الأشجار المثمرة، بينها الزيتون والتفاح واللوزيات، في حين تحولت 1500 دونم من المراعي إلى أراضٍ قاحلة، إضافة إلى تضرر 300 دلم من المحاصيل الزراعية.

ويصف خبراء هذه الممارسات بأنها جزء من "سياسة الأرض المحروقة"، التي تهدف إلى كشف المنطقة عسكرياً وتغيير ملامحها الجغرافية.

وتمتد محمية جباتا الخشب على مساحة تقارب 133 هكتاراً، وأُعلنت محمية رسمية عام 2005، وكانت تُعد من أبرز المواقع البيئية والسياحية في سوريا، لكن اليوم، تواجه هذه المحمية، إلى جانب حرش الشحار وكودنا، حملة تدمير ممنهجة تهدد وجودها بالكامل.

 "تهديد وجودي"

وفي تعليق على هذه التطورات، يقول المهندس الزراعي المعيد في كلية الهندسة الزراعية بجامعة حلب، محمد الحسن، لـ"تلفزيون سوريا"، إن "المحميات الطبيعية هي بنية تحتية بيئية بالغة الأهمية، ليست مجرد بقعة جغرافية، بل نظام بيئي متكامل يحافظ على التنوع الحيوي في سوريا".

ويضيف: "يوجد 26 محمية طبيعية في سوريا، وهي تؤدي وظائف مجانية للبيئة، من تنقية الهواء وتلطيف المناخ إلى كونها بنوكاً وراثية ومختبرات طبيعية للبحوث".

وحول محمية جبات الخشب، يوضح: "هي محمية استثنائية بكل المقاييس، تضم أكثر من 30,000 نوع من الأشجار المعمرة، وأكثر من 100 نوع مهدد بالانقراض، إضافة إلى تنوع حيواني كبير".

التجريف أخطر من الحرق

يؤكد الحسن أن عمليات التجريف تختلف جذرياً عن الحرق أو القطع إذ يؤدي التجريف إلى اقتلاع الشجرة من جذورها وإزالة الطبقة السطحية من التربة، بما فيها الكائنات الحية الدقيقة، ما يعيق التجدد الطبيعي للنظام البيئي.

ويتابع: "في حالات الحرق يمكن للطبيعة أن تتعافى، لكن في التجريف نحن نتحدث عن فقدان كامل للنظام البيئي، وقد يحتاج الأمر إلى جيل كامل لإعادة ترميمه".

40 إلى 80 عاماً لإعادة التأهيل

وبحسب الحسن، فإن إعادة تأهيل هذه المناطق تتطلب ما بين 40 إلى 80 عاماً، مشيراً إلى أن: "إعادة محمية تحتوي على أشجار معمرة عمرها مئات السنين أمر شبه مستحيل، يمكن استعادة الوظائف البيئية، لكن ليس الشكل الطبيعي".

أما بشأن المبيدات، فيكشف الحسن: "تشير الدراسات إلى أن المادة المستخدمة هي الغليفوسات، المصنفة كمادة شبه مسرطنة للبشر، وسامة للحياة المائية".

ويحذر من تداعيات استخدامها: "هذه ليست المرة الأولى، فقد استُخدمت سابقًا في غزة وجنوب لبنان، وهناك مخاوف من استخدامها كسلاح بيولوجي".

ويضيف: "تحويل الأراضي إلى مناطق جرداء وتسريع التصحر قد يؤدي إلى تغييرات طويلة الأمد في النظام البيئي".

"الأرض لنا"

ورغم حجم الدمار، يتمسك السكان بأرضهم، ويقول أحد الأهالي لتلفزيون سوريا: "نحن موجودين في هذه الأرض، والأرض أرضنا، وسنبقى فيها ما حيينا، ولدنا فيها ونموت فيها إن شاء الله، ولن نتخلى عنها ولو لحظة واحدة".

وتكشف هذه المعطيات عن مشهد بيئي كارثي في الجولان، حيث تتحول الغابات إلى ثكنات عسكرية، والأراضي الزراعية إلى مساحات قاحلة.

وفي حين تحتاج الطبيعة لعقود كي تتعافى، يبقى السؤال مفتوحًا حول مصير واحدة من أهم المناطق البيئية في سوريا، في ظل استمرار هذه الانتهاكات.